عن سعد بن أبي وقاص، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من السعادة: المرأة تراها فتعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطيئةً فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق. وثلاث من الشقاء: المرأة تراها فتسوءُك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قَطُوفًا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق»
عن أبي مِجلَز، قال: قال رجلٌ لعليِّ بن أبي طالب: أنا أنسَبُ الناس. قال: إنك لا تنسِبُ الناسَ. قال: بلى. فقال له علي: أرأيت قوله تعالى: ﴿وعادًا وثمودا وأصحاب الرس وقرونًا بين ذلك كثيرًا﴾؟ [الفرقان:٣٨]. قال: أنا أنسِبُ ذلك الكثير. قال: أرأيت قوله: ﴿ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قومِ نُوح وعادٍ وثمودَ والذينَ من بعدهم لا يعلمهم إلا اللهُ﴾؟ فسكَتَ
عن علي بن أبي طالب، قال: ألا أخبركم بأفضلِ آيةٍ في كتاب الله حدَّثَنا بها رسول الله ﷺ؟ ﴿وما أصابَكُمْ مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾: «وسأفسّرها لك، يا علي، ما أصابك مِن مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، واللهُ أكرمُ مِن أن يثنِّي عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فاللهُ أكرمُ مِن أن يعود بعد عفوه»
اختُلف في المشار إليه بقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي البِلادِ﴾ على قولين: الأول: أنّ الإشارة إلى عاد أو تلك القبيلة، والمعنى: لم يُخلق مثلها في الطُّول والقوة. الثاني: الإشارة إلى المدينة، والمعنى: لم يُخلق مثل الأعمدة في البلاد، وقالوا: التي لم يُخلق مثلها من صفة ذات العماد، والهاء التي في ﴿مثلُها﴾ إنما هي من ذكر ﴿ذات العماد﴾. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٣٦٨) القول الأول، وانتقد القول الثاني -وهو قول ابن زيد- مستندًا إلى اللغة، والواقع، فقال: «وهذا قولٌ لا وجْه له؛ لأنّ ﴿العِمادِ﴾ واحدٌ مذكر، و﴿التي﴾ للأنثى، ولا يوصف المذكر بالتي، ولو كان ذلك من صفة ﴿العِمادِ﴾ لقيل: الذي لم يُخلَق مثله في البلاد، وإن جُعِلت ﴿التي﴾ لإرمَ، وجُعِلت الهاء عائدةً في قوله: ﴿مِثْلُها﴾ عليها، وقيل: هي دمشق أو الإسكندرية؛ فإنّ بلاد عادٍ هي التي وصفها الله في كتابه، فقال: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقافِ﴾ [الأحقاف:٢١]، والأحقاف: هي جمع حِقْفٍ، وهو ما انعطف من الرّمل وانحنى، وليست الإسكندريةُ ولا دمشقُ من بلاد الرّمال، بل ذلك الشِّحْرُ من بلاد حَضرمَوت، وما والاها». ووافقه ابنُ كثير (١٤/٣٤٣)، فقال: «وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومَن ذهب مذهبه ضعيف؛ لأنه لو كان أراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾»
ذَهَبَ ابنُ القيم (١/١٦٦) إلى عدم وجوب التتابع في القضاء، مستندًا إلى الإطلاق الوارد في قوله تعالى: ﴿فعدّة من أيام أخر﴾، وعدم الدّليل على التقييد، فقال: «أطْلَقَ العِدَّة ولم يُوَقِّتها، وهذا يدلّ على أنها تُجْزِئ في أيّ أيّام كانت، ولم يجئْ نصٌّ عن الله ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيّام لا تجزئ في غيرها». وذَهَبَ إليه أيضًا ابنُ كثير (٢/١٨٤) مستندًا إلى قول جمهور السلف والخلف، ودلالة العقل، وقال: «هذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدَّة ما أفطر». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (١/٤٢٥) القولَ بالتتابع في القضاء اعتمادًا على قول مجاهد، وشذوذ قراءة أبي بن كعب (مُتَتابِعاتٍ)، ونسخها، فقال: «هذا الحرف منسوخ تلاوته وحكمه؛ بدليل ما رُوِي عن عائشة، قالت: نزلتْ: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أيّامٍ أُخَرَ مُتَتابِعاتٍ)، فسقطت: (مُتَتابِعاتٍ). رواه عبد الرزاق والدارقطني، وقال: إسناد صحيح. وأنّ مجاهدًا قد صحّ عنه من غير وجه أنّه يُجيز التفريق، ويُخْبِر بذلك عن جميع أهل مكّة، وهو راوي هذا الخبر، فعُلِم أنّه منسوخ»
أفادت الآثار اختلاف السلف في معنى الفتيل على قولين: الأول: أنّه الوَسَخ الذي يخرج من بين أصبعي الإنسان إذا دلَكَهما. الثاني: أنّه الفتيل الذي يكون في بطن النواة. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧/١٣٣) العمومَ في معنى الفتيل، وأنّه يشمل القولين، مستندًا إلى اللغة، فقال: «وأصل الفتيل: المفتول، صُرِف من مفعول إلى فعيل، كما قيل: صريع، ودهين، من: مصروع، ومدهون. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله -جل ثناؤه- إنّما قصد بقوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾ الخبرَ عن أنّه لا يظلم عباده أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟! ، وكان الوسخ الذي يخرج من بين أصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة مما لا خطر له ولا قيمة؛ فواجبٌ أن يكون كلُّ ذلك داخلًا في معنى الفتيل، إلا أن يُخْرِجَ شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له مِمّا دَلَّ عليه ظاهر التنزيل». وذكر ابنُ عطية (٢/٥٧٩) القولين، ثُمَّ علّق عليهما قائلًا: «وهذا كله يرجع إلى الكناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأنّ الله لا يظلمه، ولا شيء دونه في الصغر، فكيف بما فوقه؟!». وعَلَّق ابنُ كثير (٤/١١٥) عليهما بقوله: «وكلا القولين متقارب»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في من تَوَلّى النفقة في قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، على قولين: الأول: تَوَلّى ذلك أبو سفيان. الثاني: تولى ذلك المشركون من أهل بدر. ورجَّح ابن جرير (١١/١٧٤) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ الله أخبر عن الذين كفروا من مشركي قريش أنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وعليه فَكِلا القولين مندرج تحت عموم الآية، ثم قال: ""وإذ كان ذلك كذلك، فالصواب في ذلك أن يَعُمَّ كما عمَّ -جلَّ ثناؤه- الذين كفروا من قريش. ووافقه ابنُ كثير (٧/٧٤)، فقال: «وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًّا». وعلَّق ابنُ عطية (٤/١٨٦) على كلا القولين، فقال: «وعلى القولين فإنما أُنفِق المال في غزوة أحد، فأخبر الله تعالى في هذه الآية خبرًا لفظه عام في الكفار، والإشارة به إلى مخصوصين أنهم ينفقون أموالهم يقصدون بذلك الصد عن سبيل الله والدفع في صدر الإسلام، ثم أخبر خبرًا يخص المشار إليهم أنهم ينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إذ لا تتم لهم إرادة، ويذهب المال باطلًا»
ذكر ابنُ عطية (٥/٦٤-٦٦) قراءة من قرأ ذلك: ›هَيتُ‹، ومَن قرأها: (هَيتِ)، ومن قرأها: ﴿هَيتَ﴾ ومن قرأها: ›هِيتَ‹، ثم علّق قائلًا: «وهذه الأربع بمعنًى واحد، واختلفت باختلاف اللغات فيها، ومعناه الدعاء، أي: تعال وأقبل على هذا الأمر... والتاء على هذه اللغات كلها مبنية، فهي في حال الرفع كقبلُ وبعدُ، وفي الكسرِ على الباب لالتقاء الساكنين، وفي حال النصب ككيف ونحوها». وعلق على قراءة: ›هِئْتُ‹، فقال: «وهذا يحتمل أن يكون مِن هاء الرجل يهيء إذا أحسن هيئته، على مثال: جاء يجيء. ويحتمل أن يكون بمعنى: تهيأت، كما يقال: فئتُ وتفيأتُ بمعنًى واحد، قال الله عز وجل: ﴿يتفيأ ظلاله﴾ [النحل:٤٨]، وقال: ﴿حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات:٩]». وذكر ابنُ عطية قراءة عن الحلواني عن هشام أنه قرأ: ‹هِئِْتَ›، ونقل تعليق أبي عليٍّ عليها، فقال: «وقرأ الحلواني عن هشام ‹هِئِْتَ› بكسر الهاء والهمز، وفتح التاء، قال أبو علي: ظاهرٌ أنّ هذه القراءة وهمٌ، لأنّه كان ينبغي أن تقول: هئت لي، وسياق الآيات يخالف هذا». وانتقد ابنُ كثير (٨/٢٨) قراءة مَن قرأ ذلك: (هَيْتِ لك) بقوله: «وهي غريبة»
اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ على قراءتين: الأولى: ﴿صراطٌ عليَّ مستقيم﴾ بنصب ﴿عليَّ﴾ بمعنى: هذا طريق إلَيَّ مستقيم. الثانية: ‹هَذا صِراطٌ عَلِيٌّ مُّسْتَقِيمٌ› برفع ‹عَلِيٌّ›، على أنّه نعتٌ للصراط، بمعنى: رفيعٌ. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٧١) القراءة الأولى مستندًا إلى إجماع الحُجَّة مِن القرأة عليها، وشذوذ ما خالفها. وكذا رجَّحها ابنُ كثير (٨/٢٥٨) قائلًا: «والمشهور القراءة الأولى». ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٩٣) القراءة الأولى بقوله: «والإشارة بـ﴿هذا﴾ -على هذه القراءة- إلى انقسام الناس إلى غاوٍ ومخلص، لما قسَّم إبليس الناس هذين القسمين، قال الله له: هذا طريق إلَيَّ، أي: هذا أمر مصيره إلَيّ، والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على فلان. أي: إليه يصير النظر في أمرك، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر:١٤]، والآية -على هذه القراءة- خبر تتضمن وعيدًا». ووجَّه القراءة الثانية بقوله: «والإشارة بـ﴿هذا﴾ -على هذه القراءة- إلى الإخلاص، لَمّا استثنى إبليس مَن أخلص قال الله له: هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم، لا تنال أنت بإغوائك أهلَه»
اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: ﴿ولِيَتَمَتَّعُوا﴾ على وجهين: الأول: بكسر اللام عطفًا على لام ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، هكذا ﴿ولِيَتَمَتَّعُوا﴾، بمعنى: وكي يتمتعوا آتيناهم ذلك. وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم. والثاني: بسكون اللام، على وجه الوعيد، والتوبيخ، هكذا ‹ولْيَتَمَتَّعُوا›، بمعنى: اكفروا فإنكم سوف تعلمون ماذا تَلْقون من عذاب الله بكفركم به. وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائيّ. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨/٤٤٢) مستندًا إلى اللغة والقراءات القراءة الثانية، وانتَقَدَ أن تكسر اللام عطفًا على لام ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، وقال مُعَلِّلًا ذلك: «ليس الذي ذهبوا من ذلك بمذهب؛ وذلك لأن لام قوله: (لِيَكْفُرُوا) صلُحت أن تكون بمعنى كي؛ لأنها شرط لقوله: ﴿إذا هم يشركون﴾ بالله؛ كي يكفروا بما آتيناهم من النعم، وليس ذلك كذلك في قوله: ﴿وليَتَمَتَّعُوا﴾؛ لأن إشراكهم بالله كان كفرًا بنعمته، وليس إشراكهم به تمتعًا بالدنيا، وإن كان الإشراك به يُسَهِّل لهم سبيل التمتع بها، فإذ كان ذلك كذلك فتوجيهه إلى معنى الوعيد أوْلى وأحقّ مِن توجيهه إلى معنى: وكي يتمتعوا. وبعدُ فقد ذُكِرَ أن ذلك في قراءة أُبيّ (وتَمَتَّعُوا)، وذلك دليل على صحة مَن قرأه بسكون اللام بمعنى الوعيد»