عَلَّقَ ابنُ كثير (٩‏/‏٤٧) على هذا القول، فقال: «ويحتمل أن المراد بإمامهم: أي: كل قوم بمن يأتمون به؛ فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء عليهم السلام، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم، كما قال: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ [القصص:٤١]، وفي الصحيحين: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع ما كان يعبد الطواغيت الطواغيت» الحديث. وقال تعالى: ﴿وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ [الجاثية:٢٨-٢٩]، وهذا لا يُنافي أن يُجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته؛ فإنه لا بد أن يكون شاهدًا على أمته بأعمالها، كقوله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء﴾ [الزمر:٦٩]، وقوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ [النساء:٤١]»

اختُلِف في تفسير قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾؛ فذهب قومٌ إلى أنّ المراد به الاغتسال، وذهب قوم إلى أنه الوضوء، وقال آخرون بأنّه غسل الفرج. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٧٣٤-٧٣٥) القولَ الأولَ الذي قال به ابن عباس، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وعكرمة، والحسن، وإبراهيم، وسفيان، ومقاتل، والليث، مستندًا إلى الإجماع، واللغة، فقال: «لإجماع الجميع على أنّها لا تصير بالوضوء بالماء طاهرًا الطُّهْرَ الذي يَحِلُّ لها به الصلاة، وأنّ القول لا يخلو في ذلك من أحد أمرين: إما أن يكون معناه: فإذا تَطَهَّرْنَ من النجاسة فأْتُوهُنَّ. وإن كان ذلك معناه فقد ينبغي أن يكون متى انقطع عنها الدم فجائزٌ لزوجها جماعُها إذا لم تكن هنالك نجاسة ظاهرة، هذا إن كان قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جائزًا استعماله في التطهر من النجاسة، ولا أعلمه جائزًا إلا على استكراه الكلام. أو يكون معناه: فإذا تطهرن للصلاة. في إجماع الجميع من الحُجَّة على أنّه غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها، إذا لم يكن هنالك نجاسة دون التطهر بالماء، إذا كانت واجِدَتُه، أدلّ الدليل على أنّ معناه: فإذا تطهرن الطهر الذي يجزيهن به الصلاة. وفي إجماع الجميع من الأمة على أنّ الصلاة لا تَحِلُّ لها إلا بالاغتسال أوضح الدلالة على صحة ما قلنا من أنّ غشيانها حرامٌ إلا بعد الاغتسال، وأنّ معنى قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾: فإذا اغتسلن، فصِرْنَ طواهر الطُّهْرَ الذي يجزيهن به الصلاة». وكذا رَجَّحه ابنُ تيمية (١‏/‏٥١٣) مستندًا إلى القرآن، فقال: «وإنما ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور؛ لأن قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيرها لتحريم يزول بانقطاع الدم، ثم يبقى الوطء بعد ذلك جائزًا بشرط الاغتسال، لا يبقى مُحَرَّمًا على الإطلاق؛ فلهذا قال: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾»

سورة البقرة — الآية ٢١٢

عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- في قوله: ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ في طلبهم الآخرة، قال ابن جُرَيْج -لا أحسبه إلا عن عكرمة- قال: قالوا: لو كان محمدٌ نبيًّا لاتَّبَعه ساداتنا وأشرافنا، والله ما اتَّبَعه إلا أهلُ الحاجة؛ مثل ابن مسعود وأصحابه

سورة البقرة — الآية ١٢٥

عن كثير بن أبي كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن أبيه، عن جده، قال: كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شَيْبَة الكبير، قبل أن يَرْدِمَ عمر الرَّدْمَ الأعلى، فكانت السيول رُبَّما دفَعَتِ المقام عن موضعه، وربما نَحَّتْه إلى وجه الكعبة، حتى جاء سيلُ أم نَهْشَل في خلافة عمر بن الخطاب، فاحتمل المقام من موضعه هذا، فذهب به، حتى وُجِد بأسفل مكة، فأُتِيَ به، فرُبِط إلى أستار الكعبة، وكُتب في ذلك إلى عمر، فأقبل فَزِعًا في شهر رمضان، وقد غَبى موضعه، وعَفاه السيلُ، فدعا عمر بالناس، فقال: أنشُدُ اللهَ عبدًا عنده عِلْمٌ في هذا المقام. فقال المطلب بن أبي وداعَة: أنا -يا أمير المؤمنين- عندي ذلك، قد كنت أخشى عليه هذا، فأخذت قَدْرَه من موضعه إلى الرُّكْن، ومن موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بِمِقاطٍ، وهو عندي في البيت. فقال له عمر: فاجلس عندي. وأرسل إليه، فجلس عنده، وأرسل فأُتِيَ بها، فمَدَّها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناسَ وشاورهم، فقالوا: نعم، هذا موضعه. فلما اسْتَثْبَت ذلك عمرُ وحَقَّ عنده أمَرَ به، فأعلم ببناء رُبْضه تحت المقام، ثم حَوَّله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم

سورة لقمان — الآية ١٢

عن أبي مسلم الخولاني، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لقمان كان عبدًا كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحبَّ الله فأحبه الله، فمَنّ عليه بالحكمة، نودي بالخلافة قبل داود عليه السلام، فقيل له: يا لقمان، هل لك أن يجعلك اللهُ خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق؟ قال لقمان: إن أجبرني ربي قبلتُ؛ فإنِّي أعلم أنّه إن فعل ذلك أعانني وعلّمني وعصمني، وان خيّرني ربي قبلتُ العافية، ولم أسأل البلاء. فقالت الملائكة: يا لقمان، لِمَ؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها؛ يغشاه الظلم من كل مكان، فيُخذل أو يُعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومَن يكون في الدنيا ذليلًا خير من أن يكون شريفًا ضائعًا، ومَن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا، ولا يصير إلى ملك الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة، فغطَّ بالحكمة غطًّا، فانتبه، فتكلم بها، ثم نودي داود بعده بالخلافة فقبلها، ولم يشترط شرط لقمان، فأهوى في الخطيئة، فصفح الله عنه وتجاوز، وكان لقمان يؤازره بعلمه وحكمته، فقال داود عليه السلام: طوبى لك، يا لقمان، أوتيت الحكمة فصُرفت عنك البلية، وأوتي داود الخلافة فابتُلِي بالذنب والفتنة»

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في المعنيين بأئمة الكفر على قولين: الأول: هم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم. والثاني: أنه لم يأتِ أهلها بعدُ. ورجَّح ابنُ عطية (٤‏/‏٢٧٠) مستندًا إلى دلالة العموم شمول الآية لهذه الأقوال، فقال: «وأَصْوَبُ ما في هذا أن يُقال: إنّه لا يُعنى بها مُعيَّن، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين بالعهود من الكَفَرة إلى يوم القيامة دون تعيين، واقتضت حال كفار العرب ومحاربي رسول الله ﷺ أن تكون الإشارة إليهم أولًا بقوله: ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾، وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة؛ إذ الذي يتولى قتال النبي ﷺ والدفع في صدر شريعته هو إمام مَن يَكْفُر بذلك الشرع إلى يوم القيامة، ثم تأتي في كل جيل من الكفار أئمة خاصة بجيلٍ جيل». ووافقه ابنُ كثير (٧‏/‏١٥٥) فقال: «الآية عامَّةٌ، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش، فهي عامَّة لهم ولغيرهم». وانتقد ابنُ عطية مستندًا إلى التاريخ قول قتادة بأنّه أبو جهل وأضرابه قائلًا: «وهذا -إن لم يُتَأَوَّل أنّه ذكرهم على جهة المثال- ضعيف؛ لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير». ووجَّه قول حذيفة رضي الله عنه بقوله: «يريد: لم ينقرضوا، فهم يحيون أبدًا ويُقاتلون»

اختُلِف في معنى الاختلاف الذي وصف الله الناسَ أنّهم لا يزالون به على أقوال: الأول: هو الاختلاف في الأديان، والمعنى: ولا يزال الناس مختلفين على أديانٍ شتى، مِن بين يهوديٍّ، ونصرانيٍّ، ومجوسيٍّ، وغير ذلك، وقالوا: استثنى الله من ذلك مَن رحمهم، وهم أهل الإيمان. الثاني: هو الاختلاف في الرزق، فهذا فقير وهذا غنيّ. الثالث: هو الاختلاف في المغفرة والرحمة. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٦٣٦-٦٣٧) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- أتْبَع ذلك قوله: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجَنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، ففي ذلك دليلٌ واضِحٌ أنّ الذي قَبْلَه مِن ذِكْرِ خَبَرِهِ عن اختلاف الناس، إنّما هو خبرٌ عن اختلافٍ مذمومٍ يُوجِب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرِّزق لم يُعَقِّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعذابهم». ونقل ابنُ عطية (٥‏/‏٣٣) عن فرقة أنّ المعنى: «لا يزالون مختلفين في السعادة والشقاوة». ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا قريب المعنى مِن الأول، إذ هي ثمرة الأديان والاختلاف فيها، ويكون الاختلاف -على هذا التأويل- يدخل فيه المؤمنون إذ هم مخالفون للكفرة». وانتقد القول الثاني قائلًا: «وهذا قول بعيدٌ معناه مِن معنى الآية». ورجَّح ابنُ كثير (٧‏/‏٤٨٩) القول الأول، فقال: «والمشهور الصحيح الأول». ولم يذكر مستندًا

ذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٢١) نحو ما جاء في قول مقاتل عن ابن جرير، ثم قال معلّقًا: «والظاهر أن هذه كقوله: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون﴾ [فصلت:١٧]. وهكذا قال هاهنا: ﴿وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون﴾، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام، وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٧٨) في قوله: ﴿تمتعوا حتى حين﴾ احتمالين، ورتّب عليهما المعنى في قوله: ﴿فعتوا عن أمر ربهم﴾، فقال: «وقوله تعالى: ﴿وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين﴾ يحتمل أن يريد: إذ قيل لهم في أول بعْث صالح: آمِنوا وأطيعوا فتمتعوا متاعًا حسنًا إلى آجالكم. وهو الحين على هذا التأويل، وهو قول الحسن حكاه عنه الرماني، ويجيء قوله تعالى: ﴿فعتوا﴾ مُرتّبًا لفظًا في الآية ومعنًى في الوجود متأخرًا عن القول لهم تمتعوا، ويحتمل أن يريد: إذ قيل لهم بعد عقر الناقة: تمتّعوا في داركم ثلاثة. وهي الحين على هذا التأويل، وهو قول الفراء، ويجيء قوله: ﴿فعتوا﴾ غير مُرتّب المعنى في وجوده؛ لأن عُتوّهم كان قبل أن يقال لهم: تمتعوا، وكأن المعنى فكان من أمرهم قبل هذه المقالة أنْ عتَوا، وهو السبب في أن قيل لهم ذلك وعُذّبوا»

وجّه ابنُ كثير (٨‏/‏٤٦٧) المعنى على قول مَن قال بعود الضمير على الإنسان، فقال: «ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان. قاله محمد بن كعب القُرَظيّ، فيكون تقديره: وإنّ الإنسان على كونه كَنُودًا لشهيد، أي: بلسان حاله، أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ [التوبة:١٧]». وبنحوه قال ابنُ عطية (٥‏/‏٥١٤). وعلّق ابنُ القيم (٣‏/‏٣٥١ بتصرف) على قول مَن جعل الضمير عائدًا على الإنسان بقوله: «ويؤيد هذا القول سياق الضمائر؛ فإنّ قوله: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ للإنسان، فافتتح الخبر عن الإنسان بكونه كَنُودًا، ثم ثنّاه بكونه شهيدًا على ذلك، ثم ختمه بكونه بخيلًا بماله لحُبّه إياه». وعلّق على قول مَن جعله عائدًا على الله بقوله: «ويؤيد هذا أنه أتى بعلى، فقال: ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي: مُطَّلِع عالم به، كقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:٤٦]، ولو أريد شهادة الإنسان لأتى بالباء، فقيل: وإنه بذلك لشهيد كما قال تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة:١٧]، فلو أراد شهادة الإنسان لقال: وإنه على نفسه لشهيد؛ فإنّ كنوده المشهود به ونفسه هي المشهود عليها»

اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله﴾؛ فقال بعضهم: التوراة. وقال آخرون: بل سمعوا كلام الله مباشرة كما سمعه موسى عليه السلام. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢‏/‏١٤٢) القول الثاني، وهو قول ابن عباس، والربيع بن أنس، وابن إسحاق، مستندًا إلى ظاهر التلاوة، والأخبار الإسرائيليّة، والدلالة العقلية، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنّ الله إنما أخبر أنّ التحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله، استعظامًا من الله لِما كانوا يأتون من البهتان، بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان، وإيذانًا منه -تعالى ذِكْرُه- عبادَه المؤمنين قطْعَ أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد من الحق والنور والهدى، فقال لهم: كيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إياكم، وإنما تخبرونهم عن غَيْبٍ لم يشاهدوه ولم يعاينوه، وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه وأمره ونهيه ثم يبدله ويحرفه ويجحده؟! فهؤلاء الذين بين أظهركم من بقايا نسلهم أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق -وهم لا يسمعونه من الله، وإنما يسمعونه منكم- من أوائلهم الذين باشروا كلام الله من الله -جل ثناؤه-، ثم حرَّفوه من بعد ما عقلوه وعلموه متعمدين التحريف». وانتقد ابنُ عطية (١‏/‏٢٥٩-٢٦٠) هذا القول مستندًا إلى دلالة عقلية، فقال: «وفي هذا القول ضعف، ومَن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ، وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم». وانتقد ابنُ جرير (٢‏/‏١٤٣) مستندًا إلى دلالة عقلية القول الأول، وهو قول أبي العالية، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، وعلَّل ذلك أنه لو كان تأويل الآية: يسمعون التوراة. لم يكن لقوله: ﴿يسمعون كلام الله﴾ معنى مفهوم؛ لأن ذلك قد سمعه المحرف منهم وغير المحرف، فخصوص المحرف منهم بأنّه كان يسمع كلام الله لا معنى له، وإنما المراد الإخبار عن خاصٍّ من اليهود كانوا أعطوا من مباشرتهم سماع كلام الله ما لم يُعْطَه أحدٌ غير الأنبياء والرسل، ثم بَدَّلوا وحَرَّفوا ما سمعوا من ذلك. وما انتقده ابنُ جرير قبِلَه ابنُ كثير (١‏/‏٤٦١)؛ لكون الحجة التي استند إليها ابن جرير غير لازمة، فقال: «وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران، وقد قال الله: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] أي: مُبَلَّغًا إليه». ثم ذكر الآثار عن قتادة، ومجاهد، وأبي العالية