اختُلِف في مقدار المُتْعَة؛ فقال قومٌ: هو على قدر عُسْرِ الزوج ويُسْرِه. وقال آخرون: هو قدر نِصْفِ صَداق مِثْلِ المرأةِ المنكوحة بغير صَداقٍ مُسَمًّى في عَقْدِه. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٢٩٣-٢٩٤) القولَ الأولَ الذي قال به ابنُ عباس، وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي، وشريح، والربيع، وقتادة، وابن سيرين، وابن شهاب، مستندًا لظاهر القرآن، والدلالات العقلية، فقال: «والصواب من القول في ذلك ما قاله ابنُ عباس مِن أنّ الواجب مِن ذلك للمرأة المطلقة على الرجل على قدر عُسْرِه ويُسْرِه، كما قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾، لا على قَدْرِ المرأة. ولو كان ذلك واجِبًا للمرأة على قدر صَداقِ مِثْلِها إلى قدر نصفه لم يكن لقيله -تعالى ذكره-: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ معنًى مفهومٌ، ولَكان الكلامُ: ومتعوهن على قدرهن وقدر نصف صداق أمثالهن. وفي إعلام الله -تعالى ذكره- عبادَه أنّ ذلك على قدر الرجل في عسره ويسره، لا على قدرها وقدر نصف صداق مثلها؛ ما يُبِينُ عن صِحَّةِ ما قلنا وفسادِ ما خالفه. وذلك أنّ المرأة قد يكون صداق مثلها المالَ العظيم، والرجل في حال طلاقه إيّاها مُقْتِرٌ لا يملك شيئًا، فإن قُضِي عليه بقدر نصف صداق مثلها أُلْزِم ما يعجز عنه بعضُ مَن قد وُسِّع عليه، فكيف المقدور عليه؟ وإذا فُعِل ذلك به كان الحاكمُ بذلك عليه قد تَعَدّى حُكْمَ قولِ الله -تعالى ذكره-: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾. ولكن ذلك على قَدرِ عُسْر الرجل ويُسْرِه، لا يجاوز بذلك خادم أو قيمتها إن كان الزوج موسِعًا، وإن كان مُقْتِرًا فأطاق أدنى ما يكون كسوة لها -وذلك ثلاثة أثواب ونحو ذلك- قُضِي عليه بذلك، وإن كان عاجزًا عن ذلك فعلى قدر طاقته، وذلك على قدر اجتهاد الإمام العادل عند الخصومة إليه فيه». وذَهَبَ ابنُ عطيَّة (١/٥٩٢) إلى أنّ قوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ دليلٌ على رفض التحديد
اختُلف في معنى: «النجوم» التي أقسم بمواقعها في هذه الآية على قولين: الأول: أنها نجوم السماء. وفي مواقعها ثلاثة أقوال: أحدها: منازلها. ثانيها: مساقطها. ثالثها: انتثارها عند قيام الساعة. الثاني: أنها آيات القرآن، ومواقعها: نزولها شيئًا بعد شيء. ووجَّه ابنُ القيم (٣/١١٥) قول مَن قال: إنها نجوم السماء، ومواقعها: مساقطها. بقوله: «وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذِكر النجوم في القسم وبين المُقسم عليه وهو القرآن من وجوه: أحدها: أنّ النجوم جعلها الله يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يُهتدى بها في ظلمات الجهل والغي، فتلك هداية في الظلمات الحسية، وآيات القرآن في الظلمات المعنوية؛ فجمع بين الهدايتين، مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن، والنجوم آياته المشهودة المعاينة، والقرآن آياته المتلوة السمعية، مع ما في مواقعها عند الغروب من العِبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول». وعلَّق ابنُ عطية (٨/٢٠٩) على القول الثاني بقوله: «ويؤيد هذا القول عوْد الضمير على القرآن في قوله سبحانه: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك أنّ ذِكْرَه لم يتقدم إلا على هذا التأويل، ومَن لا يتأول هذا التأويل يقول: إنّ الضمير يعود على القرآن وإن لم يتقدم له ذِكر لشهرة الأمر ووضوح المعنى، كقوله تعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وغير ذلك». ورجَّح ابن جرير (٢٢/٣٦١) -مستندًا إلى الأغلب في اللغة- أنه قسمٌ بمساقط النجوم ومغايبها في السماء، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقول الحسن، وقتادة من طريق سعيد، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أن المواقع جمع موقع، والموقع المَفْعِل، من وقَع يَقَعُ مَوقِعًا، فالأغلب من معانيه والأظهر من تأويله ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا: هو أوْلى معانيه به». وزاد ابن عطية (ينظر: ٨/٢١٠) قولًا أنّ مواقع النجوم: عند الانقضاض إثر العفاريت
اختُلف فيما عنى الله بالروح في هذه الآية على أقوال: الأول: مَلَكٌ مِن أعظم الملائكة. الثاني: جبريل. الثالث: خَلْقٌ يُشبه بني آدم. الرابع: بنو آدم. الخامس: أرواح بني آدم. السادس: القرآن. السابع: أنهم حفظة على الملائكة. وعلّق ابنُ كثير (١٤/٢٣٦) على القول الثاني بقوله: «ويُستشهد لهذا القول بقوله: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤]». وعلّق ابنُ عطية (٨/٥٢٣-٥٢٤) على القول الخامس، فقال: «وقال ابن عباس، والحسن، وقتادة: الرُّوحُ هنا اسم جنس، يراد به: أرواح بني آدم، والمعنى: يوم تقوم الأرواح في أجسادها إثر البعث والنشأة الآخرة، ويكون الجمع من الإنس والملائكة صَفًّا، ولا يَتكلّم أحد هيبة وفزعًا، ﴿إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ مِن مَلَك أو نبيٍّ، وكان أهلًا أن يقول صَوابًا في ذلك الموطن». وعلّق على القول السادس، فقال: «وقال ابن زيد: كان أبي يقول: هو القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى:٥٢] أي: من أمرنا. فالقيام فيه مُستعار يُراد به بيانه وظهوره وشدة آثاره، والأشياء الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه». ثم انتقده بقوله: «ومع هذا ففي القول قلق». وجوّز ابنُ جرير (٢٤/٥٠) هذه الأقوال، ولم يقطع بقولٍ منها؛ لصحتها، وعدم الدليل على التعيين، فقال: «والصواب من القول أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر أنّ خَلْقه لا يملكون منه خطابًا يوم يقوم الروح، والروح: خَلْقٌ من خَلْقه. وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيَّ ذلك هو؟ ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعني به دون غيره يجب التسليم له، ولا حُجّة تدل عليه، وغير ضائر الجهل به». ورجّح ابنُ كثير (٨/٣١٠) القول الرابع، فقال: «والأشبه -والله أعلم- أنهم بنو آدم». ولم يذكر مستندًا
ذكر ابنُ جرير (١٠/٢٢١) اختلاف أهل التفسير في بيان من هم أصحاب الأعراف، فأورد أقوالهم كالآتي: أوّلًا: هم رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم. وثانيًا: هم قوم قتلوا في سبيل الله، وكانوا عصاة لآبائهم في الدنيا. وثالثًا: هم قوم فقهاء صالحون. ورابعًا: هم رجال من الملائكة، وليسوا من بني آدم. واختار صوابَ الأقوال الثلاثة الأولى دون ما قاله أبو مجلز في القول الرابع؛ مستندًا إلى دلالة السنّة، وأقوال السلف، واللغة، فقال: «والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يُقال كما قال الله -جل ثناؤه- فيهم: هم رجال يعرفون كُلًّا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يصح سنده ولا آية متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يُدرَك قياسًا، وكان المُتعارَف بين أهل لسان العرب أنّ الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم؛ كان بيِّنًا أنّ ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول الله ﷺ، ومع ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها». ثم ذكر حديث أبي زُرعة بن عمرو بن جرير المرفوع المتقدم. وعند ابن عطية (٣/٥٧١) نحوه، فقد ذكر اختلاف المفسرين، ثم قال: «واللازم من الآية أنّ على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالًا من أهل الجنة، يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين». ورجّح ابنُ كثير (٣/٤١٨) مستندًا إلى أقوال السلف قولَ مَن قال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. وقال: «واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف مَن هم، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة، وابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من السلف والخلف». وبنحو ما قال ابنُ كثير قال ابنُ القيم (١/٣٩٣)، حيث ذكر اختلاف السلف في أصحاب الأعراف، ثم قال مُعَلِّقًا: «والثابت عن الصحابة هو القول الأول [يعني: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم]، وقد رُوِيَت فيه آثارٌ كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها». وزاد ابن عطية (٣/٥٧١) إضافةً إلى ما ورد في أقوال السلف قولَيْن آخَرَين، أحدهما: أنهم الشهداء. الثاني: أنهم عدول يوم القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة
اختُلف في المراد بالشاهد، وبحسب هذا اختُلف في مكية السورة ومدنيتها على أقوال: الأول: أنّ الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله: ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ الضمير فيه عائد على قول محمد ﷺ في القرآن: إنه من عند الله. الثاني: أنه رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية. الثالث: الآية مكية، والشاهد عبد الله بن سلام. الرابع: أن الشاهد موسى بن عمران، والآية مكية. وعلَّق ابنُ عطية (٧/٧١٥) على القول الأخير الذي قاله مسروق، والشعبي، بقوله: «قوله تعالى: ﴿على مثله﴾ يريد بالمثل: التوراة، والضمير عائد -على هذا التأويل- على القرآن، أي: جاء شاهدٌ مِن بني إسرائيل بمثله، وشهد أنّه مِن عند الله تعالى». ورجَّح ابنُ جرير (٢١/١٣١) أنّ الشاهدَ عبد الله بن سلام مستندًا إلى أقوال السلف، وأحوال النُّزول، كما قوّى القول الأخير من جهة السياق، فقال: «لأن قوله: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ في سياق توبيخ الله -تعالى ذكره- مشركي قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيّه ﷺ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجرِ لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذِكر فتُوجّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى». ثم قال: «غير أنّ الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأنّ ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أُريدَ به». ورجَّح ابنُ كثير (١٣/١١) -مستندًا إلى أحوال النزول والنظائر- أنّ الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام وغيره، ثم قال: «فإنّ هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ [القصص:٥٣]، وقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء:١٠٧- ١٠٨]». وساق ابنُ عطية (٥/٩٥ ط: دار الكتب العلمية) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «قوله: ﴿فآمن﴾ -على هذا التأويل [يعني: قول مسروق]- يعني به: تصديق موسى بأمر محمد، وتبشيره به. فذلك إيمان به، وأما مَن قال: الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمان بيّن، وكذلك إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله». ثم ذكر (٧/٦١٥) قولًا بأن الفاعل بـ«آمن» هو محمد ﷺ، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام»
اختُلف في معنى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: يريدون أن يُغيِّروا وعْد الله لأهل الحُدَيبية بِجَعْل غنائم خَيْبَر لهم. الثاني: أنّ الله تعالى وعَد نبيَّه ﷺ بالحُدَيبية أن يفتح عليه خَيْبَر، ونهاه عن أن يسير معه أحد من المتخلِّفين، فأراد المخَلَّفون أنْ يغيِّروا كلام الله الذي أمر به نبيَّه ﷺ. الثالث: يريدون أن يبدِّلوا كلام الله، أي: كتاب الله، كانوا يُبطِّئون المسلمين عن الجهاد ويأمرونهم أن يفرُّوا. الرابع: عُنِيَ بالآية: إرادتهم الخروج مع نبيِّ الله ﷺ في غَزْوِه، وقد قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ [التوبة:٨٣]. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٦٤) القول الأول، وهو قول مجاهد، ومقسم، وقتادة، وجويبر. وانتقد (٢١/٢٦٣) القول الرابع، وهو قول ابن زيد، مستندًا إلى أحوال النزول، والدلالة العقلية، فقال: «وهذا الذي قاله ابن زيد قولٌ لا وجْه له؛ لأن قول الله عز وجل: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ إنما نزل على رسول الله ﷺ مُنصَرَفَه مِن تبوك، وعُنِيَ به الذين تخلَّفوا عنه حين توجَّه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله ﷺ أنّ تبوك كانت بعد فتح خَيْبَر، وبعد فتح مكة أيضًا، فكيف يجوز أن يكون الأمرُ على ما وصفنا معنِيًّا بقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، وهو خبرٌ عن المتخلِّفين عن المسير مع رسول الله ﷺ -إذ شخَص معتمرًا يريد البيت، فصدَّه المشركون عن البيت- الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أُوحِي إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾». وانتقده ابنُ عطية (٧/٦٧٥) -مستندًا إلى أحوال النزول- قائلًا: «وهذا قول ضعيف؛ لأنّ هذه الآية نزلتْ في رجوع رسول الله ﷺ من تبوك، وهذا في آخر عمره ﷺ، وآية هذه السورة نزلت سنة الحُدَيبية، وأيضًا فقد غزت جُهَينة ومُزَيْنَة بعد هذه المدة مع رسول الله ﷺ، وقد فضَّلهم رسول الله ﷺ -بعد ذلك- على تميم وغطفان وغيرهم مِن العرب، الحديث المشهور، فأخبره الله تعالى أن يقول لهم في هذه الغزوة إلى خَيْبَر: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾، وخصَّ الله تعالى بها أهل الحُدَيبية». ونحوه قال ابنُ كثير (١٣/١٠٢)
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسْباط- قال: لَمّا أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل -يعني: من أرض مصر- أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحُلِيَّ من القِبْطِ، فلما نَجّى الله موسى ومَن معه من بني إسرائيل من البحر، وغرق آل فرعون؛ أتى جبريلُ إلى موسى يذهب به إلى الله، فأقبل على فرس، فرآه السّامِرِيُّ، فأنكره، وقال: إنه فرس الحياة. فقال حين رآه: إنّ لِهذا لَشَأنًا. فأخذ مِن تربة الحافر حافر الفرس، فانطلق موسى، واستخلف هارونَ على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إنّ الغنيمة لا تَحِلُّ لكم، وإنّ حُلِيَّ القِبْط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعًا، واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأَحَلَّها أخذتموها، وإلا كان شيئًا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحُلِيَّ في تلك الحفرة، وجاء السامريُّ بتلك القبضة، فقذفها، فأخرج الله مِن الحُلِيِّ عِجْلًا جَسَدًا له خُوار، وعَدَّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعَدُّوا الليلة يومًا واليوم يومًا، فلما كان تمام العشرين خرج لهم العجل، فلما رأوه قال لهم السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ [طه:٨٨]. يقول: ترك موسى إلهه ههنا، وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي، فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، ﴿إنما فتنتم به﴾ [طه:٩٠]، يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل، ﴿وإن ربكم الرحمن﴾. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلمه قال له: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾ [طه:٨٣-٨٥]. فأخبره خبرهم، قال موسى: يا رب، هذا السامريُّ أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت الروح مَن نفخها فيه؟ قال الرب: أنا. قال: ربِّ، أنت إذًا أضللتَهم
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: جلس رسول الله ﷺ -فيما بلغني- يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلَّم رسولُ الله ﷺ، فعرض له النضر بن الحارث، وكلَّمه رسول الله ﷺ حتى أفْحَمَه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون﴾ إلى قوله: ﴿وهم فيها لا يسمعون﴾. ثم قام رسول الله ﷺ، وأقبل عبد الله بن الزِّبَعْرى بن قيس بن عدي السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري: واللهِ، ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنِفًا وما قعد، وقد زعم أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزِّبَعْرى: أما -واللهِ- لو وجدته لَخَصَمْتُه، فسلوا محمدًا: أكُلُّ مَن عُبِد من دون الله في جهنم مع مَن عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عُزَيرًا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم! فعجب الوليد بن المغيرة ومَن كان في المجلس مِن قول عبد الله بن الزِّبَعْرى، ورأوا أنه قد خاصم واحْتَجَّ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ من قول ابن الزِّبَعْرى، فقال رسول الله ﷺ: «نعم، كل مَن أحب أن يُعْبَد من دون الله فهو مع مَن عبده، إنما يعبدون الشياطين ومَن أمَرَتْهُم بعبادته». فأنزل الله عليه: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ إلى ﴿خالدون﴾، أي: عيسى ابن مريم، وعزيرًا، ومَن عبدوا مِن الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتخذهم مَن بعدهم مِن أهل الضلالة أربابًا من دون الله. فأنزل الله فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ إلى قوله: ﴿نجزي الظالمين﴾ [الأنبياء:٢٦-٢٩]
أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بقوله تعالى: ﴿ألا تعولوا﴾، على قولين: أحدهما: أنّ المراد: ألّا تميلوا ولا تجوروا. وهذا قول الجمهور. والآخر: أنّ المراد: ألا تكثر عيالُكم فتفتَقِرُوا، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾، أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة:٢٨]. وهذا قول زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسفيان بن عيينة. ورَجَّحَ ابنُ كثير (٣/٣٤٧) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ عقلًا، فقال: «في هذا التفسير ههنا نظر، فإنّه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى مِن تعداد السراري أيضًا. والصحيح قول الجمهور». وكذلك رجَّحَ ابنُ القيم (١/٢٦٥-٢٦٦) القولَ الأولَ، وأيَّدَه بأوجهٍ، منها: أنّه المعروف لغة، وقد روي عن النبي ﷺ، وروي عن عائشة، وابن عباس، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين، إلى غير ذلك من الأوجه التي تعود إلى اللغة، والسنّة، وأقوال السلف، والسياق، ودلالة العقل. ويُفهَم الترجيح أيضًا من كلام ابن جرير (٦/٣٧٦)، وكلام ابن تيمية (٢/١٩٧) حيث لم يذكر ابنُ جرير في المسألة إلا القولَ الأولَ، وعرَّض من خلاله بالقول الثاني. وبيَّنَ ابنُ تيمِيَّة قَدْحَ أكثرِ العلماء وتغليطَهم القولَ الثاني، فقال: «ظنَّ طائفةٌ مِن العلماء أنّ المراد: أن لا تكثر عيالُكم. وقالوا: هذا يدلُّ على وجوب نفقة الزوجة. وغلَّط أكثرُ العلماء مَن قال ذلك لفظًا ومعنى. أمّا اللفظ فلأنّه يُقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله. وهو سبحانه قال: ﴿تعولوا﴾، لم يقل: تعيلوا. وأما المعنى فإنّ كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسرِّي كما يحصل بالزوجات». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢/٤٦٨) هذا القدحَ مِن جهة الواقع، فقال: «هذا القدحُ غيرُ صحيحٍ؛ لأنّ السراري إنما هُنَّ مالٌ يتصرف فيه بالبيع، وإنّما العيال الفادح الحرائرُ ذوات الحقوق الواجبة»
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: كانت اليهود يجتمعون إلى عيسى، ويستهزِءون به، ويقولون له: يا عيسى، ما أكل فلانٌ البارحةَ، وما ادَّخَر في بيته لِغَدٍ؟ فيُخبِرُهم، فيسخرون منه، حتى طال ذلك به وبهم، وكان عيسى ليس له قرارٌ ولا موضعٌ يُعْرَفُ، إنّما هو سائح في الأرض، فمَرَّ ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي، فسألها، فقالت: ماتت ابنةٌ لي، لم يكن لي ولد غيرها. فصلّى عيسى ركعتين، ثُمَّ نادى: يا فلانةُ، قُومي بإذن الرَّحْمن، فاخرُجي. فتحرَّك القبْرُ، ثم نادى الثّانية، فانصدع القبر، ثم نادى الثالثة، فخرجت وهي تنفُضُ رأسَها مِن التُّراب، فقالت: يا أُمّاه، ما حملك على أن أذوق كَرْب الموت مَرَّتين، يا أُمّاه، اصبري واحتسبي، فلا حاجة لي في الدُّنيا، يا رُوح الله، سل ربي أن يَرُدَّني إلى الآخرة، وأن يُهَوِّن عَلَيَّ كَرْب الموت. فدعا ربَّه، فقبضها إليه، فاستوت عليها الأرض، فبلغ ذلك اليهود، فازدادوا عليه غضبًا، وكان مَلِكٌ منهم في ناحية في مدينة يُقال لها: نَصِيبِين، جبّارًا عاتيًا، وأمر عيسى بالمسير إليه ليدعوه وأهلَ تلك المدينة إلى المراجعة، فمضى حتى شارف المدينة ومعه الحَوارِيُّون، فقال لأصحابه: ألا رجلٌ منكم ينطلق إلى المدينة، فينادي فيها، فيقول: إنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه. فقام رجلٌ مِن الحوارِيِّين يُقال له: يعقوب. فقال: أنا، يا رُوح الله. قال: فاذهبْ، فأنت أوَّلُ مَن يتبرَّأُ مِنِّي. فقام آخر يُقال له: توصار. قال له: أنا معه. قال: وأنت معه. ومشيا، فقام شمعون، فقال: يا رُوح الله، أكون ثالثهم، فأْذَنْ لي أن أنال منك إن اضطررت إلى ذلك. قال: نعم. فانطلقوا، حتى إذا كانوا قريبًا من المدينة قال لهما شمعون: ادخلا المدينة، فبلِّغا ما أُمِرتما، وأنا مقيم مكاني، فإن ابْتُلِيتُما احْتَلْتُ لكما. فانطلقا حتى دخلا المدينة، وقد تحدَّث الناسُ بأمر عيسى، وهم يقولون فيه أقبحَ القول وفي أُمِّه، فنادى أحدُهما -وهو الأوَّلُ-: ألا إنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه. فوَثَبوا إليهما: مَن القائلُ: إنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله؟ فتبرَّأ الذي نادى، فقال: ما قلتُ شيئًا. فقال الآخرُ: قد قلتَ، وأنا أقول: إنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، فآمِنوا به -يا معشر بني إسرائيل- خيرًا لكم. فانطلقوا إلى ملكهم، وكان جبّارًا طاغيًا، فقال له: ويلك، ما تقول؟! قال: أقول: إنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه. قال: كذبتَ. فقذفوا عيسى وأُمَّه بالبُهْتان، ثُمَّ قال له: تَبَرَّأْ –ويلَك- مِن عيسى، وقُلْ فيه مقالَتنا. قال: لا أفعلُ. قال: إن لم تفعل قطعتُ يديك، ورجليك، وسَمَرْتُ عينيك. فقال: افعلْ ما أنت فاعل. ففعل به ذلك، فألقاه على مَزْبلة في وسط مدينتهم. ثم إنّ الملك هَمَّ أن يقطع لسانه إذ دخل شمعون وقد اجتمع النّاس، فقال لهم: ما قال هذا المسكين؟ قالوا: يزعم أنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه. فقال شمعون: أيُّها الملكُ، أتأذن لي فأدنو منه فأسأله، قال: نعم. قال له شمعون: أيّها المُبْتَلى، ما تقول؟ قال: أقول: إنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه. قال: فما آيتُه؟ تعرفُه؟ قال: يبرئُ الأكمهَ والأبرصَ والسقيمَ. قال: هذا يفعله الأطِبّاءُ، فهل غيرُه؟ قال: نعم، يخبركم بما تأكلون وما تَدَّخِرون. قال: هذا تعرفه الكهنةُ، فهل غيرُ هذا؟ قال: نعم، يخلق من الطين كهيئة الطير. قال: هذا قد تفعله السحرة، يكون أخذَه منهم. فجعل الملك يتعجَّبُ منه وسؤاله. فقال: هل غيرُ هذا؟ قال: نعم، يُحْيِي الموتى. قال: أيُّها الملِكُ، إنّه ذَكَر أمرًا عظيمًا، وما أظُنُّ خلقًا يقدر على ذلك إلا بإذن الله، ولا يقضي اللهُ ذلك على يد ساحر كذّاب، فإن لم يكن عيسى رسولًا فلا يقدر على ذلك، وما فعل الله ذلك لأحد إلا بإبراهيم حين سأله: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ [البقرة:٢٦٠]، ومَن مِثلُ إبراهيم خليل الرحمن؟!