ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٣١) أن قوله: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ متصل بقوله: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ لأن سرعة حسابه تعالى للخلْق إنما هي بعلمه الذي لا يحتاج معه إلى رؤية وفكرة، ولا لشيء مما يحتاجه الحاسبون. ثم ذكر أنّ فرقة قالت: ﴿يَعْلَمُ﴾ متصل بقوله: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهُمْ شَيْءٌ﴾، وعلَّق عليه بقوله (٧‏/‏٤٣٢): «وهذا قول حسن، يقويه تناسب المعنيين». ثم انتقده مستندًا إلى دلالة العقل، فقال: «ويضعّفه بُعْدُ الآية من الآية، وكثرة الحائل»

اختُلف في قوله: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ على قولين: الأول: أنه أراد به: جنسه من المعادن وغيرها. الثاني: أنه أراد به: السلاح. وعلَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٢٣٨-٢٣٩) على القول الثاني الذي قاله مجاهد، وابن زيد، ومقاتل، بقوله: «ويترتب معنى الآية: فأن الله أخبر أنه أرسل رسلًا، وأنزل كتبًا، وعدلًا مشروعًا، وسلاحًا، يحارب به مَن عاند، ولم يهتدِ بهدي الله، فلم يبقَ عذر، وفي الآية -على هذا التأويل- حضٌّ على القتال وترغيب فيه». ثم قال: «وقوله: ﴿وليعلم الله من ينصره﴾ يقوّي هذا التأويل»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٥٦٦): «وأمّا الضمير في:»رأوا«وفي ﴿قالُوا﴾ قال الطبري وغيره: هو للكفار. والمعنى: أنهم يرمون المؤمنين بالضلال، والكفار لم يُرسلوا على المؤمنين حفظة لهم. وقال بعض علماء التأويل: بل المعنى بالعكس، وإنّ معنى الآية: وإذا رأى المؤمنون الكفار قالوا: إنهم لضالون، وهو الحق فيهم، ولكن ذلك يثير الكلام بينهم، فكأن في الآية حضًّا على الموادعة، أي: أنّ المؤمنين لم يُرسلوا حافظين على الكفار، وهذا كله منسوخ على هذا التأويل بآية السيف»

اختُلف في المعنيِّ بهذه الآية على أقوال: الأول: العاص بن وائل السهمي. الثاني: عُقبة بن أبي مُعَيط. الثالث: أبو لهب. الرابع: أبو جهل. الخامس: جماعة من قريش. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٧٠٠، ٧٠١) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكره- أخبر أنّ مُبْغِض رسول الله هو الأقلُّ الأذلُّ، المنقطعُ عَقِبُه، فذلك صفة كلِّ مَن أبْغَضه من الناس، وإنْ كانت الآية نزلت في شخص بعينه»

اختلف السلف فيما عنى الله بقوله: ﴿فيه شفاء للناس﴾ على قولين: الأول: أنه القرآن. الثاني: أنه العسل. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٩١) القول الثاني مستندًا إلى السياق، وعلل ذلك بقوله: «لأن قوله: ﴿فيه﴾ في سياق الخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره». وكذا ابنُ كثير (٨‏/‏٣٢٦-٣٢٩) مستندًا إلى السنة، وذكر عدة أحاديث في كون العسل شفاء. وبنحوهما ابنُ القيم (٢‏/‏١١٣بتصرف)، حيث قال: «الصحيح: رجوع الضمير إلى الشراب، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأكثرين، فإنه هو المذكور، والكلام سيق لأجله، ولا ذكر للقرآن في الآية، وهذا الحديث الصحيح وهو قوله: «صدق الله» كالصريح فيه». وذكر ابنُ كثير (٨‏/‏٣٢٦) القول الأول عن مجاهد، ثم انتقده مستندًا للسياق قائلًا: «وهذا قول صحيح في نفسه، ولكن ليس هو الظاهر هاهنا من سياق الآية؛ فإن الآية إنما ذكر فيها العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله هاهنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ الآية [الإسراء:٨٢]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ [يونس:٥٧]». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣٨١) قولًا ثالثًا، وانتقده مستندًا لدلالة العقل، فقال: «وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية إنما يراد بها: أهل البيت ورجال بني هاشم، وأنهم النحل، وأن الشراب: القرآن والحكمة، وقد ذكر بعضهم هذا في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي: فقال له رجل ممن حضر: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم. فأضحك الحاضرين، وبهت الآخر، وظهرت سخافة قوله»

اختُلِف في نزول قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ على أقوال: الأول: أنّ هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ بسبب مسائل كان يسألها إيّاه أقوامٌ امتحانًا له أحيانًا، واستهزاءً أحيانًا. الثاني: نزلت على رسول الله ﷺ من أجل مسألةِ سائلٍ سأله عن شيء في أمر الحج. الثالث: نزلت من أجل أنهم سألوا رسول الله عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٢٣) مستندًا إلى أقوال السلف أنَّه «نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله ﷺ المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه: مَن أبوه؟ ومسألة سائله -إذ قال: «إن الله فرض عليكم الحج»-: أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل». وهو قول أبي هريرة، وأنس وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة، والتابعين، وعامة أهل التأويل». وبيَّن ابنُ جرير بأن القول الذي رواه ابن عباس من طريق خصيف عن مجاهد -وهو القول الثالث- غير بعيد من الصواب، إلا أنه كره القول به لخلافه أقوال السلف، بقوله: «ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك». ثم ذكر له توجيهًا، فقال: «على أنه غير مُسْتَنْكَرٍ أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كانت فيما سألوا النبي ﷺ عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره لهم المسألة عن الحج؛ أكُلَّ عامٍ هو؟ أم عامًا واحدًا؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلها، فأخبر كلُّ مُخبِرٍ منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجْل غيره». وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٢٧١) على القول الثاني بقوله: «ويقوي هذا حديثُ سعد بن أبي وقاص أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنّ أعظم المسلمين على المسلمين جرمًا مَن سأل عن شيءٍ لم يُحَرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته»». وعلَّق ابنُ كثير (٥‏/‏٣٨٧) على قول عكرمة -وهو من أصحاب القول الأول-، فقال: «يعني عكرمة: أنّ المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارًا، وأن يجعل لهم الصفا ذهبًا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]. وقال تعالى: ﴿وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكُمْ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ * ولَوْ أنَّنا نزلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩-١١١]». وزاد ابنُ عطية (٣‏/‏٢٧٢) قولًا، فقال: «وروي أنّه لَمّا بيَّن الله تعالى في هذه الآيات أمر الكعبة والهدي والقلائد، وأعلم أن حرمتها هو الذي جعلها، إذ هي أمور نافعة قديمة من لدن عهد إبراهيم عليه السلام؛ ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن سائر أحكام الجاهلية؛ ليروا هل تلحق بتلك أم لا، إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع سنة لا يفرقون بين ما هو من عند الله وما هو من تلقاء الشيطان والمغيرين لدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، كعمرو بن لحي وغيره»

سورة النساء — الآية ٨٨

عن زيد بن أسلم، عن ابنٍ لسعد بن معاذ الأنصاري: أنّ هذه الآية أنزلت فينا: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا﴾، خطب رسول الله ﷺ الناس، فقال: «مَن لي بمن يؤذيني ويجمع لي في بيته مَن يؤذيني؟». فقام سعد بن معاذ، فقال: إن كان مِنّا يا رسول الله قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فأطعناك. فقام سعد بن عبادة، فقال: ما بك يا ابنَ معاذ طاعةُ رسول الله ﷺ، ولكن عرفت ما هو منك. فقام أسيد بن حضير: فقال: إنك يا ابن عبادة منافق تحب المنافقين. فقام محمد بن مسلمة، فقال: اسكتوا، أيها الناس، فإنّ فينا رسول الله ﷺ، وهو يأمرنا فَنَنفُذُ لأمره. فأنزل الله: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ الآية

سورة النساء — الآية ١٠٠

عن عبد الملك بن عُمير، قال: بلغ أكثَمَ بن صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ رسول الله ﷺ، فأراد أن يأتيه، فأبى قومُه، فانتدب رجلان، فأتيا رسول الله ﷺ، فقالا: نحن رسلُ أكْثَم، يسألك مَن أنت؟ وما جئت به؟ فقال النبي ﷺ: «أنا محمد بن عبد الله، وأنا عبد الله ورسوله». ثم تلا عليهم: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى ﴿تذّكرون﴾. قالوا: ارْدُد علينا هذا القول. فردَّده عليهم حتى حفِظوه، فأَتَيا أكثم، فأخبراه، فلما سمع الآية قال: إني أُراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن مَلائِمِها، فكونوا في هذا الأمر رءوسًا، ولا تكونوا فيه أذنابًا، وكونوا فيه أولًا، ولا تكونوا فيه آخرًا. فركب متوجِّهًا إلى النبي ﷺ، فمات في الطريق. قال: ويقال: نزلت فيه هذه الآية: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾ الآية

سورة البقرة — الآية ٢٧٨

عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ الآية، قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي ﷺ على أنّ ما لهم من رِبًا على الناس وما كان للناس عليهم من رِبًا فهو موضوع، فلمّا كان الفتح استعمل عتّاب بن أسِيدٍ على مكة، وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يُرْبون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يُعْطُوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتّابِ بن أسيد، فكتب عتّابٌ إلى رسول الله ﷺ؛ فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ إلى قوله: ﴿ولا تظلمون﴾. فكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتّاب، وقال: «إن رَضُوا، وإلا فآذِنهم بحرب»

سورة البقرة — الآية ٢٨٢

عن ابن عباس، قال: لَمّا نزلت آيةُ الدَّيْن قال رسول الله ﷺ: «إنّ أول مَن جحدَ آدمُ، إنّ الله لما خلق آدم مسَح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارٍ إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يَزْهَرُ، قال: أيْ ربِّ، من هذا؟ قال: هذا ابنك داود. قال: أيْ ربِّ، كم عمره؟ قال: ستون عامًا. قال: ربِّ، زدْ في عمره. فقال: لا، إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احْتُضِرَ آدمُ وأتته الملائكة لتقبضه، قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا. فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب، وأشهد عليه الملائكة، فكمَّل اللهُ لآدم ألفَ سنة، وأكمل لداود مائة عام»