سورة النساء — الآية ٢٥

قال محمد ابن شهاب الزهري -من طريق ابن أبي ذئب-: يجلد العبد في الفرية على الحُرِّ ثمانين

سورة النور — الآية ٥

عن ابن علية، قال: سمعتُ ابن أبي نجيح يقول: القاذفُ إذا تاب تجوز شهادته. وقال: كُنّا نقوله.

سورة المؤمنون — الآية ١٤

عن عبد الملك ابن جُرَيج -من طريق حجاج- ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾، قال: عيسى ابن مريم يَخْلُقُ

اختُلِف في تفسير البِرِّ الذي عناه الله بقوله: ﴿أن تبروا﴾؛ فقال قوم: هو فعل الخير كله. وقال آخرون: هو البِرُّ بذي رحمه. ورجَّحَ ابنُ جرير القولَ الأول لدلالة العموم، فقال (٤‏/‏١٢): «وذلك أنّ أفعال الخير كلَّها من البر، ولم يخصص الله في قوله: ﴿أن تبروا﴾ معنًى دون معنًى من معاني البر؛ فهو على عمومه». ثُمَّ ذَكَرَ اندراج القولِ الثاني في الأول، فقال: «والبِرُّ بذوي القرابة أحد معاني البِرِّ». وبيَّن ابنُ عطية (١‏/‏٥٤٨) أن المهدوي قدَّر الآية: بكراهة أن تبروا، وذكر أن قومًا قالوا: المعنى: ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح. وبيَّن أنه على هذا القول لا يحتاج إلى تقدير «لا» بعد ﴿أن﴾، ثم ذكر أن هذا التأويل له معنيان: الأول: أن يكون في الذي يريد الإصلاح بين الناس، فيحلف حانثًا ليكمل غرضه. الثاني: أن يكون على ما رُوي عن عائشة أنها قالت: «نزلت في تكثير اليمين بالله نهيًا أن يحلف الرجل به برًّا فكيف فاجرًا»، فالمعنى: إذا أردتم لأنفسكم البر. ونقل عن الزجاج وغيره أنهم قالوا: معنى الآية: أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتلَّ بالله تعالى، فقال: عليّ يمين. وهو لم يحلف

لم يذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏٣١٩) في تفسير قوله تعالى: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ غير قول السدي. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٦١٥ بتصرف) عدة احتمالات في الاستثناء الوارد في الآية: أولها: أن يريد: إلا أن يسبق علينا من الله في ذلك سابقٌ وسوء وينفذ منه قضاء لا يرد. وهو موافق لقول السدي، وقد وجَّهه بقوله: «والمؤمنون هم المُجَوِّزون لذلك، وشعيب قد عَصَمَتْه النبوة». ورجّحه مستندًا إلى ظاهر الآية بقوله: «وهذا أظهر ما يحتمل القول... وقوله: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ استسلام لله، وتمسك بلفظه، وذلك يؤيد التأويل الأول في قوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾». ثانيها: ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يَتعبد اللهُ به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات. ثالثها: ويحتمل أن يريد بذلك معنى الاستبعاد، كما تقول: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب. وهذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أنّ الكفر والإيمان ليسا بمشيئة من الله تعالى، فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه المفسرون ولم يشعروا بما فيه. رابعها: إنّ هذا الاستثناء إنما هو تستر وتأدب. ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء، ولو كان في الكلام «إن شاء الله» قوي هذا التأويل

أفادت الآثارُ اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ كل واحد منهما يخالف الآخر في اللون، فالليل أسود والنهار أبيض. الثاني: أنّ كل واحد منهما يخلف الآخر، إذا ذهب هذا جاء هذا. الثالث: أنّ كل واحد منهما خلفًا للآخر، إذا فات العبدُ عملًا في أحدهما قضاه في الآخر. وقد ذكر ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٨٧ بتصرف) هذه الأقوال، ثم علّق بقوله: ""والخلفة: مصدر، والعرب تقول: خلف هذا من كذا خلفة، وذلك إذا جاء شيءٌ مكان شيء ذهب قبله، كما قال الشاعر:ولها بالماطرون إذا أكل النمل الذي جمعاخِلْفةٌ حتى إذا ارتبعت سكنت من جلَّق بِيَعاوكما قال زهير:بها العين والآرام يمشين خِلْفة وأطْلاؤُها ينهضن من كل مَجْثَمِيعني بقوله: يمشين خلفة: تذهب منها طائفة، وتخلف مكانها طائفة أخرى. وقد يحتمل أنّ زهيرًا أراد بقوله: خلفة: مختلفات الألوان، وأنها ضروب في ألوانها وهيئاتها. ويحتمل أن يكون أراد أنها تذهب في مشيها كذا، وتجيء كذا"". ورجّح ابنُ عطية (٤‏/‏٢١٧ ط: دار الكتب العلمية) القول الثاني، ولم يذكر مستندًا

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾ على أربعة أقوال: الأول: أن اللغو هو ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين، ويكلمونهم به من الأذى. ومرورهم به كرامًا إعراضهم عنهم وصفحهم. الثاني: كانوا إذا ذكروا النكاح كنَوا عنه. الثالث: أنهم إذا مروا بإفك المشركين ينكرونه. الرابع: أن اللغو المعاصي كلها. وقد رجّح ابن جرير (١٧‏/‏٥٢٥) مستندًا إلى اللغة والعموم جميعَها، فقال: «واللغو في كلام العرب: هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح؛ فسبُّ الإنسانِ الإنسانَ بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو، وذكر النكاح بصريح اسمه مما يستقبح في بعض الأماكن، فهو مِن اللغو، وكذلك تعظيمُ المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه، وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين، فكل ذلك يدخل في معنى اللغو، فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو أن يُقال: عُنِي به بعض ذلك دون بعض. إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل». وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٤٦٢-٤٦٣) مستندًا إلى عموم اللفظ، فقال: «واللغو: كل سقط من فعل أو قول، يدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك، ويدخل في ذلك سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين، وذكر النساء، وغير ذلك من المنكر»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿هذا عطاؤنا﴾ على أقوال: الأول: أنّه المُلك الذي أعطاه الله. الثاني: ذلك تسخيره له الشياطين. الثالث: أنه ما أوتي من القوة على الجماع. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏١٠٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب: القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك مِن أنه عُنِي بالعطاء: ما أعطاه مِن المُلك -تعالى ذِكْرُه-، وذلك أنه -جلَّ ثناؤه- ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان -صلوات الله وسلامه عليه- إيّاه مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يسخر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له -عزَّ ذِكْرُه-: هذا الذي أعطيناك من الملك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك». ووافقه ابنُ عطية (٧‏/‏٣٥٠) مستندًا إلى السياق بقوله: «وقال الحسن بن أبي الحسن: أشار إلى جميع ما أعطاه من الملك، وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه وقفه على قدر النعمة، ثم أباح له التصرف فيه بمشيئته، وهو تعالى قد علم منه أن مشيئته عليه السلام إنما تتصرف بحكم طاعة الله، وهذا أصحُّ الأقوال وأجمعها لتفسير الآية»

اختُلِف في السَّعْيِ بين الصفا والمروة؛ فقال قوم: ذلك واجب، ولا يجزئ تاركُه أو ناسيه إلا العودة. ورأى قومٌ أنّ الدَّم يُجْزِئه، وليس عليه عَوْدٌ لقضائه. وقال آخرون: الطواف بينهما تَطَوُّعٌ، ولا شيء على من تركه. ورَجَّح ابنُ جرير (٢‏/‏٧٢٤-٧٢٧) القول الأول الذي قال به عائشة، ومالك، والشافعي، مُسْتَنِدًا إلى السنة، والإجماع، والقياس، بما مفاده الآتي: ١- تظاهر الأخبار، وإجماع الجميع على طواف النبي ﷺ بينهما، وأنّ ذلك مِمّا عَلَّمه لأمته. ٢- أنه كالطواف بالبيت، لا تجزي منه فدية، ولا بدل، ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه؛ إذ كانا كلاهما طوافين. وبنحوه عند ابن كثير (٢‏/‏١٣٥) وابن تيمية (١‏/‏٣٨٥-٣٨٩ بتصرف) استنادًا إلى دلالة العقل، والسنة، وأقوال السلف، حيث قال: «وأما من قال: إنها واجبة -في الجملة- وهو الذي عليه جمهور أصحابنا، فإن الله قال: هما: ﴿من شعائر الله﴾ وكل ما كان من شعائر الله فلا بد من نسك واجب بهما كسائر الشعائر من عرفة، ومزدلفة، ومنى، والبيت، فلا يجوز أن يجعل المكان شعيرة لله وعلما له، ويكون الخلق مخيرين بين قصده، والإعراض عنه؛ لأن الإعراض عنه مخالف لتعظيمه، وتعظيم الشعائر واجب لقول الله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج:٣٢] والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر الله بها، ووصى بها في غير موضع، وذم من لا يتقي الله، ومن استغنى عن تقواه توعده، وإذا كان الطواف بهما تعظيمًا لهما، وتعظيمهما من تقوى القلوب، والتقوى واجبة، كان الطواف بهما واجبًا، وفي ترك الوقوف بهما ترك لتعظيمهما. وأيضًا: فإنّ النبي ﷺ طاف في عمرته، وفي حجته، والمسلمون معه بين الصفا والمروة، وقال: «لِتأخذوا عَنِّي مناسككم». والطواف بينهما من أكبر المناسك، وأكثرها عملًا، وخرج ذلك منه مخرج الامتثال لأمر الله بالحج في قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران:٩٧]، وفي قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ [البقرة:١٩٦]، ومخرج التفسير والبيان لمعنى هذا الأمر، فكان فعله هذا على الوجوب، ولا يخرج عن ذلك إلا هيئات في المناسك وتتمات، وأما جنس تام من المناسك، ومشعر من المشاعر يقتطع عن هذه القاعدة، فلا يجوز أصلًا، وبهذا احتجَّ أصحابُ رسول الله ﷺ»

اختُلِف في معنى الضَّحِك على قولين: الأول: أنّه الضحك المعروف. الثاني: الحيض. وانتقد ابنُ عطية (٤‏/‏٦٠٩) القول الثاني، وهو قول ابن عباس من طريق ابنه علي، وقول ابن عمر، ومجاهد، وعكرمة، فقال: «وهذا قولٌ ضعيفٌ قليل التمكن». ثُمَّ اختلف القائلون أنّه الضحك المعروف في السبب الذي من أجله ضَحِكَت على أقوال: الأول: تَعَجُّبًا مِن أنها وزوجها يخدمان الأضياف تكرمةً لهم، وهم لا يأكلون. الثاني: ضحكت من أنّ قوم لوط في غفلة وقد جاءت رسل الله بإهلاكهم. الثالث: ضحكت ظنًّا بالرسل أنهم يريدون عَمَل قوم لوط. الرابع: ضحكت لَمّا رأت ما بزوجها من الرَّوْع. الخامس: ضحكت حين بُشِّرَت بإسحاق تَعَجُّبًا مِن أن يكون لها ولد على كِبَر سنِّها وسنِّ زوجها. السادس: ضحكت سرورًا بالأمن منهم، لمّا قالوا لإبراهيم عليه السلام: ﴿لا تَخَفْ﴾. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٤٧٨) مستندًا إلى دلالة السياق، والعقل القول الثاني، وهو قول قتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنه ذُكِر عقيب قولهم لإبراهيم: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾، فإذا كان ذلك كذلك، وكان لا وجْه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيم عليه السلام: ﴿لا تَخَفْ﴾؛ كان الضحك والتعجب إنما هو مِن أمْرِ قوم لوط عليه السلام». وانتقد ابنُ عطية (٤‏/‏٦١٠) القول الثالث، وهو قول محمد بن قيس، فقال: «وهذا قولٌ خطأٌ، لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقد حكاه الطبري، وإنما ذكرته لمعنى التنبيه على فساده». وانتقد ابنُ كثير (٧‏/‏٤٥٢) القول الثالث، والقول الرابع وهو قول الكلبي من طريق معمر بأنهما: «ضعيفان جدًّا، وإن كان ابنُ جرير قد رواهما بسنده إليهما، فلا يلتفت إلى ذلك». وانتقد القول الخامس، وهو قول وهب بن منبه مستندًا إلى مخالفة السياق، فقال عنه: «وهذا مخالف لهذا السياق؛ فإنّ البشارة صريحة مُرَتَّبة على ضحكها»