عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المُؤَذِّنين والمُلَبِّين يخرجون من قبورهم يوم القيامة، يُؤَذِّن المُؤَذِّن، ويُلَبِّي المُلَبِّي، ويُغْفَر للمُؤَذِّن مَدَّ صوتِه، ويشهد له كلُّ مَن سمع صوته مِن حَجَرٍ أو مَدَر أو رَطْب أو يابس، ويكتب للمؤذن بكل إنسان يصلي معه في ذلك المسجد مثل حسناتهم، ولا ينقص من حسناتهم، ويعطيه الله ما بين الأذان والإقامة كل شيء سأل ربَّه؛ إما أن يُعَجِّله في دنياه، وإما أن يَدَّخر له في الآخرة، وهو ما بين الأذان والإقامة كالمُتَشَحِّط في دمه في سبيل الله، ويُكتَب له في كل يوم يُؤَذِّن مثل أجر خمسين ومائة شهيد، وله مثل أجر القائم بالليل الصائم بالنهار، وله مثل أجر الحاجِّ، والمعتمر، وجامع القرآن، والفقه، ومثل أجر الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وله مثل أجر مَن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وصلة الرَّحِم، وأول مَن يُكْسى مِن حُلَل الجنة إبراهيم، ثم محمد، ثم النبيون والمرسلون، ثم يكسى المؤذنون، وتلقاهم يوم القيامة على نجائب مِن ياقوتة حمراء، أزِمَّتُها مِن زُمُرُّد أخضر، ألين مِن الحرير، رحالها من الذهب الأحمر، حاشيتها -أو قال: حافتاها- مُكَلَّل بالدُّرِّ والياقوت والزمرد، عليها المياثر مِن السندس والإستبرق، ومن فوق ذلك حرير أخضر، يُحَلّى كلُّ واحد منهم بثلاثة أسْوِرَةٍ: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، وفي أعناقهم الذهبُ مُكَلَّل بالدُّر والياقوت والزمرد، عليهم التيجان مكللة بالدر والياقوت والزمرد، ومن تحت التيجان أكاليل مكللة بالدر والياقوت والزمرد، ونعالهم مِن الذهب، شِراكُها من الدر، لِنجائبهم أجنحة، تضع خطوَها مدَّ بصرها، على كل واحدة منها فتًى شاب أمرد، جعد الرأس، له جمة على ما اشتهت نفسُه، حشوها المِسْكُ الأذْفَر، لو انتثر منها مثل دينار بالمشرق لوجد ريحَها جميعُ مَن بالمغرب، أبيض الجسم، أنور الوجه، أصفر الحلي، أخضر الثياب. يتبعهم مِن قبورهم سبعون ألف ملَك إلى المحشر، يقولون: تعالوا ننظر إلى حساب بني آدم، وبني إبليس. كيف يحاسبهم ربُّهم، وبين يدي كلِّ واحد منهم سبعون ألف حربة مِن نور، حتى يوافوا بهم المحشر، فذلك قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾»
عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن إسحاق، عن شيخ له، عن عكرمة-: أنّ عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضرَ بن الحارث، وأبا البختري، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، ونبيه بن الحجاج؛ اجتمعوا، فقال بعضُهم لبعض: ابعثوا إلى محمد، فكلِّموه، وخاصموه، حتى تعذروا منه. فبعثوا إليه: إنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. قال: فجاءهم رسولُ الله ﷺ، فقالوا له: يا محمد، إنّا بعثنا إليك لِنعذر منك، فإن كنتَ إنّما جئتَ بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك مِن أموالنا، وإن كنت تطلب الشرفَ فنحن نُسَوِّدك، وإن كنتَ تريد به مُلْكًا مَلَّكناك. فقال رسول الله ﷺ: «ما بي مِمّا تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلبُ أموالَكم، ولا الشرفَ فيكم، ولا المُلْكَ عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عَلَيَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا؛ فبلَّغْتُكم رسالةَ ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مِنِّي ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم». قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل مِنّا شيئًا مِمّا عرضنا عليك -أو قالوا: فإذا لم تقبل هذا- فسَل لنفسك، وسل ربَّك أن يبعث معك ملَكًا يُصَدِّقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانًا وقصورًا مِن ذهب وفضة؛ تُغنيك عمّا تبتغي، فإنّك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاشَ كما نلتمسه، حتى نعرف فضلَك ومنزلتك مِن ربِّك إن كنت رسولًا كما تزعم. فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربَّه هذا، وما بُعِثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيرًا ونذيرًا». فأنزل الله في قولهم ذلك: ﴿وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام﴾ إلى قوله: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرًا﴾. أي: جعلتُ بعضكم لبعض بلاءً لتصبروا، ولو شئتُ أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لَفَعَلْتُ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يقول: طُبّقت الأبواب، ثم شُدّتْ بأوتاد من حديد مِن نار؛ حتى يرجع عليهم غمّها وحرّها، فلا يُفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح، ولا يخرج منها غمٌّ آخر الأبد، ... ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وذلك أنّ الشقي إذا دخل النار طاف به المَلك في أبوابها في ألوان العذاب، وفُتح له باب الحُطَمة، وهي باب من أبواب جهنم، وهي نار تأكل النار مِن شدة حرّها، وما خمدتْ مِن يوم خَلَقها الله عز وجل إلى يوم يدخلها، فإذا فتح ذلك الباب وقعت النار عليه فأحرقته، فتحرق الجلد واللحم والعصب والعظم، ولا تحرق القلب ولا العين وهو ما يعقل به ويبصر، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ﴾، ثم تلا: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يقول: ليس في جسده موضع شعرة إلا والموت يأتيه من ذلك المكان، ثم قال: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وذلك أنه إذا خرج المُوحِّدون من الباب الأعلى وهي جهنم قال أهل تلك السبعة الأبواب -وهي أسفل درك من النار- لأهل الباب السادس: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] يقول: ما أدخلكم في سقر، ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ... ﴾ [المدثر:٤٣-٤٤] إلى آخر الآيات، ثم يقولون: تعالوا حتى نجزع. فيجزعون حُقبًا من الدَّهر، فلا ينفعهم شيئًا، ثم يقولون: تعالوا حتى نصرخ. فيصرخون حُقبًا من الدَّهر، فلا يغني عنهم شيئًا، ثم يقولون: تعالوا حتى نصبر، فلعلّ الله عز وجل إذا صبرنا وسكتنا أن يرحمنا. فيصبرون حُقبًا من الدَّهر، فلا يغني عنهم شيئًا، فيقولون: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، ثم ينادون: ﴿أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، فينادى ربّ العِزّة من فوق العرش: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فتصمّ آذانهم، ويُختم على قلوبهم، وتُغلق عليهم أبوابها، فيُطبق كلّ واحدة على صاحبه بمسامير من حديد من نار كأمثال الجبال، فلا يَلج فيها روح، ولا يخرج منها حرّ النار، ويأكلون من النار، ولا يسمع فيها إلا الزَّفير والشَّهيق. نسأل الله المعافاة منها بفضله وجُوده ورحمته
ذَهَبَ ابنُ جرير (٤/٧٠٨-٧٠٩) أنّ الآية في الزكاة المفروضة، فقال: «والذي هو أولى بتأويل ذلك عندنا أن يقال: إنّ الله عز وجل حثَّ عباده على الصدقة وأداء الزكاة من أموالهم، وفرضها عليهم فيها، فصار ما فَرَض من ذلك في أموالهم حقًّا لأهل سُهْمانِ الصدقة، ثم أمرهم -تعالى ذكره- أن يُخْرِجُوا من الطيب دون الخبيث، وهو الجيد من أموالهم الطيب، وذلك أنّ أهل السُّهْمانِ شُرَكاءُ أرْبابِ الأموال في أموالهم بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها، فلا شك أن كل شريكين في مال فلكل واحد منهما بقدر مِلْكِهِ، وأن ليس لأحدهما منع شريكه من حقه من المال الذي هو فيه شريكه بإعطائه بمقدار حقه منه من غيره، مما هو أرْدَأُ وأَخَسُّ منه، فكذلك المُزَكِّي مالَه حَرَّم الله عليه أن يُعْطي أهل السُّهْمانِ مما وجب لهم في ماله من الطيب الجيد من الحق، فصاروا فيه شركاء به، من الخبيث الرديء غيرِه، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم في الطَّيِّبِ من ماله الجيد، كما لو كان مالُ ربِّ المال رديئًا كله غير جيد، فوجبت فيه الزكاة، وصارَ أهل سُهْمانِ الصدقة شركاء فيه بما أوْجَبَ الله لهم فيه، لم يكن عليه أن يعطيهم الطيب الجيد من غير ماله الذي منه حَقُّهُم، فقال -تبارك وتعالى- لِأَرْبابِ الأموال: زكُّوا من جيد أموالكم الجيدَ، ولا تَيَمَّمُوا الخبيث الرَّديء تُعْطُونَه أهل سُهْمانِ الصدقة، وتمنعونهم الواجب لهم من الجيد الطيب في أموالكم، ولستم بآخذي الرَّدِيءِ لأنفسكم مكان الجيد الواجب لكم قِبَلَ مَن وجَبَ لكم عليه ذلك من شركائكم وغُرَمائِكُم وغيرهم إلا عن إغْماضٍ منكم وهَضْمٍ لهم وكراهة منكم لأخذه. يقول: فلا تَأْتُوا مِن الفعل إلى مَن وجَبَ له في أموالكم حقٌّ ما لا تَرْضَوْنَ من غيركم أن يأتيه إليكم في حُقُوقِكُم الواجبة لكم في أموالهم، فأما إذا تَطَوَّعَ الرجل بصدقة غير مفروضة -فإني وإنْ كَرِهْتُ له أن يُعْطِيَ فيها إلا أجْوَدَ مالِه وأطيبَه؛ لأنّ الله تعالى ذِكْرُه أحَقُّ مَن تُقُرِّبَ إليه بِأَكْرَمِ الأموال وأطيبها، والصدقة قُرْبانُ المؤمن إليه- فلست أُحَرِّمُ عليه أن يُعْطِيَ فيها غير الجيد؛ لأن ما دون الجيد ربما كان أعَمَّ نفعًا لكثرته، أو لعِظَمِ خَطَرِهِ، وأَحْسَنَ مَوْقِعًا من المسكين، وممن أُعْطِيهُ قُرْبَةً إلى الله -جَلّ وعزّ- مِنَ الجيد، لقلته، أو لِصِغَرِ خَطَرِهِ، وقِلَّةِ جَدْوى نفعه على مَن أُعْطِيَهُ، وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ العلم». ثم استشهد بقول عَبيدة، وابن سيرين
اختُلِف في معنى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ في هذه الآية من جهتين: الأولى: اختُلِف في مرجع الضمير في ﴿لَهُ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّها ترجع إلى الله تعالى. الثاني: أنها ترجع إلى النبي ﷺ. الثالث: أنها ترجع إلى الملِك مِن ملوك الدنيا. والثانية: اختلف في معنى: «المعقبات» على قولين: الأول: الملائكة التي تتعقب على العبد لحفظه وحفظ أعماله. الثاني: الحرس الذي يتعاقب على الأمير. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٤٦١-٤٦٢) مستندًا إلى اللغة، وإلى دلالة السياق أن «الهاء في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ مِن ذِكْر»مَن«التي في قوله: ﴿ومَن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾، وأنّ المعقِّبات من بين يديه ومِن خلفه، هي حَرَسُه وجَلاوِزَتُه». وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب لأنّ قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ أقرب إلى قوله: ﴿ومَن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ منه إلى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾، فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذِكْرِه، وأن يكون المعنيُّ بذلك هذا، مع دلالة قول الله: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ على أنّهم المعنيُّون بذلك، وذلك أنّه -جلَّ ثناؤه- ذَكَر قومًا أهل معصيةٍ له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومَنَعَةٍ تمنعهم من أهل طاعته، أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أنّ الله -تعالى ذِكْره- إذا أراد بهم سوءًا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم». وذكر ابنُ عطية (٥/١٨٤-١٨٥) أنه على القول بعود الضمير على اسم الله تعالى المتقدم ذكره تكون «المعقِّبات»: الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم أيضًا. وعلى القول بعود الضمير على المذكور في قوله: ﴿ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن﴾ وكذا باقي الضمائر التي في الآية، تكون «المعقِّبات»: حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، والآية على هذا في الرؤساء الكافرين. وذكر ابنُ عطية قولًا رابعًا في عود الضمير «في ﴿لَهُ﴾ للعبد المؤمن، على معنى: جعل الله له». وبيَّن أن هذا القول إنّما يصِحُّ على القول بكون «المعقبات» هي الملائكة، ثم رجَّحه مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهذا التأويل عندي أقوى؛ لأنّ غرض الآية إنّما هو التنبيه على قدرة الله تعالى، فذكر استواء مَن هو مُستَخْف ومَن هو سارِبٌ وأنّ له معَقِّبات مِن الله تحفظه في كل حال، ثم ذكر أن الله لا يُغيِّر هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يُغيِّر ما بنفسه»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في مرجع الهاء في قوله تعالى: ﴿إلا لَيَؤُمِنَنَّ بِهِ﴾، وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أقوال: الأول: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت عيسى عليه السلام. الثاني: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت الكتابيّ. الثالث: إلا ليؤمنَنَّ بمحمد ﷺ قبل موت الكتابيّ. وعَلَّق ابنُ كثير (٤/٣٤٥) على القول الثاني والثالث قائلًا: «فأمّا من فسَّر هذه الآية بأنّ المعنى: أن كل كتابيٍّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأَْسَنا قالُوا آمَنّا باللهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر:٨٤-٨٥]. ومَن تأمل هذا جيِّدًا وأمعن النظر اتَّضَح له أنّ هذا وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا». ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٦٧٢-٦٧٥) مستندًا إلى دلالة السنّة، والعقل، والسياق القول الأول، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي مالك، وابن زيد. وانتَقَدَ (٧/٦٧٢) القول الثاني بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- حَكَمَ لكل مؤمنٍ بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يؤمن بعيسى قبل موته لوَجَب أن لا يرث الكتابيَّ إذا مات على ملته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم مِن أهل الإسلام، إن كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكن له ولدٌ صغيرٌ ولا بالغٌ مسلمٌ أن يكون ميراثه منصرفًا حيث ينصرف إليه مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمُه حكمَ المسلمين في الصلاة عليه وغسله وتقبيره؛ لأن مَن مات مؤمنًا بعيسى فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ وبجميع الرسل». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٤/٣٤٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية كلام ابن جرير هذا بقوله: «هذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردّى مِن شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى. فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدَّمناه». ووافق ابنُ كثير (٤/٣٤٤-٣٤٥ بتصرف) ابنَ جرير في نقده للقول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنّة، فقال: «لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بُطْلان ما ادَّعته اليهود من قَتْل عيسى وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثم إنّه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلَّت عليه الأحاديث المتواترة، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنّه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٧/٦٧٤، ٦٧٥) القول الثالث بقوله: «وأمّا الذي قال: عنى بقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي، فما لا وجْه له مفهوم؛ لأنّه مع فساده مِن الوجه الذي دلَّلنا على فساد قول من قال: عنى به: ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موت الكتابيّ. يزيده فسادًا أنّه لم يَجْرِ لمحمد ﷺ في الآيات التي قَبْل ذلك ذِكْرٌ، فيجوز صرف الهاء التي في قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ إلى أنها مِن ذكره، وإنّما قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ في سياق ذِكْر عيسى وأمه واليهود، فغيرُ جائزٍ صرْفُ الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجةٍ يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبرٍ عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدَّعاوى فلا تتعذر على أحدٍ». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (٢/٣٦٣-٣٦٤) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، والعموم، ودلالة العقل القول الثاني والثالث بأنه: «لو آمَنَ به قبل الموت لنفعه إيمانه به، فإنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر. وإن قيل: المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة، لم يكن في هذا فائدة؛ فإنّ كل أحد بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجحده، فلا اختصاص للمسيح به، ولأنّه قال: ﴿قبل موته﴾، ولم يقل: بعد موته. ولأنّه لا فرق بين إيمانه بالمسيح وبمحمد -صلوات الله عليهما وسلامه-، واليهودي الذي يموت على اليهودية يموت كافرًا بمحمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام-، ولأنه قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، وقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ فِعْلٌ مُقْسَمٌ عليه، وهذا إنما يكون في المستقبل، فدلَّ ذلك على أنّ هذا الإيمان بعد إخبار الله بهذا، ولو أريد به قبل موت الكتابي لقال: وإن من أهل الكتاب إلا مَن يؤمن به، لم يقل: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإن مِن أهل الكتاب﴾، وهذا يعم اليهود والنصارى، فدلَّ ذلك على أنّ جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنّه رسول الله، ليس كاذبًا كما تقول اليهود، ولا هو الله كما تقوله النصارى. والمحافظة على هذا العموم أولى مِن أن يُدَّعى أنّ كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابيّ، فإنّ هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع، وهو لَمّا قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ دلَّ على أنّ المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو عُلِم أنّه أُرِيد بالعموم عمومَ مَن كان موجودًا حين نزوله، أي: لا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به، لا إيمان من كان منهم ميتًا»
رجَّح ابنُ جرير (٤/٣٠١-٣٠٣) هذا القولَ الذي قال به أبو العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، مستندًا إلى دلالة العموم، والعقل، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾. فجعل الله -تعالى ذِكْرُه- ذلك لكُلِّ مطلقةٍ، ولم يخصص منهُنَّ بعضًا دون بعض، فليس لأحد إحالةُ ظاهر تنزيل عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ إلا بحُجَّةٍ يجب التسليمُ لها. فإن قال قائل: فإنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد خَصَّ المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضًا لها بقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة. قيل: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إذا دَلَّ على وجوب شيء في بعض تنزيله، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دلَّ عليه الكفايةُ عن تكريره، حتى يدلَّ على بُطُولِ فرضه، وقد دلَّ بقوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ على وجوب المتعة لكلِّ مطلقةٍ، فلا حاجة بالعباد الى تكرير ذلك في كلِّ آية وسورة. وليس في دلالته على أنّ للمطلقة قبلَ المسيس المفروض لها الصداق نصفَ ما فُرِض لها دلالةٌ على بُطُولِ المتعة عنه؛ لأنّه غيرُ مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة. فلمّا لم يكن ذلك مُحالًا في الكلام كان معلومًا أنّ نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفيٌ عن حقها مِن المتعة، ولَمّا لم يكن اجتماعهما للمطلقة مُحالًا، وكان الله -تعالى ذكره- قد دلَّ على وجوب ذلك لها، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آيةٍ غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى ثبت وصحَّ وجوبهما لها. هذا إذا لم يكن على أنّ للمطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله -تعالى ذكره-: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، فكيف وفي قول الله -تعالى ذكره-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ الدلالة الواضحة على أنّ المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها؟! وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- لَمّا قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ كان معلومًا بذلك أنّه قد دلَّ به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء: أحدهما المفروض له، والآخر غير المفروض له؛ وذلك أنّه لما قال: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ عُلِم أنّ الصنف الآخر هو المفروض له، وأنّها المطلقة المفروض لها قبل المسيس؛ لأنه قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾، ثم قال -تعالى ذكره-: ﴿ومتعوهن﴾ فأوَجَبَ المُتْعَةَ للصِّنفَيْنِ منهُنَّ جميعًا؛ المفروضِ لهن، وغيرِ المفروض لهن. فمَنِ ادَّعى أنّ ذلك لأحد الصنفين سُئِل البرهانَ على دعواه مِن أصلٍ أو نظيرٍ، ثم عُكِسَ عليه القولُ في ذلك؛ فلن يقول في شيء منه قولًا إلا أُلْزِم في الآخر مثلَه». وذكَر ابنُ عطية (١/٥٩٣) أن من قال: إن المتعة واجبة؛ قال: إن قوله: ﴿حقا على المحسنين﴾ تأكيد الوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، فليس لأحد أن يقول لَسْتُ بمُحسن على هذا التأويل. ثم قال: «و﴿حقا﴾ صفة لقوله: ﴿متاعا﴾، أو نصب على المصدر، وذلك أدخل في التأكيد للأمر»
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ على قولين: أولهما: أن الذي أخفاه في نفسه ميله إليها، وحبه لفراق زيد لها؛ ليتزوجها إن طلقها. وهذا قول قتادة، وابن زيد، ومقاتل، وغيرهم. والثاني: أن الذي أخفاه في نفسه أنّ الله أعلمه أنها ستكون مِن أزواجه ﷺ. وهذا قول عليّ بن الحسين، والسّدّيّ. واختار ابنُ جرير (١٩/١١٥) القول الأول مستندًا إلى سبب النزول، وأقوال أهل التأويل. ويظهر من كلام ابن كثير (١١/١٧١-١٧٢) ميله إلى القول الثاني. ورجَّحَ ابن القيم (٢/٣٣٠-٣٣١) القولَ الثانيَ، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، مستندًا إلى الدلالات العقلية، والسياق، فقال: «أما ما زعمه بعض مَن لم يقدر رسول الله ﷺ حقَّ قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش، وأنه رآها، فقال: «سبحان مقلب القلوب». وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: «أمسكها». حتى أنزل الله عليه: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾، فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق، وصنَّف بعضهم كتابًا في العشق، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة، وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله ﷺ إلى ما برأه الله منه؛ فإن زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ قد تبنّاه، وكان يُدْعى: زيد بن محمد، وكانت زينب فيها شمم وترفُّع عليه، فشاور رسول الله ﷺ في طلاقها، فقال له رسول الله ﷺ: «أمسك عليك زوجك واتق الله». وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها زيد، وكان يخشى مِن قالة الناس أنه تزوَّج امرأة ابنه؛ لأن زيدًا كان يُدْعى ابنه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له، ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يُعَدِّد فيها نعمَه عليه، لا يعاتبه فيها، وأعلمه أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له، وأن الله أحق أن يخشاه، فلا يتحرَّج ما أحلَّه له لأجل قول الناس، ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد قضاء زيد وطره منها؛ لتقتدي أمته به في ذلك، ويتزوج الرجل بامرأة ابنه من التبني، لا امرأة ابنه لصلبه، ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء:٢٣]، وقال في هذه السورة: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال في أولها: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ [الأحزاب:٤]. فتأمل هذا الذب عن رسول الله ﷺ، ودفع طعن الطاعنين عنه، وبالله التوفيق. نعم كان رسول الله ﷺ يحب نساءه، وكان أحبهن إليه عائشة رضي الله عنها، ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لأحد سوى ربه نهاية الحب، بل صحَّ أنه قال: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا». وفي لفظ: «وإنّ صاحبكم خليل الرحمن»»
عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الله بن أبي نجيح- قال: لقد حُدِّثْتُ: أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانه وضح الورق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكون إلى الله، ويستغيثونه، وكانوا ثمانية نفر: مَكْسَلْمِينا، وكان أكبرهم، وهو الذي كلم الملك عنهم، ومحسيميلنينا، ويَمليخا، ومَرْطُوس، وكشطونس، وبَيرونس، ودَينموس، وبطونس، وقالوس، فلما أجمع دَقيانوس أن يجمع أهل القرية لعبادة الأصنام والذبح للطواغيت بكوا إلى الله، وتضرعوا إليه، وجعلوا يقولون: اللهم رب السماوات والأرض، لن ندعو من دونك إلهًا، ﴿لقد قلنا إذا شططا﴾، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وادفع عنهم البلاء، وأنعِم على عبادك الذين آمنوا بك، ومُنِعوا عبادتك إلا سِرًّا، مستخفين بذلك، حتى يعبدوك علانية. فبينما هم على ذلك عرفهم عُرفاؤهم من الكفار مِمَّن كان يجمع أهل المدينة لعبادة الأصنام والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خلوا في مصلًّى لهم يعبدون الله فيه، ويتضرعون إليه، ويتوقعون أن يُذكروا لدَقْيَنوس، فانطلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مصلاهم، فوجدوهم سجودًا على وجوههم يتضرعون، ويبكون، ويرغبون إلى الله أن ينجيهم من دقينوس وفتنته، فلما رآهم أولئك الكفرة مِن عرفائهم قالوا لهم: ما خَلَّفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقينوس، وقالوا: تَجَمَّع الناسُ للذبح لآلهتك، وهؤلاء فتية من أهل بيتك يسخرون منك، ويستهزئون بك، ويعصون أمرك، ويتركون آلهتك، يعمدون إلى مُصَلًّى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريم يصلون فيه، ويتضرعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلِمَ تتركهم يصنعون هذا وهم بين ظهراني سلطانك وملكك؟ وهم ثمانية نفر، رأسهم مكسلمينا، وهم أبناء عظماء المدينة. فلما قالوا ذلك لدقيانوس بعث إليهم، فأُتي بهم من المصلى الذي كانوا فيه تفيض أعينهم من الدمع، مُعَفَّرةً وجوههم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أسوة لسَراة أهل مدينتكم، ولمن حضرها من الناس؟ اختاروا مني: إما أن تذبحوا لآلهتنا كما ذبح الناس، وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا: إنّ لنا إلهًا نعبده ملأ السماوات والأرض عظمته، لن ندعو من دونه إلهًا أبدًا، ولن نُقِرَّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدًا، ولكنّا نعبد الله ربنا، له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصًا أبدًا، إياه نعبد، وإياه نسأل النجاة والخير، فأمّا الطواغيت وعبادتها فلن نُقِرَّ بها أبدًا، ولسنا بكّائنين عُبّادًا للشياطين، ولا جاعلي أنفسنا وأجسادنا عُبّادًا لها بعد إذ هدانا الله له؛ رهبتَك، أو فَرَقًا من عُبُودتك، اصنع بنا ما بدا لك. ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال. قال: فلما قالوا ذلك له أمر بهم، فنُزِع عنهم لبوسٌ كان عليهم من لبوس عظمائهم، ثم قال: أما إذ فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم أن تكونوا من أهل مملكتي وبطانتي وأهل بلاطي، وسأفرُغ لكم، فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجِّل ذلك لكم إلا أني أراكم فتيانًا حديثة أسنانُكم، ولا أحبُّ أن أهلككم حتى أستأني بكم، وأنا جاعل لكم أجلًا تَذكرون فيه، وتراجعون عقولكم. ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة، فنزعت عنهم، ثم أمر بهم، فأُخْرِجوا من عنده، وانطلق دقيانوس مكانه إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبًا منها لبعض ما يريد من أمره، فلما رأى الفتية دقيانوس قد خرج من مدينتهم بادروا قدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يُذَكَّرَ بهم، فأتمروا بينهم أن يأخذ كلُّ رجل منهم نفقة من بيت أبيه، فيتصدَّقوا منها، ويتزوَّدوا بما بقي، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يُقال له: بنجلوس، فيمكثوا فيه، ويعبدوا الله، حتى إذا رجع دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه، فيصنع بهم ما شاء، فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كلُّ فتًى منهم فأخذ من بيت أبيه نفقة، فتصدّقوا منها، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، واتبعهم كلْب لهم، حتى أتوا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله تعالى والحياة التي لا تنقطع، وجعلوا نفقتهم إلى فتًى منهم يقال له: يمليخا، فكان على طعامهم، يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سِرًّا من أهلها، وذلك أنه كان من أجملهم وأجلدهم، فكان يمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابًا كانت عليه حسانًا، ويأخذ ثيابًا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ ورقه، فينطلق إلى المدينة، فيشتري لهم طعامًا وشرابًا، ويتسمع ويتجسس لهم الخبر؛ هل ذُكر هو وأصحابه بشيء في بلاط المدينة، ثم يرجع إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويخبرهم بما سمع من أخبار الناس، فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس الجبار المدينة التي منها خرج إلى مدينته، وهي مدينة أُفسوس، فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطواغيت، ففزع من ذلك أهل الإيمان، فتخبئوا في كل مخبأ، وكان يمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينة، وأنهم قد ذُكروا وافْتُقِدوا والتُمسوا مع عظماء أهل المدينة ليذبحوا للطواغيت، فلما أخبرهم بذلك فزعوا فزعًا شديدًا، ووقعوا سجودًا على وجوههم يدعون الله، ويتضرعون إليه، ويَتَعَوَّذون به من الفتنة، ثم إن يمليخا قال لهم: يا إخوتاه، ارفعوا رؤوسكم، فاطعموا من هذا الطعام الذي جئتكم به، وتوكلوا على ربكم. فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع حذرًا وتَخَوُّفًا على أنفسهم، فطعموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون، ويُذَكِّر بعضهم بعضًا على حزن منهم، مشفقين مما أتاهم به صاحبهم من الخبر، فبينا هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون مصدقون بالوعد، ونفقتهم موضوعة عندهم، فلما كان الغد فقدهم دقيانوس، فالتمسهم، فلم يجدهم، فقال لعظماء أهل المدينة: لقد ساءني شأنُ هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا يظنون أن بي غضبًا عليهم فيما صنعوا في أول شأنهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأحمل عليهم في نفسي، ولا أُؤاخذ أحدًا منهم بشيء إن هم تابوا وعبدوا آلهتي، ولو فعلوا لتركتهم، وما عاقبتهم بشيء سلف منهم. فقال له عظماء أهل المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قومًا فَجَرَة مَرَدَة عصاة، مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، وقد كنت أجَّلْتَهم أجلًا، وأخَّرْتَهم عن العقوبة التي أصبت بها غيرهم، ولو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا ولم ينزعوا ولم يندموا على ما فعلوا، وكانوا منذ انطلقت يُبَذِّرون أموالهم بالمدينة، فلما علموا بقدومك فرُّوا فلم يُرَوْا بعد، فإن أحببت أن تُؤتى بهم فأرسِل إلى آبائهم فامتحِنهم، واشدد عليهم يَدُلُّوك عليهم؛ فإنهم مختبئون منك. فلما قالوا ذلك لدقيانوس الجبار غضب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم، فأتى بهم، فسألهم عنهم، وقال: أخبِروني عن أبنائكم المَرَدة الذين عصوا أمري، وتركوا آلهتي، ائتوني بهم، وأنبئوني بمكانهم. فقال له آباؤهم: أما نحن فلم نعصِ أمرك، ولم نخالفك، قد عبدنا آلهتك، وذبحنا لهم، فلِمَ تقتلنا في قوم مردة قد ذهبوا بأموالنا فبَذَّروها وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا، فارتقوا في جبل يدعى: بنجلوس، وبينه وبين المدينة أرض بعيدة هربًا منك؟! فلما قالوا ذلك خلّى سبيلهم، وجعل يأتمر ماذا يصنع بالفتية، فألقى الله عز وجل في نفسه أن يأمر بالكهف فيُسَدَّ عليهم كرامة مِن الله، أراد أن يكرمهم، ويكرم أجساد الفتية، فلا يجول ولا يطوف بها شيء، وأراد أن يحييهم ويجعلهم آيةً لأمة تستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. فأمر دقينوس بالكهف أن يُسَدَّ عليهم، وقال: دعوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا آلهتي فليموتوا كما هم في الكهف عطشًا وجوعًا، وليكن كهفهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرًا لهم، ففعل بهم ذلك عدوُّ الله، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، قد غشّاه الله ما غشاهم، يُقلَّبون ذات اليمين وذات الشمال. ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما؛ اسم أحدهما: يندروس، واسم الآخر: روناس، فأتمرا أن يكتبا شأن الفتية أصحاب الكهف؛ أنسابهم، وأسماءهم، وأسماء آبائهم، وقصة خبرهم في لوحين من رصاص، ثم يصنعا لهما تابوتا من نحاس، ثم يجعلا اللوحين فيه، ثم يكتبا عليه في فم الكهف بين ظهراني البنيان، ويختما على التابوت بخاتمهما، وقالا: لعل الله أن يُظهر على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم مَن فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرَهم. ففعلا، ثم بنيا عليه في البنيان، فبقي دقيانوس وقرنُه الذين كانوا منهم ما شاء الله أن يبقوا، ثم هلك دقيانوس والقرن الذي كانوا معه وقرون بعده كثيرة، وخلفت الخُلُوف بعد الخُلوف
أفادت الآثار الاختلاف في إرسال رسل من الجنّ إليهم أكان أم لم يكن؟ على قولين: أحدهما: أرسل إلى الجن رسل منهم، كما أرسل إلى الإنس رسل من الإنس. وهو قول الضحاك. الآخر: ليس في الجنِّ رسل، إنما الرسل في الإنس، والنِّذارةُ في الجن. وهو قول مجاهد، وابن جريج، وغيرهما. وعلَّقَ ابن جرير (٩/٥٦١) على تأويل ابن عباس هذا قائلًا: «تأويل الآية على هذا التأويل الذي تأوَّله ابن عباس: ألم يأتكم أيها الجن والإنس رسل منكم؟ فأمّا رسل الإنس فرسل من الله إليهم، وأما رسل الجن فرسُل رُسُلِ الله من بني آدم، وهم الذين إذا سَمِعوا القرآنَ ولّوا إلى قومهم منذرين. وأما الذين قالوا بقول الضحاك، فإنهم قالوا: إنّ الله -تعالى ذكره- أخبرَ أنّ من الجن رسلًا أرسلوا إليهم، كما أخبر أنّ من الإنس رسلًا أرسلوا إليهم، قالوا: ولو جاز أن يكون خبرُه عن رسل الجن بمعنى أنهم رسل الإنس جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رُسُل الجنّ. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدلُّ على أنّ الخبرين جميعًا بمعنى الخبر عنهم أنهم رُسُل الله؛ لأنّ ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره». ورجَّحَ ابنُ كثير (٦/١٧٦) القولَ الثاني استنادًا إلى القرآن، ودلالة العقل، فقال: «الدليل على أنّ الرسل إنما هم من الإنس قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى قوله: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء:١٦٣-١٦٥]، وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب﴾ [العنكبوت:٢٧]، فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إنّ النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾ [الفرقان:٢٠]، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ [يوسف:١٠٩]، ومعلوم أنّ الجن تَبَع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٢]. وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: أنّ رسول الله ﷺ تلا عليهم سورة الرحمن، وفيها قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾». وذكر ابنُ عطية (٣/٤٦٣) أنّ قوله: ﴿غرتهم الحياة الدنيا﴾ التفاتة فصيحة، تضمَّنت أنّ كفرهم كان بأذمِّ الوجوه لهم؛ وهو الاغترار الذي لا يُواقِعه عاقل، ثم قال: «ويحتمل ﴿غرتهم﴾ أن يكون بمعنى: أشبعتهم وأطعمتهم بحلوائها، كما يقال: غرَّ الطائرُ فرخَه»