لم يذكر ابنُ جرير (١٣‏/‏٣٠٦) غير قول ابن إسحاق، والحسن، وابن عباس

انتقد ابن جرير (١١‏/‏٢٥٣-٢٥٤ بتصرف) القولَ بالنسخ مستندًا إلى عدم التعارض مبينًا أنه: «قول لا دلالة عليه من كتاب، ولا سنة، ولا فطرة عقل. وقد دَلَلْنا على أنّ الناسخ لا يكون إلا ما نفى حُكْمَ المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخًا. وقول الله في براءة: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥] غير نافٍ حكمُه حكمَ قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾؛ لأن قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودًا أهل كتاب، وقد أذن الله -جل ثناؤه- للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فإنما عُني به مشركو العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قَبُول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه». وانتقده ابن كثير (٧‏/‏١١٤) أيضًا مستندًا إلى عدم التعارض، فقال: «لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفًا فإنه تجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص». وذكر ابن عطية (٤‏/‏٢٣١-٢٣٢) أنّ عدم النسخ محتمل، ثم علَّق بقوله: «وقول الجماعة [يعني: من قالوا بالنسخ] صحيح أيضًا؛ إذْ كان الجنوح إلى سلْم العرب مستقرًا في صدر الإسلام، فنسخت ذلك آية براءة، ونبذت إليهم عهودهم». وحكى أيضًا (٤‏/‏٢٣٢) قولًا لابن عباس بنسخ هذه الآية بقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، وانتقده مستندًا لأحوال النزول، فقال: «وهذا قول بعيد من أن يقوله ابن عباس رضي الله عنه؛ لأن الآيتين مدنيتان»

سورة البقرة — الآية ٣٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وذلك أنّ الله عز وجل خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس -وهُوَ آدم عليه السلام، فجعلهم سُكّانَ الأرض، وجعل الملائكة سكان السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا مِن أهل سماء الدنيا -يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزّان الجنة، رأسهم إبليس-، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفُوا من العبادة فِي الأرض ما كُلِّفُوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله عز وجل إليهم: ﴿إني جاعل فِي الأرض خليفة﴾ سواكم، ورافعكم إليَّ. فكرهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهونَ الملائكةِ أعمالًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٩٦-٩٧.]]

سورة المائدة — الآية ٩٥

عن أبي مِجْلَزٍ: أنّ رجلًا سأل ابنَ عمرَ عن رجلٍ أصاب صيدًا وهو مُحْرِمٌ، وعندَه عبد الله بن صفوان، فقال ابن عمر له: إمّا أن تقولَ فأصدِّقَك، أو أقولَ فتُصدِّقَني. فقال ابن صفوان: بل أنت فقلْ. فقال ابن عمر، ووافَقَه على ذلك عبد الله بن صفوان

سورة العاديات — الآية ١

عن عبد الله بن مسعود -من طريق إبراهيم- ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾، قال: الإبل، قال إبراهيم: وقال علي بن أبي طالب: هي الإبل، وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عليًّا قولُ ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سَريّة بُعثتْ

قال ابنُ جرير (٨‏/‏٥٩١) موجِّهًا معنى الآية على قول ابن زيد: «فتأويل الكلام إذن: لعن الذين كفروا من اليهود بالله على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ولعن والله آباؤهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم؛ بما عصوا الله فخالفوا أمره، ﴿وكانوا يعتدون﴾: وكانوا يتجاوزون حدوده»

علَّق ابن عطية (٤‏/‏١٩١) على قول ابن عمر، فقال: «فمذهب ابن عمر أن الفتنة: الشرك في هذه الآية»، ثم رجَّحه قائلًا: «وهو الظاهر»، ثم وجَّه هذا المعنى قائلًا: «ومن قال: المعنى: حتى لا يكون شرك. فالآية عنده يراد بها الخصوص فيمن لا تُقبَل منه جِزْيَة»

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ على أقوال: الأول: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ذرية آدم في أرحام النساء. وهو قول ابن عباس، والربيع، والسدي، وقتادة، والضحاك. الثاني: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ في أصلاب آبائكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم. وهو قول عكرمة، والأعمش. الثالث: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ في ظهره. وهو قول مجاهد. الرابع: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ فيها. وهو قول الكلبي. ورجَّح ابن جرير (١٠‏/‏٨٠) مستندًا إلى السياق، ولغة العرب القولَ بأنّ المراد: خلقنا آدم، ثم صورنا آدم. وذلك قريب المعنى من القول الثالث، وبيَّن علَّة ذلك، فقال: «لأنّ الذي يتلو ذلك قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، ومعلوم أنّ الله -تبارك وتعالى- قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يُصَوِّر ذُرِّيَّته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم. و»ثم«في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمتُ ثم قعدتُ. لا يكون القعود إذا عُطِف به بـ»ثم«على قوله: قمت، إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمتُ وقعدتُ... فلِما وصفنا قلنا: إنّ قوله: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ لا يصح تأويله إلا على ما ذكرناه». وانتَقَد ابن كثير (٦‏/‏٢٦٤) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «وهذا فيه نظر؛ لأنّه قال بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾. فدلَّ على أن المراد بذلك آدم، وإنّما قيل ذلك بالجمع لأنّه أبو البشر، كما قال الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي ﷺ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأَنزلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة:٥٧]، والمراد: آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لَمّا كان ذلك مِنَّةً على الآباء الذين هم أصلٌ صار كأنه واقع على الأبناء». ووجَّه ابن عطية (٣‏/‏٥٢٠) قولَ مجاهد والقولَ الذي رجحه ابن جرير بأن تكون ﴿ثم﴾ على بابها في الترتيب والمهلة

للسلف في تفسير قوله: ﴿وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل﴾ قولان: الأول: أن ذلك خبر معناه: اعتراف من موسى عليه السلام بما لفرعون عليه مِن يد؛ إذ استعبد بني إسرائيل، وربّاه في بيته. الثاني: أنّ ذلك استفهام غرضه الإنكار أن تكون هذه نعمة، كما في قول قتادة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٥٩-٥٦٠) القول الأول مستندًا للغة، والسياق، فقال: «يعني بقوله: ﴿وتلك نعمة تمنها علي﴾: وتلك تربية فرعون إيّاه، يقول: وتربيتك إيّاي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمةٌ منك تَمُنُّها عَلَيَّ بحق. وفي الكلام محذوف استغنى بدلالة ما ذكر عليه عنه، وهو: وتلك نعمة تمنها عَلَيَّ أن عبدت بني إسرائيل وتركتني، فلم تستعبدني، فترك ذكر: وتركتني؛ لدلالة قوله: ﴿أن عبدت بني إسرائيل﴾ عليه، والعرب تفعل ذلك اختصارًا للكلام». وعلّق ابنُ عطية (٦‏/‏٤٧٧) على القولين، فقال: «ولكل وجه ناحيةٌ مِن الاحتجاج؛ فالأول ماضٍ في طريق المخالفة لفرعون ونقض كلامه كله، والثاني مُبْدٍ مِن موسى عليه السلام أنّه مُنصِف مِن نفسه، مُعْتَرِف بالحق، ومتى حصل أحد المجادلين في هذه الرتبة، وكان خصمه في ضدها؛ غلب المتصف بذلك، وصار قوله أوقع في النفوس»

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في المعنيّ بـ﴿آزر﴾، هل هو اسم أم صفة؟ وإن كان اسمًا فمَن المسمّى به؟ على ثلاثة أقوال: الأول: هو اسم أبيه. وهو قول الضحاك، والسدي، وابن إسحاق، وسعيد بن عبدالعزيز. الثاني: أنه ليس بأبي إبراهيم. وهو قول ابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد، والسدي، وابن جريج. الثالث: هو سبٌّ وعيبٌ بكلامهم، ومعناه: مُعْوَجٌّ. كأنه تأوَّل أنه عابه بزَيْغِه واعْوِجاجِه عن الحقِّ. وهو قول سليمان التيمي. وقد ذكر ابنُ جرير (٩‏/‏٣٤٥) اختلاف القُرّاء في قراءة ﴿آزَرَ﴾، ورجَّح قراءة «من قرأ بفتح الراء من ﴿آزَرَ﴾ على إتْباعه إعراب الأبِ، وأنه في موضع خفضٍ، فَفُتِح إذ لم يكن جاريًا؛ لأنه اسمٌ أعجميٌّ». وبناءً على هذا الترجيح فقد جوَّز فَتْحَ ﴿آزَرَ﴾ مِن أحد وجهين: «إمّا أن يكون اسمًا لأبي إبراهيم عليه السلام، فيكون في موضع خفض ردًّا على الأبِ، أو يكون نعتًا له، فيكون أيضًا خفضًا، بمعنى تكرير اللام عليه، ولكنه لَمّا خَرَج مَخْرَج أحمر وأسود تُرِك إجراؤه، وفُعِل به كما يُفْعَل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: وإذ قال إبراهيم لأبيه الزائغ: أتَتَّخِذ أصنامًا آلهةً؟». وبناءً على هذين الوجهين، فقد رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، وأقوال السلف كون «آزر» اسما لأبي إبراهيم، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -تعالى ذِكْره- أخبر أنه أبوه، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم، دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعتٌ». ثم وجَّه (٩‏/‏٣٤٦) قولَ مَن يَنسِبون إبراهيم إلى «تارَح» لا إلى «آزر» استنادًا إلى التاريخ بأنّه: «غير مُحالٍ أن يكون كان له اسمان، كما لكثيرٍ من الناس في دهْرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثيرٍ منهم، وجائزٌ أن يكون لقبًا». وقوّى ابنُ كثير (٦‏/‏٩٤) توجيهه هذا، وقال: «وهذا الذي قاله جيِّد قَوِيٌّ»