وجّه ابن جرير (١٦/١٦) قول زيد وابنه عبد الرحمن، فقال: «وكأنّ الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أن السِّرَّ هو: ما حدث به الإنسانُ غيره سِرًّا، وأن أخفى: معناه: ما حدث به نفسه، وجهوا تأويل أخفى إلى الخفي». وانتقد ابنُ عطية (٦/٨٠) هذا القول، فقال: «وقد تُؤُوِّل على بعض السلف أنه جعل ﴿وأَخْفى﴾ فعلًا ماضيًا، وهذا ضعيف»
ذكر ابنُ كثير (١٤/٣١٥) أنّ قتادة قال في معنى الآية: «إنما سُمّي النجم طارقًا؛ لأنه إنما يُرى بالليل ويختفي بالنهار». ثم علَّق عليه بقوله: «ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: «نهى أن يطرق الرجل أهله طروقًا». أي: يأتيهم فجأة بالليل. وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء: «إلا طارقًا يطرق بخير، يا رحمن»»
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله- أنّه قال: قال في سورة النساء: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾، وقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأُولَئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)﴾. وقال في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (٨)﴾، ثم قال فيها: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩)﴾. فنسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾، فجعل لهم أجلًا أربعة أشهر يسيحون فيها، وأبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، ثم نسخ واستثنى: ﴿فَإنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾
اختلف السلف في تعيين الآيات التسع التي آتاه الله إياها كما هو موضح بالآثار. وقد نقل ابنُ عطية (٥/٥٥٠-٥٥١) اتفاق المفسرين على خمس منها، واختلافهم في أربع، فقال: «وقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ اتفق المتأولون والرواة أنّ الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الأربع». ثم ذكر الخلاف في تعيين هذه الأربع، وعلّق بقوله: «والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص من آيات موسى -إذ هي كثيرة جدًّا تنيف على أربع وعشرين- تسعًا بالذكر، ووصفها بالبيان، ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك». وذكر ابنُ كثير (٩/٨٧) عن قتادة، ومجاهد، وابن عباس، وعكرمة، والشعبي أن الآيات التسع هي: يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ورجّحها مستندًا إلى القرآن بقوله: «وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي... فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم * وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ [النمل:١٠-١٢]. فذكر هاتين الآيتين: العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها»
اختُلِف في جواب: ﴿لو﴾ في الآية على أقوال: الأول: أنّ جوابها مُقدَّم متعلق بقوله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾. الثاني: أنّ جوابها محذوف، تقديره: لكان هذا القرآن. الثالث: أنّ جوابها محذوف، تقديره: لو كان هذا كله لما ءامنوا. وقد وجَّه ابنُ جرير (١٣/٥٣١) القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وابن جريج، وقول مجاهد، وابن كثير المكي بأنّه مِن المؤخر بمعنى التقديم، وأنّ المعنى عليه: «ولو أن هذا القرآن سُيِّرَت به الجبال أو قُطِّعَت به الأرض لكفروا بالرحمن». وبنحوه ابنُ عطية (٥/٢٠٥)، وعلَّق على القول الثاني -وهو قول قتادة، والضحاك، ومقاتل، وابن زيد- بقوله: «وتتَضَمَّن الآيةُ على هذا تعظيم القرآن، وهذا قول حسن يُحرِزُ فصاحة الآية، وقوله: ﴿بل لله الأمر جميعا﴾ يعضده، ويترتب مع الآخَرَين»
اختُلف في قراءة قوله: ﴿حتى إذا جاءنا﴾؛ فقرأ قوم: ‹حَتّى إذا جَآءانا›، وقرأ غيرهم: ﴿جاءنا﴾. وذكر ابنُ جرير (٢٠/٥٩٧) أن الأولى على التثنية، بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا الذي عَشِي عن ذكر الرحمن، وقرينه الذي قُيِّض له من الشياطين. وأن الثانية على التوحيد، بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا العاشي من بني آدم عن ذكر الرحمن. وبنحوه قال ابنُ عطية (٧/٥٤٨)، وابنُ كثير (١٢/٣١٢). ثم رجَّح ابنُ جرير (٢٠/٥٩٧) صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، وتقارب معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وذلك أنّ في خبر الله -تبارك وتعالى- عن حال أحد الفريقين عند مقْدمه عليه -فيما اقترنا فيه في الدنيا- الكفاية للسامع عن خبر الآخر، إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلومًا به خبر حال الآخر، وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب»
على هذا القول الذي قاله الحسن، وقتادة، فالآية عامة كالتي قبلها، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٧/٦٢١)، ثم قال: «ويشبه أن لها سببًا من رجل قال ذلك لأبويه. فلمّا فرغ من ذكر الموفق عقّب بذكر هذا العاق». ورجَّح (٧/٦٢٢) العموم، وانتقد القول بنزولها في ابن أبي بكر مستندًا للسياق، فقال: «والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات، ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين، والدليل القاطع على ذلك قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾، وكان عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة، ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غَناءٌ، ويكفيه مقامه مع مروان يوم اليمامة وغيره». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣/١٨). ثم قال ابنُ عطية (٧/٦٢٣): «وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مُشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيرًا مِن الوقوع في مثلها»
لم يذكر ابنُ جرير (٢٤/٥٤٨-٥٤٩) غير قول ابن زيد، وقتادة، ومجاهد من طريق جابر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وذكر ابن كثير (٨/٤٤٥) قول عبد الرحمن بن زيد، ثم علّق قائلًا: «ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد:... أن رسول الله ﷺ قال: «ليلة القدر في العشر البواقي، مَن قامهنّ ابتغاء حِسبتهنّ فإنّ الله يغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر؛ تسع، أو سبع، أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة». وقال رسول الله ﷺ: «إنّ أمارة ليلة القدر أنها صافية بَلجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة سجيّة، لا برد فيها ولا حر، ولا يحلّ لكوكب يُرمى به فيها حتى تُصبح. وأنّ أمارتها أنّ الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحلّ للشيطان أن يخرج معها يومئذ»»
عن عبد العزيز: سأله عطاء بن أبي رباح عن قومٍ يشهدون على الناس بالشرك والكفر. فأنكر ذلك وأباه، ثم قال: أنا أقرأ عليك بعث المؤمنين، وبعث الكافرين، وبعث المنافقين، ففيها: بسم الله الرحمن ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ إلى قوله: ﴿عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾، ثم قال: هذا بعث المؤمنين، وبعث الكافرين، وبعث المنافقين
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: كانت قريظة والنضير أخوين، وكانوا بهذه البلدة، وكان الكتاب بأيديهم، وكانت الأوس والخزرج أخوين فافترقا، وافترقت قريظة والنضير، فكانت النضير مع الخزرج، وكانت قريظة مع الأوس، فاقتتلوا، وكان بعضهم يقتل بعضًا، فقال الله -جَلَّ ثَناؤُه-: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم﴾ الآية