اختُلِف في تفسير قوله: ﴿السائحون﴾ على أقوال: الأول: الصيام. والثاني: طلب العلم. والثالث: دوام الطاعة، والرابع: الجهاد. ورجَّح ابنُ القيم (٢/٢٤) مستندًا إلى القرآن، ودلالة العقل، وجمع بين الأقوال بقوله: «والتحقيق فيها أنها: سياحة القلب في ذكر الله ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه. ويترتب عليها كل ما ذكر من الأفعال؛ ولذلك وصف الله سبحانه نساء النبي ﷺ اللاتي لو طلَّق أزواجه بدلّه بهن بأنهنَّ سائحات، وليست سياحتهن جهادًا، ولا سفرًا في طلب علم، ولا إدامة صيام، وإنما هي سياحة قلوبهن في محبة الله تعالى، وخشيته والإنابة إليه وذكره، وتأمَّل كيف جعل الله سبحانه التوبة والعبادة قرينتين: هذه ترك ما يكره، وهذه فعل ما يحب. والحمد والسياحة قرينتين: هذا الثناء عليه بأوصاف كماله، وسياحة اللسان في أفضل ذكره، وهذه سياحة القلب في حبه وذكره وإجلاله، كما جعل سبحانه العبادة والسياحة قرينتين في صفة الأزواج: فهذه عبادة البدن، وهذه عبادة القلب»
عن عبد الله بن عباس: أنّ رسول الله ﷺ قرأ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾، قال: «ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قُم، فابعثْ مِن ذُرِّيتك بعثًا إلى النار. قال: مِن كم، يا ربّ؟ قال: مِن كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وينجو واحد». فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال حين أبصرَ ذلك في وجوههم: «إنّ بني آدم كثير، وإنّ يأجوج ومأجوج مِن ولدِ آدم، وإنه لا يموت رجل منهم حتى يَرثه لصُلبه ألف رجل، ففيهم وفي أشباههم جُنّة لكم»
اختُلِف هل كان كلْب أصحاب الكهف كلب من كلابهم كان معهم، أم كان لغيرهم وتبعهم؟ ورجَّح ابنُ كثير (٩/١١٦) القول الأول، وهو أنّ الكلب كان كلب صيد لأحدهم. فقال: «وهو الأشبه». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٥/٥٨١) أنّ أكثر المفسرين على القول الأول، ثم ذكر قولًا بأنه كان أحدهم، وكان قعد عند باب الغار طليعة لهم. ووجَّهه بقوله: «فسُمِّي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سُمِّي النجم التابع للجوزاء: كلبًا؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان، ويقال له: كلب الجبّار». وانتقده مستندًا لدلالة العقل، فقال: «أما إن هذا القول يضعفه بسط الذراعين؛ فإنهما في العرف في صفة الكلب حقيقة، ومنه قول النبي ﷺ: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه في السجود انبساط الكلب»». ثم قال: «وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قُرئ: (وكالِبُهُم باسِطٌ ذِراعَيْهِ) فيحتمل أن يريد بـ»الكالب«هذا الرجل على ما روي؛ إذْ بسْط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد بالكالب: الكلب»
قال ابنُ القيم (٢/٣٦٧): «مجيئه تصديقٌ لهم من جهتين: مِن جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومِن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به، ومطابقة ما جاء به لما جاءوا به؛ فإن الرسول الأول إذا أتى بأمرٍ لا يعلم إلا بالوحي، ثم جاء نبي آخر لم يقارنه في الزمان ولا في المكان، ولا تلقى عنه ما جاء به، وأخبر بمثل ما أخبر به سواء؛ دلَّ ذلك على صدق الرسولين الأول والآخر، وكان ذلك بمنزلة رجلين أخبر أحدهما بخبر عن عيان، ثم جاء آخر من غير بلده وناحيته -بحيث يعلم أنه لم يجتمع به، ولا تلقى عنه، ولا عمن تلقى عنه-، فأخبر بمثل ما أخبر به الأول سواء؛ فإنه يضطر السامع إلى تصديق الأول والثاني. والمعنى الثانى: أنه لم يأتِ مُكَذِّبًا لِمَن قبله مِن الأنبياء، مُزْرِيًا عليهم، كما يفعل الملوك المتغلبون على الناس بمن تقدمهم من الملوك، بل جاء مصدقًا لهم، شاهدًا بنبوتهم، ولو كان كاذبًا متقولًا منشئًا من عنده سياسة لم يصدِّق من قبله، بل كان يُزْرِي بهم، ويطعن عليهم، كما يفعل أعداء الأنبياء». وبنحو الكلام الأول قال ابنُ كثير (١٢/١٥)
ذكر ابنُ عطية (٨/٥٠-٥١) أن البعض تأول ما جاء في الحديث مِن قوله ﷺ: «فيضع رب العالمين فيها قدمه». أن «القدم» ما قدّم لها من خلْقه، وجعلهم في علمه من ساكنيها، وعلَّق عليه بقوله: «ومنه قول الله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ [يونس:٢]، فالقدم هنا: ما قُدّم مِن شيء»، ونسب هذا التأويل لابن المبارك، والنضر بن شميل، والأصوليين. وبيّن أن ما جاء في كتاب مسلم بن الحجاج: «فيضع الجبار فيها رجله»، معناه: الجمع الذي أُعِدّ لها، يقال للجمع الكثير من الناس: «رِجْل» تشبيهًا برجْل الجراد. ثم قال (٨/٥٢): «وملاك النظر في هذا الحديث: أن الجارحة والتشبيه وما جرى مجراه منتفٍ كل ذلك، فلم يبق إلا إخراج ألفاظ على هذه الوجوه السائغة في كلام العرب». وما قاله ابن عطيه باطل، والحق إثبات صفه القدم لله تعالى على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم. ينظر: الشريعة ٣/١١٤٧-١١٧٧، والإبانة الكبرى ٣/٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٥١-٤٨٠
عن أبي زُمَيْلٍ، قال: كنتُ قاعدًا عند ابن عباس، وحجَّ المختارُ بن أبي عبيد، فجاء رجل، فقال: يا أبا عباس، زعم أبو إسحاق أنّه أُوحِي إليه الليلة. فقال ابن عباس: صدَق. فنَفَرْتُ، وقلتُ: يقول ابن عباس: صدَق! فقال ابن عباس: هما وحيان؛ وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد ﷺ، ووحي الشيطان إلى أوليائه. ثم قرأ: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾
عن ابن مسعود الثقفي، قال: حدثني ابن أخي أو ابن عمِّي، قال: قلتُ لعبد الله بن عمرو: يأجوج ومأجوج الأَذْرُع هم أم الأشبار؟ قال: يا ابن أخي، ما أجِدُ مِن ولد آدم بأعظم منهم ولا أطول، ولا يموت الميِّت منهم حتى يُولَد له ألفٌ فصاعِدًا. قال: فقلت: ما طعامهم؟ قال: هم في ماء ما شربوا، وفي شجر ما هضموا، وفي نساء ما نكحوا
وجَّه ابنُ عطية (٦/٢٨١ بتصرف) قول ابن عباس بقوله: «وهذا على أنّه اسم الجنس، ويَتَرَتَّب عليه أنه سلالة من حيث كان الكل عن آدم أو عن الأبوين المتقدمين بما يكون من الطين، وذلك السبع الذي جعل الله رِزق ابن آدم فيها، وسيجيء قولَ ابن عباس فيها -إن شاء الله-، وعلى هذا يجيء قول ابن عباس: إنّ»السلالة«هي صفوة الماء، يعني: المني»
قال ابن أبي حاتم: ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين؛ منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والسُّدِّيّ، وإسماعيل بن أبي خالد
عن ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال عبد الله بن سلام: ﴿والراسخون في العلم﴾ وعِلْمُهم: قولُهم، قال ابن جُرَيْج: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، وهم الذين يقولون: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾، ويقولون: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ الآية