سورة الممتحنة — الآية ١٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾... وفيه [أي: عمر بن الخطاب] نَزَلَتْ هذه الآية وفي أصحابه، وكانت امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنها بمكة، واسمها: قُرَيبة بنت أبي أُميّة، وهشام بن العاص بن وائل وامرأته هند بنت أبي جهل، وعِياض بن شدّاد الفهريّ وامرأته أُمّ الحكم بنت أبي سفيان، وشمّاس بن عثمان المخزومي وامرأته يَرْبُوع بنت عاتكة، وعمرو بن عبد عمرو وهو ذو اليدين وامرأته هند بنت عبد العُزّى، فتزوّج امرأةَ عمر بن الخطاب أبو سُفيان بن حرب

سورة القيامة — الآية ٣٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ يقول: يَتَبختر. وكذلك بنو المُغيرة بن عبد الله بن عمر المَخزوميّ، إذا مشى أحدهم يَختال في المشي، ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ يعني: أبا جهل حين تَهدّد النبي ﷺ بالقتل، فقال أبو جهل: إليك عنِّي، فإنك لا تستطيع أنتَ ولا ربّك أن تفعلا بي شيئًا، لقد علمتْ قريش أني أعزّ أهل البطحاء وأَكْرمها، فبأي ذلك تُخوِّفني، يا ابن أبي كَبْشَة؟! ثم انسلّ ذاهبًا إلى منزله، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾

علّق ابنُ عطية (٦‏/‏٤٧٢) على القراءتين بقوله: «فقراءة الرفع هي إخبار مِن موسى بوقوع ضيق صدره وعدم انطلاق لسانه، وبهذا رجح أبو حاتم هذه القراءة، وقراءة النصب تقتضي أنّ ذلك داخل تحت خوفه، وهو عطف على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾». ثم قال مُرَجِّحًا قراءة الرفع فيهما لدلالة المعنى: «وقد يكون عدم انطلاق اللسان بالقول لغموض المعاني التي تطلب لها ألفاظ محررة، فإذا كان هذا في وقت ضيق صدر ولم ينطلق اللسان، وقد قال موسى عليه السلام: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه:٢٧]؛ فالراجح قراءة الرفع»

قال ابنُ عطية (٧‏/‏١٧٠): «وقال كثير من المفسرين: ﴿دابَّةُ الأَرْضِ﴾ هي سوسة العود، وهي الأرَضَة، وقرأ ابن عباس والعباس بن المفضل: (الأَرَضِ) بفتح الراء، جمع: أرضة، فهذا يقوي ذلك التأويل». ثم ذكر في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقالت فرقة: ﴿دابة الأرض﴾ حيوان مِن الأرض شأنه أن يأكل العود، وذلك موجود، وليس السوسة من دواب الأرض. وقالت فرقة منها أبو حاتم اللغوي: ﴿الأرض﴾ هنا مصدر: أرضت الأثواب والخشبة؛ إذا أكلتها الأرضة، فكأنه قال: دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة على جهة التسوس»

ذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٧٦) هذا الأثر من طريق محمد بن سنان القزاز، عن مطهر بن الهيثم، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن جده، ثم علّق عليه بقوله: ""وهكذا رواه ابن أبي حاتم، والطبراني، من حديث مطهر بن الهيثم به. وهذا الحديث لو صح لكان فيصلًا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأنّ مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يُشبِه حديث الأثبات""

سورة الأنفال — الآية ٣٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذلك أن نفرًا من قريش؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعُتْبَة بن ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البَخْتَرِيِّ بن هشام، وأُمَيَّة بن خلف، وعُقْبَة بن أبى مُعَيْط، وعُيَيْنَة بن حِصْن الفزاري، والوليد بن المغيرة، والنَّضْر بن الحارث، وأُبَيّ بن خلف، اجتمعوا في دار الندوة بمكة [يومًا] -وهو يوم السبت-؛ ليمكروا بالنبي ﷺ، فأتاهم إبليس في صورة رجل شيخ كبير، فجلس معهم. فقالوا: ما أدْخَلَك في جماعتنا بغير إذننا؟ قال: إنَّما أنا رجل من أهل نجد، ولست من أهل تهامة، قدمت مكة، فرأيتكم حسنة وجوهكم، طيّبة ريحكم، نَقِيَّة ثيابكم، فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأستر عليكم، فإن كرهتم مجلسي خرجت من عندكم. فقالوا: هذا رجل من أهل نجد، وليس من أهل تهامة؛ فلا بأس عليكم منه، فتَعَمَّلوا بالمكر بمحمد. فقال أبو البَخْتَرِيِّ بن هشام من بني أسد بن عبد العُزّى: أما أنا فرأيي أن تأخذوا محمدًا فتجعلوه في بيت، وتَسُدُّوا بابَه، وتَدَعُوا له كُوَّة يُدْخَل منها طعامه وشرابه حتى يموت. قال إبليس: بِئْسَ والله الرأَّيُ رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صَغْوٌ قد سمع به من حولكم فتحبسونه، فتطعمونه وتسقونه، فيوشك الصَّغْوُ الذي له فيكم أن يقاتلكم عليه، فيفسد جماعتكم، ويسفك دماءكم. فقالوا: صدق والله الشيخ. فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لُؤَيّ: أمّا أنا فرأيي أن تحملوا محمدًا على بعير، فيُخْرَج من أرضكم، فيَذْهَب حيث شاء، ٣ويليه غيرُكم. قال إبليس: بِئْسَ والله الرأيُ رأيتم، تعمدون إلى رجل قد شَتَّت وأفسد جماعتكم، واتَّبعه منكم طائفة، فتُخرجوه إلى غيركم، فيفسدهم كما أفسدكم، فيوشك والله أن يُقْبِل بهم عليكم، ويتولى الصَّغْوُ الذي له فيكم. قالوا: صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل بن هشام المخزومي: أما أنا فرأيي أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش، فتأخذوا من كل بَطْن رجلًا، ثم تُعْطُوا كلَّ رجل منهم سيفًا، فيضربونه جميعًا بأسيافهم، فلا يدري قومُه من يأخذون به، وتُؤَدِّي قريشٌ دِيَتَه. قال إبليس: صدق والله الشاب، إن الأمر لَكَما قال. فتَفَرَّقوا على قول أبي جهل، فنزل جبريل عليه السلام، فأخبره بما ائتمر به القوم، وأمره بالخروج، فخرج النبي ﷺ من ليلته إلى الغار، وأنزل الله عز وجل: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في المعنيين بقوله: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ على أقوال: الأول: أنهم جَذِيمَة بكر كنانة. الثاني: أنهم قريش. الثالث: أنهم قوم من خزاعة. ورجَّح ابنُ جرير (١١‏/‏٣٥٣) مستندًا إلى دلالة التاريخ القول الأول، وهو قول السدي، ومحمد بن عباد بن جعفر، وابن إسحاق، وانتقد القولين الآخرين، فقال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قولُ مَن قال: هم بعض بني بكر من كنانة، ... وإنما قلتُ: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لأنّ الله تعالى أمر نبيَّه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام، ما استقاموا على عهدهم. وقد بيَّنّا أن هذه الآيات إنما نادى بها عليٌّ رضي الله عنه في سنة تسع من الهجرة، وذلك بعد فتح مكة بسنة، فلم يكن بمكة من قريش ولا خزاعة كافرٌ يومئذٍ بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده؛ لأنّ مَن كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد، وحورب قبل نزول هذه الآيات». وانتقد ابنُ عطية (٤‏/‏٢٦٤) مستندًا إلى دلالة التاريخ القول الثالث بقوله: «وهو مردود بإسلام خزاعة عام الفتح». وانتقد قولَ ابن زيد في القول بأنهم قريش، وأنّ هذه الآية نزلت فلم يستقيموا... الخ، مستندًا إلى دلالة التاريخ قائلًا: «وهو ضعيف مُتناقِض؛ لأنّ قريشًا وقت الأذان بالأربعة الأشهر لم يكن منهم إلا مسلم، وذلك بعد فتح مكة بسنة، وكذلك خزاعة»

سورة الأنعام — الآية ٣٣

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ لَمّا كان يوم بدر قال الأخنس بن شَرِيقٍ لبني زُهْرَةَ: يا بني زُهْرَة، إنّ محمدًا ابنُ أختكم، فأنتمُّ أحقُّ مَن كَفَّ عنه، فإنّه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبًا كنتمُّ أحقَّ مَن كَفَّ عن ابن أخته، قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غلب محمد ﷺ رجعتم سالمين، وإن غلب محمد فإنّ قومكم لا يصنعون بكم شيئًا. فيومئذ سُمِّي: الأخنس، وكان اسمُه: أُبَيًّا. فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنّه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحك، واللهِ، إنّ محمدًا لَصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾، فآيات الله: محمد ﷺ

سورة المائدة — الآية ٢٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: أُمِر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينًا، مِن كل سِبْط منهم عينٌ، فيأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجسمهم وعِظَمِهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار، فنظر إلى آثارهم، فتَتَبَّعهم، فكُلَّما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كُمِّه مع الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كُمِّه مع الفاكهة، وذهب إلى مَلِكِهم، فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرَنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال: اكتموا عنّا. فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه، ويقول: اكتم عَنِّي. فأُشِيع ذلك في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان: يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وهم اللذان أنزل الله فيهما: ﴿قال رجلان من الذين يخافون﴾

سورة التوبة — الآية ١٤

عن المِسْورِ بن مَخْرمة، ومروان بن الحكم، قالا: كان في صُلْحِ رسول الله - ﷺ - يومَ الحُديبية بينه وبين قريش أنّه مَن شاءَ أن يدخُلَ في عقدِ محمد وعهدِه دخَل، ومَن شاءَ أن يدخُلَ في عقَدِ قريش وعهدِهم دخَل. فتَواثَبت خُزاعة، فقالوا: نحن ندخُلُ في عقدِ محمد وعهدِه. وتَواثَبَت بنو بكرٍ فقالوا: نحن ندخُلُ في عقدِ قريش وعهدِهم. فمكَثوا في تلك الهُدْنةِ نحو السبعةَ أو الثمانيةَ عشَرَ شهرًا، ثم إنّ بني بكر -الذين كانوا دخَلوا في عقدِ قريشٍ وعهدِهم- وثَبُوا على خُزاعة -الذين دخَلوا في عقدِ رسول الله - ﷺ - وعهدِه- ليلًا بماءٍ لهم يُقالُ له: الوَتِير، قريبٌ مِن مكة، فقالت قريشٌ: ما يعلمُ بنا محمد، وهذا الليلُ وما يَرانا أحدٌ. فأعانُوهم عليهم بالكُراعِ والسلاح، فقاتَلوهم معهم؛ للضِّغْنِ على رسول الله - ﷺ -. وأنّ عمرَو بن سالم ركِب إلى رسول الله - ﷺ - عندَما كان مِن أمرِ خزاعة وبني بكر بالوَتير، حتى قدِم المدينةَ على رسول الله - ﷺ - يُخبِرُه الخبر، وقد قال أبياتَ شعرٍ، فلما قدِم على رسول الله - ﷺ - أنشَده إياها: لاهُمَّ إني ناشِدٌ محمدا... حِلْفَ أبِينا وأبيه الأَتْلَدا كُنّا والدًا وكنتَ ولدا... ثُمَّتَ أسْلَمْنا ولم نَنزِعْ يَدا فانصُرْ رسولَ الله نصرًا أعْتَدا... وادْعُ عبادَ اللهِ يأتوا مَدَدا فيهم رسولُ الله قد تجَرَّدا... إن سِيم خَسْفًا وجْهُه تربَّدا في فَيْلَقٍ كالبحرِ يجرِي مُزْبِدا... إنّ قريشًا أخْلَفوك الموْعِدا ونَقَضوا مِيثاقَك المُؤَكَّدا... وزَعَموا أن لستُ أرجُو أحدا فهُم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدا... قد جَعَلوا لي بكداءٍ رُصَّدا هم بَيَّتونا بالوَتيرِ هُجَّدا... وقَتَّلونا رُكَّعًا وسُجَّدا فقال رسول الله - ﷺ -: «نُصِرْتَ، يا عمرُو بن سالم». فما برِح رسولُ الله - ﷺ - حتىمَرَّت عَنانةٌ في السماء، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنّ هذه السحابةَ لَتَشْهَدُ بنصرِ بني كعب». وأمَر رسولُ الله - ﷺ - الناسَ بالجَهازِ، وكتَمَهم مخرَجَه، وسأل اللهَ أن يُعَمِّيَ على قريشٍ خبرَه حتى يبغَتَهم في بلادهم