عن عائشة -من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن-: أنّ رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخيّر أزواجه، قالت: فبدأ بي، فقال: «إني ذاكر لكِ أمرًا، فلا عليكِ أن تستعجلي حتى تستأمري أبويكِ». وقد علم أنّ أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: إن الله قال: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى تمام الآيتين. فقلتُ له: ففي أيِّ هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلتُ
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- قال: إنّ رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية، فخطبها، قالت: لستُ بناكحتِه. قال: «بلى، فانكحيه». قالت: يا رسول الله، أؤامر في نفسي! فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ الآية. قالت: قد رضيتَه لي -يا رسول الله- مَنكحًا؟ قال: «نعم». قالت: إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحتُه نفسي
قال يحيى بن سلام: قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ فهو منسوخ إذا كان قد سمى لها صداقًا، إلا أن يكون لم يسم لها صداقًا فيكون لها المتعة ولا صداق لها، فإن كان سمى لها صداقًا ثم طلقها قبل أن يدخل بها فإن لها نصف الصداق، ولا متعة لها، نسختها الآية التي في البقرة [٢٣٦-٢٣٧]: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ * وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ ولا متاع لها إلى آخر الآية... والعامة على أنها منسوخة
عن أبي معاوية: أنّ عمر بن الخطاب صعد المنبر فقال: أيها الناس، هل سمع أحدٌ منكم رسولَ الله - ﷺ - يُفَسِّر: ﴿حم * عسق﴾؟ فوثب ابنُ عباس فقال:أنا، ﴿حم﴾ اسم من أسماء الله تعالى. قال: فـ «عين»؟ قال: عاين المشركون عذابَ يوم بدر. قال: فـ «سين»؟ قال: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. قال: فـ «قاف»؟ فسكت، فقام أبو ذرّ ففسَّر كما قال ابن عباس، وقال: «قاف» قارِعَةٌ مِن السماء تصيب الناس
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وذلك أنّ أناسًا من أعراب بني أسد بن خزيمة قدموا النبيَّ ﷺ بالمدينة، فقالوا للنبي ﷺ: أتيناك بأهلينا طائعين عفوًا بغير قتال، وتركنا الأموال والعشائر، وكلّ قبيلة في العرب قاتلوك حتى أسلموا كرهًا، فَلَنا عليك حقّ، فاعرف ذلك لنا. فأنزل تعالى في الحجرات: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] إلى آيتين، وأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، قال: قد يئس هؤلاء الكفار مِن أن تكون لهم آخرة، كما يئس الكفار الذين ماتوا -الذين في القبور- من أن تكون لهم آخرة؛ لِما عاينوا من أمر الآخرة، فكما يئس أولئك الكفار كذلك يئس هؤلاء الكفار. قال: والقوم الذين غضب الله عليهم يهود، هم الذين يئسوا من أن تكون لهم آخرة، كما يئس الكفار قبلهم من أصحاب القبور؛ لأنهم قد علِموا كتاب الله، وأقاموا على الكفر به. وما صنعوا وقد علِموا؟!
رجَّحَ ابنُ جرير (٢/٣٧-٣٨) أنّ معنى الآية: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، مَن يؤمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم. وأنّ معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع: «ثباته على إيمانه وتركه تبديله». مستندًا في ذلك إلى السياق، وظاهر التنزيل. وقال (٢/٤٦بتصرف): «والذي قلنا من التأويل أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن الله -تعالى ذكره- لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان بعضَ خلقه دون بعضٍ منهم، والخبر بقوله: ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ عن جميع من ذَكر في أول الآية»
اختُلِف فيمَن نزلت هذه الآية؛ فقال قوم: نزلت في الأخنس بن شَرِيق. وقال آخرون بنزولها في نفر من المنافقين. وقال غيرهم بعمومها. ورجَّح ابنُ كثير (٢/٢٦٩) القولَ الأخير الذي قاله قتادة، ومجاهد، والربيع، وعطاء، والقرظي، فقال: «وقيل: بل ذلك عامُّ في المنافقين كلهم... وهو الصحيح». ولم يذكر مستندًا. وكذا رَجَّحه ابنُ عطية (١/٥٠٢) مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، وهي مجيء قوله تعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ العام في كل مجاهد في سبيل الله بعد هذه الآية؛ فدَلَّ ذلك على عموم ما قبلها في الكافر، بدليل الوعيد بالنار
اختلف المفسرون في مَن المُزَيِّنُ هنا؟ فذهب قومٌ إلى أنّه الله، وذهب قوم إلى أنّه الشيطان. وذكر ابنُ عطية (٢/١٧٠) أنّ ظاهر قول عمر: الآن، يا ربّ. مع القول الأوّل، وظاهرُ قول الحسن مع الثاني. ثُمَّ أفاد (٢/١٧١) احتمالَ الآية لِكِلا المعنيين، فقال: «وإذا قِيل: زَيَّن الله. فمعناه: بالإيجاد، والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجِبِلَّة [على] المَيْل إلى هذه الأشياء. وإذا قيل: زَيَّن الشيطانُ. فمعناه: بالوسوسة، والخديعة، وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتملُ هذين النوعين مِن التزيين، ولا يختلف مع هذا النظر»
قال ابنُ جرير (٥/٦٣٢): «تأويل الآية: يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله، إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتاب من أهل التوراة والإنجيل، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به، يضلوكم فيردوكم بعد تصديقكم رسول ربكم، وبعد إقراركم بما جاء به من عند ربكم كافرين، يقول: جاحدين لما قد آمنتم به وصدقتموه من الحق الذي جاءكم من عند ربكم، فنهاهم -جل ثناؤه- أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأيًا أو مشورة، ويعلمهم -تعالى ذكره- أنهم لهم منطوون على غل وغش وحسد وبغضاء». واستشهد على ذلك بقول قتادة