قال مقاتل بن سليمان: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِن الحسنات في دار الدنيا، ثم يا محمد ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ يقول: هكذا نجزي المُحسِنين مِن أُمّتك بأعمالهم في الجنة، ثم قال الله تعالى لكفار مكة: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾، نزلت في عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم القرشي، وذلك أنّ عيّاشًا أسلم، فخاف أهلَ بيته، فهرب إلى المدينة بدينه قبل أن يُهاجِر النبيُّ ﷺ إليها، فحلفت أمه أسماءُ بنت مخرمة بن أبي جندل بن نهشل التميمي ألا تأكل، ولا تشرب، ولا تغسل رأسها، ولا تدخل كِنًّا، حتى يرجع إليها، فصبرت ثلاثة أيام، ثم أكلت وشربت، فركب أبو جهل -عدوُّ الله- والحارث ابنا هشام، وهما أخواه لأمه، وهما بنو عمٍّ، حتى أتيا المدينة، فلقياه، فقال أبو جهل لأخيه عياش: قد علمت أنك كنت أحبَّ إلى أمك من جميع ولدها، وآثَرَ عندها -لأنه كان أصغرهم سِنًّا، وكان بها بارًّا-، وقد حلفت أمُّك ألا تأكل، ولا تشرب، ولا تغسل رأسها، ولا تدخل بيتًا، حتى ترجع إليها، وأنت تزعم أنّ في دينك بِرَّ الوالدين، فارجع إليها، فإنّ ربك الذي بالمدينة هو بمكة، فاعبده بها. فأخذ عياشٌ عليهم المواثيقَ ألّا يُحَرِّكاه، فاتبعهما، فأوثقاه، ثم جلده كلُّ واحد منهما مائة جلدة حتى يبرأ من دين محمد ﷺ؛ فأنزل الله عز وجل في عياش: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله﴾
عن علي بن أبي طالب، قال: خرجنا على جنازة، فبينا نحن بالبقيع إذ خرج علينا رسولُ الله ﷺ وبيده مِخْصَرَةٌ، فجاء، فجلس، ثم نَكَتَ بها الأرضَ ساعةً، ثم قال: «ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ إلا قد كُتِب مكانُها مِن الجنةِ أو النارِ، إلا وقَد كُتِبَتْ شقيَّةً أو سعيدةً». قال: فقال رجل: أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا، يا رسول الله، وندعُ العَمَل؟ قال: «لا، ولكنِ اعملوا؛ فكُلُّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له، أمّا أهل الشقاء فيُيَسَّرون لعَمَلِ أهل الشقاء، وأمّا أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة». قال: ثُمَّ تلا: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾ [الليل:١٠]
عن النّزال بن سَبرة، قال: قال النبي ﷺ: «ما من نفس منفوسة إلا قد كَتب الله عليها ما هي لاقيته». وأعرابيٌّ عند النبي ﷺ مُرتاد، فقال الأعرابي: فما جاء بي أضرب مِن وادي كذا وكذا إن كان قد فُرِغ من الأمر؟! فنكتَ النبيُّ ﷺ في الأرض، حتى ظنّ القوم أنه ودَّ أنه لم يكن تَكلّم بشيء منه، فقال النبي ﷺ: «كلٌّ مُيسّر لما خُلق له، فمَن يُرد الله به خيًرا يسّره لسبيل الخير، ومَن يُرد به شرًّا يسّره لسبيل الشر». فلقيتُ عمرو بن مُرّة، فعرضتُ عليه هذا الحديث، فقال: قال النبي ﷺ، وزاد فيه: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وأَمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾
ذكر ابنُ عطية (٣/٥٧٢) في قوله: ﴿ونادوا أصحاب الجنة﴾ احتمالين، ووجَّههما، فقال: «ونداؤهم أصحاب الجنة يحتمل أن يكون وأصحاب الجنة لم يدخلوها بعد، فيكون أيضًا قوله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ محتملًا أن يعنى به أهل الجنة، وهو تأويل أبي مجلز، إذ جعل أصحاب الأعراف ملائكة، ومحتملًا أن يعنى به أهل الأعراف. ويحتمل أن يكون نداؤهم أهل الجنة بالسلام وهم قد دخلوها، فلا يحتمل حينئذ قوله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ إلا أهل الأعراف فقط، وهو تأويل السدي، وقتادة، وابن مسعود، والحسن، وقال: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لخير أراده بهم». ثم رجّح قول الحسن بقوله: «وهذا هو الأظهر الأليق، ولا نظر لأحد مع قول النبي ﷺ»
اختُلف في قوله: ﴿وطور سينين﴾ على أقوال: الأول: هو جبل موسى ومسجده. الثاني: هو كلّ جبل ينبت، وقوله ﴿سينين﴾ حَسن. الثالث: هو الجبل، و﴿سينين﴾ أي: مبارك حَسن. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٥٠٨) -مستندًا إلى اللغة- أنّ «طور سينين: جبل معروف؛ لأنّ الطور: هو الجبل ذو النبات، فإضافته إلى ﴿سينين﴾ تعريف له». وانتقد -مستندًا إلى اللغة- القول بأن ﴿سينين﴾ نعت للطور، فقال: «ولو كان نعتًا للطور -كما قال مَن قال: معناه حَسن أو مبارك- لكان الطور مُنوّنًا، وذلك أنّ الشيء لا يضاف إلى نعته، لغير علّة تدعو إلى ذلك». وذكر ابنُ عطية [ط: العلمية](٥/٤٩٩) -مستندًا إلى الإجماع- أنّ الطور جبل بالشام، فقال: «وأمّا طور سينين فلم يُختلف أنه جبل بالشام كلّم الله عليه موسى، ومنه نودي، وفيه مسجد موسى؛ فهو الطور». ثم حكى الخلاف في معنى ﴿سينين﴾ كما هو مُثبتٌ في الآثار
عن أبي موسى الأشعري -من طريق أبي بردة- قال: يَنشر اللهُ كَنفه يوم القيامة على المؤمنين هكذا، وقال: بيده فوقه، فيقول: يا ابن آدم، هذه حسنةٌ عمِلتَها في مكان كذا وكذا، ساعة كذا وكذا، وقد قبلتُها منك. ثم يَسجد المؤمن، ثم يقول: يا ابن آدم، هذه سيئة عمِلتَها يوم كذا وكذا، وقد غَفرتُها لك. فيَسجد المؤمن، فيقول الخلْق: طُوبى لهذا العبد الذي لا يَرى في كتابه إلا الحسنات. مِن كثرة ما يَسجد، فإذا فَرغ قال: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٨-١٩] إني أيقنتُ
عن سمرة بن جندب -من طريق الحسن البصري- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ العبدُ لصلاة مكتوبة، فأسبغ الوضوء، ثم خرج من باب داره يريد المسجد، فقال حين يخرج: باسم الله ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾. هداه الله للصواب -ولفظ ابن مردويه: لصواب الأعمال-، ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾. أطعمه الله من طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة، ﴿واذا مرضت فهو يشفين﴾. شفاه الله، وجعل مرضه كفارة لذنوبه، ﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾. أحياه الله حياة السعداء، وأماته ميتة الشهداء، ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. غفر الله له خطاياه كلها، وإن كانت أكثر مِن زَبَد البحر، ﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين﴾. وهب الله له حكمًا، وألحقه بصالح مَن مضى، وصالح مَن بقي، ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾. كتب في ورقة بيضاء: إنّ فلان بن فلان من الصادقين. ثم يوفقه الله بعد ذلك للصدق، ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾. جعل الله له القصور والمنازل في الجنة». وكان الحسن يزيد فيه: «واغفر لوالدي كما ربياني صغيرًا»
عن الحسن بن مسروق، عن أبيه، قال: سألتُ عمر بن الخطاب وهو يخطب الناسَ عن ذي قرابة لي ورِث كلالةً، فقال: الكلالة! الكلالة! الكلالة! وأخذ بلحيته، ثم قال: واللهِ، لَأَن أعلمها أحبُّ إلَيَّ مِن أن يكون لي ما على الأرض مِن شيء، سألتُ عنها رسول الله ﷺ، فقال: «ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف؟!». فأعادها ثلاث مرات
عن أبي جعفر الباقر -من طريق سعيد بن سعيد الأنصاري- قال: كان رجل يكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. بينما هو في فَلاة مِن الأرض إذ قالها، فتبدّاه رجلٌ على برذون أبيض، وعليه ثياب بيض، فقال له: أما إنها الكلمة التي قال الله -جلَّ ذِكْرُه-: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون﴾