سورة الفتح — الآية ٢٩

عن عبد الله بن عباس -من طريق سفيان الثوري، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر، ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ عمر، ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان، ﴿تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ عليّ، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ طلحة، والزبير، ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، ﴿ومَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ بأبي بكر، ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ بعمر، ﴿فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ بعثمان، ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ بعليّ، ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ جميع أصحاب محمد ﷺ

ذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏٢٤١) هذه القراءة، وقراءة من قرأ ذلك على الإفراد، ثم علّق قائلًا: «والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب؛ لاتفاق معنييهما؛ والعرب توحد مثل ذلك أحيانًا وتجمع بمعنى واحد». وعلّق ابنُ عطية (٧‏/‏٤٠٨) على قراءة الجمع، فقال: «وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ‹بِمَفازاتِهِمْ› على الجمع مِن حيث النجاة أنواع؛ الأسباب مختلفة، وهي قراءة الحسن، والأعرج، وأبي عبد الرحمن، والأعمش، وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: وينجي الله الذين اتقوا بأسباب أو بدواعي مفازاتهم»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٦٨) قول عبد الرحمن بن زيد، وقول محمد بن كعب، وابن عباس، ثم علّق قائلًا: ""وهذا الوحيُ على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحيَ إلهام، ويحتمل أن يكون وحيًا برسول من الملائكة، وقد قال الشاعر:أوحى لها القرار فاستقرّتِ وشدّها بالراسيات الثُّبَّتِ"". وذكر ابنُ كثير (٨‏/‏٤٦١) تفسير مَن فسّر ﴿أوحى لها﴾ بأوحى إليها، ثم علّق قائلًا: «والظاهر أنّ هذا مُضمَّن بمعنى: أذِن لها». وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٦٦٨) في معنى الآية قولًا آخر، فقال: وقال بعض المتأولين: ﴿أوْحى لَها﴾ معناه: أوْحى إلى ملائكته المقربين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال""

بيّن ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦١٦) أنّ المراد بالهُمَزَة: مَن يغتاب الناس. واللُّمَزة: مَن يَطعن فيهم ويَعيبهم. فقال: ""يعني -تعالى ذِكْره- بقوله: ﴿ويل لكل همزة﴾ الوادي يسيل من صديد أهل النار وقيحهم ﴿لكل همزة﴾ يقول: لكلّ مغتاب للناس، يغتابهم ويغضهم، كما قال زياد الأعجم:تُدْلِي بِوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإن أُغَيَّبْ فَأَنتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ. ويعني باللُّمَزة: الذي يَعيب الناس، ويطعن فيهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل«. وذكر قول قتادة، ومجاهد، وابن عباس. ثم ذكر قول عبد الرحمن ابن زيد:»أنّ الهُمَزَة: هو الذي يَهمِز الناس بيده، ويضربهم بلسانه، واللُّمَزة: مَن يَلمِزهم بلسانه ويعيبهم""

عن زيد بن أرْقَم، قال: كنتُ جالسًا مع عبد الله بن أُبيّ، فمَرّ رسولُ الله ﷺ في ناس مِن أصحابه، فقال عبد الله بن أُبيّ: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. فأَتيتُ سعد بن عُبادة، فأَخبَرتُه، فأتى رسولَ الله ﷺ، فذكَر ذلك له، فأرسَل رسولُ الله ﷺ إلى عبد الله بن أُبيّ، فحَلف له عبد الله بن أُبيّ بالله ما تَكلّم بهذا، فنظر رسول الله ﷺ إلى سعد بن عُبادة، فقال سعد: يا رسول الله، إنما أخبَرنيه الغلام زيد بن أرْقَم. فجاء سعد، فأخذ بيدي، فانطلَق بي، فقال: هذا حدَّثني. فانتَهرني عبد الله بن أُبيّ، فانتهيتُ إلى رسول الله ﷺ، وبَكيتُ، وقلتُ: إي، والذي أنزل النور عليك، لقد قاله. وانصرف عنه النبيُّ ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ إلى آخر السورة

سورة المزمل — الآية ٢٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يعني: وأَتِمُّوا الصلوات الخمس، وأَعطوا الزكاة المفروضة من أموالكم، فنُسِخَ قيام الليل على المؤمنين، وثَبتَ قيام الليل على النبي ﷺ، وكان بين أول هذه السورة وآخرها سنة، حتى فُرضت الصلوات الخمس والزكاة، فهما واجبتان، فذلك قوله: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يقول: وأَعطوا الزكاة من أموالكم، ﴿وأَقْرِضُوا اللَّهَ﴾ يعني: التَّطوّع ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني بالحسن: طيِّبة بها نفسه، يَحتسبها تَطوّعًا بعد الفريضة، ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِن خَيْرٍ﴾ يعني: مِن صدقة؛ فريضة كانت أو تَطوّعًا؛ يقول: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ثوابًا عند الله في التقديم ﴿هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أجْرًا﴾ يقول: أفضل مما أعطيتم من أموالكم وأعظم أجرًا، يعني: وأكثر خيرًا وأفضل خيرًا في الآخرة، ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من الذّنوب؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم عند الاستغفار إذا استغفرتموه، ﴿رَحِيمٌ﴾ حين رخّص لكم بالتوبة

عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل مِن الحبشة إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «سَلْ، واستَفْهِم». فقال: يا رسول الله، فُضِّلتم علينا بالألوان والصُّوَر والنّبوة، أفرأيتَ إن آمنتُ بما آمنتَ به، وعملتُ بما عملتَ به؛ إنِّي كائن معك في الجنة؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده، إنه ليُرى بياض الأَسود في الجنة مِن مسيرة ألف عام». ثم قال: «مَن قال: لا إله إلا الله، كان له عهد عند الله، ومَن قال: سبحان الله وبحمده، كُتبتْ له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة». ونزلت عليه هذه السورة: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ إلى قوله: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾. فقال الحبشي: وإنّ عيني لتَرى ما تَرى عيناك في الجنة؟ قال: «نعم». فاشتكى حتى فاضتْ نفسُه، قال ابن عمر: فلقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُدْليه في حُفرته بيده

في ﴿طه﴾ خمسة أقوال: الأول: أنّ معناه: يا رجل. الثاني: أنّه اسم من أسماء الله، وقَسَمٌ أقسم الله به. الثالث: أنّه حرف من الحروف المُقَطَّعة التي تفتتح بها السور. الرابع: أن معناه: طأِ الأرضَ بقدمك. الخامس: أن معناه: طهارة أهل بيت النبي ﷺ. وقد رجّح ابن جرير (١٦‏/‏٨) مستندًا إلى اللغة وأقوال السلف القولَ الأول، فقال: ""والذي هو أولى بالصواب عندي مِن الأقوال فيه: قولُ مَن قال: معناه: يا رجل. لأنّها كلمة معروفة في عكٍّ فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل، أُنشدت لمتمم بن نويرة: هتفت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلاوقال آخر: إنّ السفاهة طه مِن خلائقكم لا بارك الله في القوم الملاعينفإذا كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكرنا فالواجب أن يُوَجَّه تأويلُه إلى المعروف فيهم مِن معناه، ولا سيما إذا وافق ذلك تأويلَ أهل العلم من الصحابة والتابعين""

بيّن ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٥١) أن تفسير ابن جريج للـ﴿العزيز الرحيم﴾ غير متحقق في هذا الموطن، ومتحققٌ في بقية مواطن السورة، وعلّق على تفسيره بقوله: «ولعلَّ ابن جريج بقوله هذا أراد ما كان مِن ذلك عقيب خبر الله عن إهلاكه مَن أهلك مِن الأمم، وذلك إن شاء الله إذا كان عقيب خبرهم كذلك». ورجّح مستندًا إلى السياق ومنتقدًا قول ابن جريج أنّ معنى الآية: «إنّ ربك -يا محمد- لهو العزيز في نقمته، لا يمتنع عليه أحدٌ أراد الانتقام منه. ﴿الرحيم﴾ يعني: أنه ذو الرحمة بِمَن تاب مِن خلقه مِن كفره ومعصيته، أن يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته. وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك في هذا الموضع لأنّ قوله: ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ عقيب وعيد الله قومًا مِن أهل الشرك والتكذيب بالبعث لم يكونوا أهلكوا، فيوجه إلى أنه خبر مِن الله عن فعله بهم وإهلاكه»

اختُلف في معنى: ﴿فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ على قولين: الأول: فأوحى الله إلى عبده محمدٍ ﷺ وحْيَه. الثاني: فأوحى جبريل عليه السلام إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى إليه ربُّه. ووجَّه ابنُ جرير (٢٢‏/‏٢٠) القول الثاني بقوله: «وقد يتوجَّه على هذا التأويل ﴿ما﴾ لوجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى: الذي، فيكون معنى الكلام: فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ربُّه. والآخر: أن تكون بمعنى المصدر». ثم رجَّحه مستندًا إلى دلالة السياق، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن افتتاح الكلام جرى في أول السورة بالخبر عن محمد ﷺ، وعن جبريل عليه السلام، وقوله: ﴿فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ في سياق ذلك، ولم يأت ما يدل على انصراف الخبر عنهما فيوجَّه ذلك إلى ما صُرِف إليه». وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٥٦) على القول الأول والثاني بقوله: «وكلا المعنيين صحيح». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏١١٠) عن بعض العلماء أن المعنى: «فأوحى الله تعالى إلى عبده جبريل عليه السلام ما أوحى»