اختُلف في قوله: ﴿ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرّفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم. الثاني: أنه ﷺ أُمر أن يقول هذا في أمرٍ كان ينتظره مِن الله في غير الثواب والعقاب. الثالث: أن معنى الآية: لا أدري ما أؤمر به، ولا ما تؤمرون به. الرابع: أن المعنى: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الدنيا مِن أن أُنصر عليكم أو من أن تُمكّنوا مني. ورجَّح ابن جرير (٢١‏/‏١٢٣-١٢٤) -مستندًا إلى السياق- القولَ الأخير الذي قاله الحسن من طريق أبي بكر الهذلي. وانتقد -مستندًا لمخالفته الدلالة العقلية- القول الأول، فقال: «لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عز وجل خطابًا للمشركين، وخبرًا عنهم، وتوبيخًا لهم، واحتجاجًا من الله -تعالى ذكره- لنبيّه ﷺ؛ فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك فمحال أن يقال للنبي ﷺ: قل للمشركين: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الآخرة. وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مُخلّدون، والمؤمنون به في الجنان مُنعَّمون، وبذلك يُرهبهم مرة، ويرغّبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك لقالوا له: فعلام نتّبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيِّ حال تصير غدًا في القيامة؛ إلى خفْض ودَعة، أم إلى شدّة وعذاب! وإنما اتّباعنا إياك إن اتبعناك، وتصديقنا بما تدعونا إليه، رغبة في نعمة، وكرامة نصيبها، أو رهبة من عقوبة، وعذاب نهرب منه». وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٩) على القول الأخير بقوله: «هذا القول هو الذي عوّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شكّ أن هذا هو اللائق به ﷺ؛ فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتّبعه، وأما في الدنيا فلم يدرِ ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا: أيؤمنون أم يكفرون، فيُعذَّبون فيُستَأصلون بكفرهم؟»

اختُلف في الشهيد على قولين: الأول: أنه من المشاهدة وهي الحضور. الثاني: أنه شهيد من الشهادة، وفيه على هذه أقوال: الأول: أنه شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله بما علمه من الكتب المنزلة. الثاني: أنه شاهد على صحة ما معه من الإيقان. ذكره ابنُ القيم (٣‏/‏١٥). الثالث: أنه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة. ذكره ابن القيم. ورجَّح ابنُ القيم -مستندًا إلى اللغة- القول بأنه من المشاهدة، فقال: «والصواب القول الأول؛ فإن قوله: ﴿وهو شهيد﴾ جملة حالية؛ الواو فيها واو الحال، أي: ألقى السمع في هذه الحال، وهذا يقتضى أن يكون حال إلقائه السمع شهيدًا، وهذا هو من المشاهدة والحضور». وانتقد (٣‏/‏١٥-١٦) القول بأنه من الشهادة مستندًا للعموم، وأحوال النزول، ودلالة العقل، واللغة، فقال: «ولو كان المراد به الشهادة في الآخرة أو الدنيا لما كان لتقييدها بإلقاء السمع معنًى؛ إذ يصير الكلام: إنّ في ذلك لآية لمن كان له قلب أو ألقي السمع حال كونه شاهدًا بما معه في التوراة أو حال كونه شاهدًا يوم القيامة. ولا ريب أن هذا ليس هو المراد بالآية. وأيضًا فالآية عامة في كلّ مَن له قلب وألقى السمع فكيف يُدّعى تخصيصها بمؤمني أهل الكتاب الذين عندهم شهادة مِن كتبهم على صفة النبي؟ وأيضًا فالسورة مكية والخطاب فيها لا يجوز أن يختص بأهل الكتاب، ولا سيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الآية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع، فكيف يقال: هي في أهل الكتاب؟! فإن قيل: المختص بهم قوله: ﴿وهو شهيد﴾ فهذا أفسد وأفسد؛ لأن قوله: ﴿وهو شهيد﴾ يرجع الضمير فيه إلى جملة مَن تقدم، وهو مَن له قلب أو ألقى السمع، فكيف يُدّعى عوده الى شيء غايته أن يكون بعض المذكور أولًا، ولا دلالة في اللفظ عليه. وأيضًا فإن المشهود به محذوف، ولا دلالة في اللفظ عليه، فلو كان المراد به وهو شاهد بكذا لذكر المشهود به؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود وهو الحضور، فإنه لايقتضى مفعولًا مشهودًا به، فيتم الكلام بذكره وحده»

اختُلف في الموصوف باللبث أحقابًا على قولين: الأول: الكفار. الثاني: عُصاة المؤمنين. وكذا اختُلف في مدة الحُقُب على أقوال: الأول: ألف شهر. الثاني: ثلاثون ألف سنة. الثالث: ثمانون سنة. الرابع: بضع وثمانون سنة. الخامس: أربعون سنة. السادس: ثلاثمائة سنة. السابع: ثمانون ألف سنة. الثامن: سبعون ألف سنة. التاسع: سبع عشرة ألف سنة. العاشر: أنّ الحُقُب لا حَدّ له. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٢٦ بتصرف) هذا الخلاف، ثم قال: «الذي قاله قتادة والربيع بن أنس في ذلك أصح. فإن قيل: فما للكفار عند الله عذاب إلا أحقابًا. قيل: إنّ الربيع وقتادة قد قالا: إنّ هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع. وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾، في هذا النوع من العذاب هو أنهم: ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا﴾، فإذا انقضتْ تلك الأحقاب صار لهم من العذاب أنواع غير ذلك، كما قال -جلّ ثناؤه- في كتابه: ﴿وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج﴾ [ص:٥٥-٥٨]، وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥١٨) هذه الأقوال، ثم قال معلّقًا: «اللازم أنّ الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يَلبثون أحْقابًا، كلّما مَرّ حُقُب جاء غيره إلى ما لا نهاية». وانتقد -مستندًا إلى السياق- قول مَن جعلها في عُصاة المؤمنين بقوله: «وهذا أيضًا ضعيف، ما بعده في السورة يرد عليه». وذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٤٥٣) نحو ما جاء في كلام ابن جرير مِن أنّ قوله: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ أي: في هذا النوع من العذاب عن الزّجّاج، وانتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، والإجماع، فقال: «وهذا الذي قاله الزّجّاج شاذٌّ، خلاف ما عليه الأولون والآخرون، وهو خلاف ما دلّ عليه القرآن، فإنّ هذا يقتضي أنهم يَبقون بعد الأحقاب فيها، ولكن لا يَذوقون البرد والشراب حينئذ، وهذا باطل قطعًا، ثم إذا ذاقوا البَرد والشراب فهذا نعيم، فكيف يكونون مُعذّبين فيها ذلك؟!»

اختُلف في معنى: ﴿وأَنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ على قولين: الأول: أنت حلال بهذا البلد يحلّ لك فيه قتْل مَن شئتَ. الثاني: أنت مُحِلٌّ بهذا البلد غير محرم في دخوله. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٦١٨) القول الأول بقوله: «وكان هذا يوم فتح مكة، وعلى هذا يتركب قول مَن قال: السورة مدنية نزلت عام الفتح. ويتركب على هذا التأويل قول مَن قال: ﴿لا﴾ نافية، أي: إنّ هذا البلد لا يُقسِم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حُرمته. ويتَّجه أيضًا أن تكون ﴿لا﴾ غير نافية». ووجَّه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٠٣) القول الثاني بأنه «حلال ساكن البلد، بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع، ولأنّ أمْنه إنما تظهر به النعمة عند الحِلّ من الإحرام، وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان، والحرمة هناك للفعل لا للمكان، والمقصود هو ذِكْر حرمة المكان، وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمْنه، ولكن على هذا ففيه تنبيه، فإنه إذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن». ونقل ابنُ عطية عن بعض المتأولين أنّ المعنى: «وأنت ساكنٌ بهذا البلد». ثم وجَّهه بقوله: «وعلى هذا يجيء قول مَن قال: هي مكّيّة. والمعنى على إيجاب القسم بيِّن، وعلى نفيه أيضًا يتَّجه على معنى: لا أُقسِم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء القوم وكفرهم». ووجَّهه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٠٤) بأنه «متضمن لهذا التعظيم، مع تضمّنه أمرًا آخر، وهو الإقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده، فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد، فجعل بيته هدًى للناس، ونبيّه إمامًا وهاديًا لهم، وذلك من أعظم نِعمه وإحسانه إلى خَلْقه، كما هو مِن أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته، فمن اعتبر حال بيته وحال نبيّه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد والربوبية». ثم نقل عن شرحبيل بن سعد -حكاية عن الثعلبي- أنّ المعنى: «قد جعلوك حلالًا مُستَحل الأذى والإخراج والقتل لك لو قدروا»

سورة النمل — الآية ٤٤

قال وهب بن مُنَبِّه وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساوِر مِن ذهب، وفي أعناقهم أطْواقًا مِن ذهب، وفي آذانهم أقراطًا وشُنوفًا مُرَصَّعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رَمَكَة، والغلمان على خمسمائة بِرْذَون، على كل فرس لِجام مِن ذهب مُرَصَّع بالجواهر وغواشيها مِن الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لَبِنة مِن ذهب وخمسمائة لبنة مِن فضة، وتاجًا مُكَلَّلًا بالدُّرِّ والياقوت المرتفع، وأرسلت إليه المِسْكَ والعنبر والعود الألنجوج، وعمدت إلى حُقَّةٍ فجعلت فيها دُرَّة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب، ودعت رجلًا مِن أشراف قومها يُقال له: المنذر بن عمرو، وضمَّت إليه رجالًا مِن قومها أصحاب رأي وعقل، وكتبت معه كتابًا بنسخة الهدية، وقالت فيه: إن كنت نبيًّا فمَيِّز بين الوصائف والوصفاء، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرَّ ثقبًا مستويًا، وأدخل خيطًا في الخرزة المثقوبة مِن غير علاج إنس ولا جن. وأمرت بلقيس الغلمان، فقالت: إذا كلَّمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء. وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه؛ فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملِك، ولا يَهُولَنَّك منظره، فإنّا أعزُّ منه، وإن رأيت الرجل بشاشًا لطيفًا فاعلم أنه نبيٌّ مُرسَل فتفَهَّم قوله، ورُدَّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعًا إلى سليمان، فأخبره الخبر كله، فأمر سليمان الجنَّ أن يضربوا لَبِنات الذهب ولَبِنات الفضة، ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا مِن موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا، شُرَفُها مِن الذهب والفضة، ثم قال: أي الدواب أحسن مِمّا رأيتم في البر والبحر؟ قالوا: يا نبي الله، إنا رأينا دوابًّا في بحر كذا وكذا منطقة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصٍ. فقال: عليَّ بها الساعةَ. فأتوا بها، فقال: شدُّوها عن يمين الميدان وعن يساره، على لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفتها فيها. ثم قال للجن: عَلَيَّ بأولادكم. فاجتمع خلق كثير، فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووُضِع له أربعةُ آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يَصْطَفُّوا صفوفًا فراسخ، وأمر الإنس فاصْطَفُّوا فراسخ، وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير فاصْطَفُّوا فراسخ عن يمينه وعن يساره. فلمّا دنا القومُ مِن الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تَروثُ على لبن الذهب والفضة؛ تقاصرت أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات: أنّ سليمان لَمّا أمر بفرش الميدان بلبِنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا، وكل الأرض مفروشة؛ خافوا أن يُتَّهموا بذلك، فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب، ففزعوا، فقالت لهم الشياطين: جُوزوا، فلا بأس عليكم. فكانوا يمرون على كُرْدُوس كُرْدُوس من الجن والإنس والطير والهوام والسباع والوحوش، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظرًا حسنًا بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له، وأعطاه كتاب الملِكة، فنظر فيه، ثم قال: أين الحُقَّة؟ فأتى بها، فحركها، وجاء جبريل فأخبره بما في الحُقَّة، فقال: إنّ فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب. فقال الرسول: صدقت، فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة. فقال سليمان: مَن لي بثقبها. فسأل سليمان الإنس ثم الجن، فلم يكن عندهم عِلْمُ ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نرسل إلى الأرَضة. فجاءت الأرضة، فأخذت شعرة في فيها، فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تصير رزقي في الشجرة. فقال: لكِ ذلك. ورُوي: أنّه جاءت دودة تكون في الصَّفْصاف، فقالت: أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون رِزقي في الصفصاف. فجعل لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها، ودخلت الثقب، وخرجت من الجانب الآخر. ثم قال: مَن لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها، يا رسول الله. فأخذت الدودةُ الخيطَ في فيها، ودخلت الثقب حتى خرجت مِن الجانب الآخر، فقال سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في الفواكه. قال: لك ذلك. ثم ميَّز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء مِن الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام كما يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصُبُّ الماءَ على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصبُّ الماء صبًّا، وكان الغلام يَحْدِر الماء على يديه حدرًا، فمَيَّز بينهم بذلك

سورة الأعراف — الآية ٦

عن وهب بن مُنبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله عز وجل: يا إسرافيلُ، هاتِ ما وكَّلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، في الصُّور كذا وكذا ثقبةً، وكذا روحٍ؛ للإنس منها كذا وكذا، وللجِنِّ منها كذا وكذا، وللشياطينِ منها كذا وكذا، وللوحوشِ منها كذا وكذا، وللطير منها كذا وكذا، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوامِّ منها كذا وكذا، وللحيتان منها كذا وكذا. فيقولُ اللهُ عز وجل: خُذْه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا يَنقُصُ، ثم يقولُ اللهُ عز وجل: هاتِ ما وكَّلتُك، يا ميكائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ من السماءِ كذا وكذا كيلةً، وزِنَةَ كذا وكذا مِثْقالًا، وزِنَة كذا وكذا قِيراطًا، وزِنَة كذا وكذا خَرْدَلَةً، وزِنَة كذا وكذا ذرَّةً، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا، وفي شهرِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعةِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا، أنزلتُ للزرع منه كذا وكذا، وأنزلتُ للشياطين منه كذا وكذا، وأنزلتُ للإنسِ منه كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا، وأنزلتُ للوحوشِ كذا وكذا، وللطيرِ كذا وكذا، وللحيتان كذا وكذا، وللهوامِّ كذا وكذا، فذلك كلُّه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقول: يا جبريلُ، هاتِ ما وكلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ على نبيِّك فلان كذا وكذا آية، في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية، وكذا وكذا سورة، فيها كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا حرفًا، وأهلكتُ كذا وكذا مدينةً، وخسفتُ بكذا وكذا. فيقول: خُذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقولُ: هاتِ ما وكلتُك به، يا عِزرائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، قبضتُ روح كذا وكذا إنسيٍّ، وكذا وكذا جنيٍّ، وكذا وكذا شيطانٍ، وكذا وكذا غريقٍ، وكذا وكذا حريقٍ، وكذا وكذا كافرٍ، وكذا وكذا شهيدٍ، وكذا وكذا هديمٍ، وكذا وكذا لديغٍ، وكذا وكذا في سهلٍ، وكذا وكذا في جبلِ، وكذا وكذا طيرًا، وكذا وكذا هوامٍّ، وكذا وكذا وحش، فذلك كذا وكذا، جملتُه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوْح. فإذا مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا ينقص

أفادت الآثارُ الاختلافَ في عقوبة الأذى المذكورة في الآية على ثلاثة أقوال: أولها: هي التعيير والتوبيخ باللسان. وهذا قول السديِّ، وقتادة. وثانيها: هو التَّعْيِيرُ باللسان، والسبِّ. وهذا قول مجاهد. وثالثها: التَّعْيِيرُ باللسان، والضرب بالنعال. وهذا قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٠٣-٥٠٤) إلى أنّ الأذى في الآية مُجْمَلٌ، أُخِذَ تفسيره في البكر مِن آية النور، وفي الثَّيِّبِ من السُّنَّةِ، مع دلالة الإجماع، فقال: «أوْلى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- كان أمَرَ المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتيا ذلك، وهما من أهل الإسلام. والأذى قد يقع لكل مكروهٍ نال الإنسانَ؛ مِن قول سَيِّءٍ باللسان، أو فعل، وليس في الآية بيانُ أيِّ ذلك كان أمَرَ به المؤمنين يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ مِن نَقْل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر، وأهلُ التأويل في ذلك مختلفون، وجائِزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان، أو اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما، وليس في العلم بأيِّ ذلك كان مِن أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة؛ إذْ كان الله -جل ثناؤه- قد نسخ ذلك من مُحْكَمه بما أوجب مِن الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب مِن الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة النور، بقوله: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وأمّا الذي أوْجَبَ في اللّاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد جعل لأهل الفاحشة مِن الزناة والزواني سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم». وقال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢١٤): «قوله تعالى: ﴿فآذوهما﴾ أمر بالأذى مطلقًا، ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره، بل ذكر أنّه يجب إيذاؤهما. ولفظ الأذى يستعمل في الأقوال كثيرًا؛ كقوله: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ [آل عمران:١١١]، وقوله: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ [الأحزاب:٥٧]، ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي﴾ [التوبة:٦١]، وقول النبي ﷺ: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله»، ونظائر ذلك كثيرة»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في الكبائر على تسعة أقوال: أولها: أنّها ثلاث: اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. والثاني: أنها أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله. والثالث: أنّ الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. والرابع: أنها تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وإلحاد بالبيت الحرام. والخامس: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها. والسادس: أنها كل ما نهى الله عنه. والسابع: أنها كل ما لا تصحُّ معه الأعمال. والثامن: أنها كل معصية موجِبةٌ للحدِّ. والتاسع: أنها كل ما أوعد الله عليه النار. ومالَ ابنُ كثير (٣‏/‏٤٨٠) إلى القول الثامن، والتاسع. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٦٥٧-٦٥٨) إلى أنّ الكبائر هي كلّ ما صحّ به الخبرُ عن رسول الله ﷺ، مستندًا إلى الأخبار المرفوعة في ذلك، فقال: «أوْلى ما قيل في تأويل الكبائر بالصِّحَّة: ما صحَّ به الخبرُ عن رسول الله ﷺ دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولًا من الذين ذكرنا أقوالَهم قد اجتهد، وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور، وقد يدخل في قولِ الزور شهادةُ الزور، وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر، ويدخل في قتلِ النفس المحرَّم قتلها قتلُ الرجل ولده من أجل أن يطعم معه، والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار. وإذْ كان ذلك كذلك صحَّ كلُّ خبر رُوي عن رسول الله ﷺ في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا، وذلك أنّ الذي روي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «هي سبع» يكون معنى قوله حينئذ: «هي سبع» على التفصيل. ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنّه قال: «هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور» على الإجمال؛ إذ كان قوله: «وقول الزور» يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك قول الزور»

اختُلِف في المشار إليه ببقوله: ﴿أفمَن﴾ على قولين: الأول: محمد ﷺ. الثاني: المؤمنون. واختُلِف في المراد بالشاهد على أقوال: الأول: أنّه القرآن. الثاني: القرآن ونظمه وإعجازه. الثالث: محمد ﷺ. الرابع: لسان محمد ﷺ. الخامس: جبريل عليه السلام. السادس: مَلَكٌ يحفظه. السابع: الإنجيل. نقله ابن عطية (٤‏/‏٥٥٣). وكذا نقل ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٢) اختلافًا في البيِّنة على قولين: الأول: أنّه القرآن؛ أي: على جليَّة بسبب القرآن. الثاني: أنّه محمد ﷺ، أي: على جليَّة بسبب محمد ﷺ. وقد ذكر كذلك أنّ قوله: ﴿يتلوه﴾ يحتمل معنيين: الأول: بمعنى: يقرأه. الثاني: بمعنى يتبعه. وأن هذين المعنيين يتصرفان بحسب الخلاف في الشاهد. ثم وجَّه (٤‏/‏٥٥٣) الأقوال وكيف يتركب بعضها على بعض، فقال: «ولنرتب الآن اطِّراد كل قول وما يحتمل. فإذا قلنا: إنّ قوله: ﴿أفمن﴾ يُراد به: المؤمنون، فإن جعلت بعد ذلك البينة محمدًا ﷺ صحَّ أن يترتب الشاهد: الإنجيل، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ لأنّ الإنجيل يقرأ شأن محمد ﷺ. وأن يترتب: جبريل عليه السلام، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، أي: في تبليغ الشرع والمعونة فيه. وأن يترتب: الملَك، ويكون الضمير في ﴿منه﴾ عائدًا على البينة التي قدَّرناها: محمدًا ﷺ. وأن يترتب: القرآن، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على الربِّ. وإن جعلنا البيِّنة: القرآن على أنّ ﴿أفمن﴾ هم المؤمنون صح أن يترتب الشاهد: محمد ﷺ، وصح أن يترتب: الإنجيل، وصح أن يترتب: جبريل والملَك، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه، وصح أن يترتب الشاهد: الإعجاز، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على القرآن. وإذا جعلنا ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ كانت البيِّنة القرآن، وترتب الشاهد: لسان محمد ﷺ، وترتب: الإنجيل، وترتب: جبريل والملَك، وترتب: علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وترتب: الإعجاز، ويُتأوَّل ﴿يتلوه﴾ بحسب الشاهد كما قلنا». وذكر ابنُ تيمية (٣‏/‏٥٢٦) أنّ كلَّ مَن فسر ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ جعل الضمير فيه عائدًا على القراءة، وجعل الشاهد غير القرءان. وقد حكى ابنُ جرير (١٢‏/‏٣٥٣- ٣٦١) الخلاف في الشاهد، ورجَّح مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية أنّ الشاهد: جبريل، وأن التلاوة بمعنى: القراءة، فقال: «وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ قولُ مَن قال: هو جبريل. لدلالة قوله: ﴿ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة﴾ على صحة ذلك، وذلك أن نبيَّ الله ﷺ لم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فيكون ذلك دليلًا على صحة قول مَن قال: عنى به لسان محمد ﷺ، أو: محمد نفسه، أو عليّ. ولا يُعلَمُ أنّ أحدًا كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مِمَّن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ غيرُ جبريل عليه السلام». ثم أورد اعتراضًا خُلاصته: أنّ القراءة برفع ﴿كتاب﴾، وعلى القول الذي رجَّحَه يتعين نصبها؛ لأنّ المعنى: ومن قبل القرآن يتلو جبريل كتابَ موسى. وأجاب عن هذا الاعتراض بقوله: «إنّ القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد خلافها، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب كانت قراءة صحيحةً ومعنى صحيحًا... ووجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الخبر عن مجيء كتاب موسى قبل كتابنا المنزل على محمد، فرفعوه بـ﴿ومن قبله﴾، والقراءة كذلك، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبريل ذلك قبل القرآن، وأنّ المراد من معناه ذلك، وإن كان الخبر مستأنفًا على ما وصفتُ اكتفاء بدلالة الكلام على معناه». ورجَّح ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٤-٥٥٥) مستندًا إلى السياق «أن يكون ﴿أفمن﴾ للمؤمنين، أو لهم وللنبي ﷺ معهم؛ إذ قد تقدم ذكر ﴿الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾، فعقَّب ذكرَهم بذكر غيرهم. والبينة: القرآن وما تضمَّن. والشاهد: محمد ﷺ، أو جبريل إذا دخل النبي في قوله: ﴿أفمن﴾، أو الإنجيل. والضمير في ﴿يتلوه﴾ للبينة، وفي ﴿منه﴾ للرب تعالى. والضمير في ﴿قبله﴾ للبينة». ثُمَّ حكم بكون بقية الأقوال التي ذكرها محتملة. ووجَّه ابنُ تيمية (٣‏/‏٥١٦-٥٢٣) قول مَن فسَّره بالنبي ﷺ بأن مرادهم التمثيل لا التخصيص، لأنّ محمدًا ﷺ هو أول من كان على بينة من ربه. ورجَّح (٣‏/‏٥١٢) مستندًا إلى القرآن، واللغة، والسياق، والدلالة العقلية أنّ المشار إليه بقوله: ﴿أفمَن﴾ يعم النبيَّ ﷺ والمؤمنين، وذكر بعض الآيات الدالة على كونهم على بينة. وعلل ذلك بما يلي: أولًا: لفظ «من» في ﴿أفمن﴾ أبلغ صيغ العموم؛ لا سيما إذا كانت شرطًا أو استفهامًا، وإذا كان العلماء يحكمون في كثير من المواطن بعموم الخطاب الذي لفظه للنبي ﷺ وشموله للجميع كقوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [يونس:٩٤]، و﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر:٦٥] فكيف تُجعَلُ الصيغة العامة له وللمؤمنين مختصة به؟! ثانيًا: أنّه تعالى قد ذكر بعد ذلك قوله: ﴿أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾، وذكر بعد هذا: ﴿مثل الفريقين﴾، وقد تقدم قبل هذا ذكر الفريقين، وقوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ إشارة إلى جماعة ولم يُقَدِّم قبل هذا ما يصلح أن يكون مشارا إليه إلا «مَن»، والضمير يعود تارة إلى لفظ «من»، وتارة إلى معناها، كقوله: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ [الأنعام:٢٥، محمد:١٦]، ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس:٤٢]، وأمّا الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير. ثالثًا: أنّ قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ دليل على أنّ الذي على بينة من ربِّه كثيرون لا واحد. ورجَّح ابنُ تيمية (٣‏/‏٥١٢- ٥٢٨) كذلك مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية أنّ المراد بالبينة: الإيمان، وبالشاهد: القرآن وأنّ ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، وأن المعنى: أن المؤمن على بينة من ربه بإيمانه وهداه، يتبعه شاهد من الله وهو القرآن بمثل ما هو عليه من بينة الإيمان. وكان من مستندات ترجيحه: أولًا: أنّ الإيمان هو المقصود؛ لأنّه إنما يراد بإنزال القرآن: الإيمان وزيادته، ولهذا كان الإيمان بدون القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة، والقرآن بلا إيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة. ثانيًا: أنّ المعنى الذي رجحه يناظره قوله تعالى في آية النور [٣٥]: ﴿نور على نور﴾، وذلك نور الإيمان ونور القرآن حين يجتمعان. ثالثًا: أنّ هذا المعنى يؤيده آيات كثيرة من مثل قوله تعالى: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل:١٠٢]. رابعًا: أنّ الضمير في الآية في قوله تعالى: ﴿ومن قبله﴾ يعود إلى الشاهد، وهو القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أرَأَيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠]، وقيل: يعود إلى الرسول ﷺ. وهما متلازمان. خامسًا: أنّ الضمير في قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ عائد على القرآن، ودليله قوله تعالى: ﴿فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك﴾، وهذا هو القرآن بلا ريب. وقيل: إنّه الخبر المذكور، وهو أنّه من يكفر به من الأحزاب، وهذا أيضًا هو القرآن، فعُلِمَ أنّ المراد هو الإيمان بالقرآن والكفر به باتفاقهم. وانتقد ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٣) مستندًا إلى اللغة القول بأنّ ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وما يترتب عليه بأنّه: «يضعفه قوله: ﴿أولئك﴾؛ فإنّا إذا جعلنا قوله: ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وحدَه لم نجد في الآية مذكورين يُشار إليهم بذلك، ونحتاج في الآية إلى تَجَوُّز وتشبيه بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق:١]، وهو شبه ليس بالقوي». وانتقد ابنُ تيمية (٤‏/‏٥١٣) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وأحوال النُّزول، ودلالة الآية القولَ بأنّ الشاهد: جبريل عليه السلام، أو لسان محمد ﷺ، أو علي بن أبي طالب، فقال: «لأنّ كون شاهد الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقًا، فإنّه مثل شهادة الإنسان لنفسه، بخلاف ما إذا كان الشاهد مِن الله؛ فإنّ الله يكون هو الشاهد، وهذا كما قيل في قوله: ﴿قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَن عِندَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد:٤٣]: إنّه علي. فهذا ضعيف؛ لأنّ شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتدِ إلا به لا تكون برهانًا للصدق، ولا حُجَّة على الكفر، بخلاف شهادة مَن عنده علم الكتاب الأول؛ فإنّ هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة... ومَن قال: إنّه جبريل، فجبريل لم يقل شيئًا مِن تلقاء نفسه، بل هو الذي بلَّغ القرآن عن الله، وجبريل يشهد أنّ القرآن منزل من الله، وأنه حق، كما قال: ﴿لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِما أنزَلَ إليكَ أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦]. والذي قال هو جبريل قال: ﴿يتلوه﴾ أي: يقرؤه، كما قال: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، أي: إذا قرأه جبريل فاتِّبع ما قرأه، وقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم:٥]. ومن قال: الشاهد: لسانه، وجعل الضمير المذكور عائدًا على القرآن، ولم يذكر لأنّه جعل البينة هي القرآن، ولو كانت البينة هي القرآن لما احتاج إلى ذلك وقد قال: ﴿على بينة من ربه﴾ فقد ذكر أنّ القرآن من الله، وقد علم أنّه نزل به جبريل على محمد، وكلاهما بلغه وقرأه، فقوله: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ جبريل أو محمد تكرير لا فائدة فيه، ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن. وأيضًا فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيرًا في القرآن؛ فإن القرآن كلام الله، وأحد لا يكون عليه، وإذا كان المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به فهذا الذي ذكرناه: إن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول، وهو إخباره أنّه رسول الله، وأنّ الله أنزل القرآن عليه، ولَمّا أنزلت هذه السورة وهي مكية لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إلا بعضه، وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه، فمَن آمن حينئذٍ بذلك ومات على ذلك كان مِن أهل الجنة، وأيضًا فتسمية جبريل شاهدًا لا نظير له في القرآن، وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدًا، وتسمية علي شاهدًا، لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة... ومَن قال: إنّ الشاهد لسان محمد، فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة، أي: أنّ لسان محمد يقرأ القرآن، وهو شاهد منه، أي: من نفسه؛ فإن لسانه جزء منه، وهذا القول ونحوه ضعيف. والله أعلم. هذا إن ثبت ذلك عمَّن نقل عنه، فإنّ هذا وضده ينقلان عن علي بن أبي طالب، وذلك أن طائفة من جهال الشيعة ظنُّوا أنّ عليًّا هو الشاهد منه، أي: من النبي ﷺ، كما قال له: «أنت مِنِّي، وأنا منك». وهذا قاله لغيره أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين أنّه قال: «الأشعريون هم مِنِّي، وأنا منهم». وقال عن جُلَيْبِيب: «هذا مني، وأنا منه». وكل مؤمن هو مِن النبي ﷺ كما قال الخليل: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم:٣٦]. وقال: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة:٢٤٩]. ورووا هذا القول عن عليٍّ نفسه، وروي عنه بإسناد أجود منه أنّه قال: كذب مَن قال هذا. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن حسين بن زيد الطحان، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، قال: قال علي: ما مِن قريش أحد إلا نزلت فيه آية قيل فما أنزل فيك؟ قال: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾. وهذا كَذِب على عليٍّ قطعًا. وإن ثبت النقل عن عبّاد هذا فإنّ له منكرات عنه، كقوله: أنا الصديق الأكبر، أسلمتُ قبل الناس بسبع سنين. وقد رووا عن عليٍّ ما يُعارِض ذلك، قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا عمرو بن علي الباهلي، ثنا محمد بن شواص، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عروة، عن محمد بن علي -يعني: ابن الحنفية- قال: قلت لأبي: يا أبة، ﴿ويتلوه شاهد منه﴾، إنّ الناس يقولون: إنّك أنت هو. قال: وددت لو أني أنا هو، ولكنه لسانه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك. قلت: وقد تقدم عن الحسين ابنه أنّ الشاهد منه: هو محمد ﷺ. وإنّما تكلم علماء أهل البيت في أنّه محمد ﷺ ردًّا على مَن قال مِن الجهلة: إنه علي. فإنّ هذه السورة نزلت بمكة وعليٌّ كان إذ ذاك صغيرًا لم يبلغ، وكان مِمَّن اتبع الرسول، ولو كان ابن رسول الله ليس ابن عمه لم تكن شهادته تنفع، لا عند المسلمين ولا عند الكفار، بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة، ولهذا كان أكثر العلماء على أنّ شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده لا تقبل، فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد ﷺ مُؤَكِّدًا لها؟!»

سورة الكهف — الآية ٨٣

عن عقبة بن عامر الجهني، قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ، فخرجت ذات يوم، فإذا أنا برجال مِن أهل الكتاب بالباب مَعَهم مصاحف، فقالوا: مَن يستأذن لنا على النَّبي؟ فدخلت على النَّبي ﷺ، فأخبرتُه، فقال: «ما لي ولهم، سألوني عمّا لا أدري؟ إنما أنا عبد لا أعلم إلا ما أعلمني ربي عز وجل». ثم قال: «ابغِني وضوءًا». فأتيتُه بوضوء، فتوضَّأ ثُمَّ صلّى ركعتين، ثم انصرف، فقال لي وأنا أرى السرور والبِشْرَ في وجهه: «أدخِلِ القومَ عَلَيَّ، ومَن كان مِن أصحابي فأدخله أيضًا عَلَيَّ». فأذنت لهم، فدخلوا، فقال: «إن شئتم أخبرتكم عما جئتم تسألوني عنه مِن قبل أن تَكَلَّموا، وإن شئتم فتَكَلَّموا قبل أن أقول». قالوا: بل أخبِرنا. قال: «جئتم تسألوني عن ذي القرنين، إنّ أوَّل أمره أنه كان غلامًا من الروم، أُعْطِي مُلكًا، فسار حتى أتى ساحل أرض مصر، فابتنى مدينة يقال لها: إسكندرية، فلما فرغ مِن شأنها بعث الله عز وجل إليه ملَكًا، فعرج به، فاستعلى بين السماء، ثم قال له: انظر ما تحتك. فقال: أرى مدينتي، وأرى مدائن معها. ثم عرج به، فقال: انظر. فقال: قد اختلطت مع المدائن فلا أعرفها. ثم زاد، فقال: انظر. قال: أرى مدينتي وحدها، ولا أرى غيرها. قال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، والذي ترى يحيط بها هو البحر، وإنما أراد ربُّك أن يريك الأرض، وقد جعل لك سلطانًا فيها، فسِرْ في الأرض، فعلِّم الجاهل، وثبِّت العالم. فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين، وهما جبلان ليِّنان يَزْلُقُ عنهما كل شيء، فبنى السد، ثم أجاز يأجوج ومأجوج، فوجد قومًا وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قَطَعَهم فوجد أُمَّة قصارًا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ووجد أمة من الغَرانيقِ يقاتلون القوم القِصار، ثم مضى، فوجد أمة مِن الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المُديرِ بالأرض». فقالوا: نشهد أن أمره هكذا كما ذكرت، وإنّا نجده هكذا في كتابنا