ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٣٥) اختلاف أهل التأويل في المَعْنِيّ بـ«الذّكر»، و«الرسول» في هذا الموضع، فقال: «قال قوم من المتأولين: المراد بالاسمين القرآن، و﴿رسولًا﴾ يعني: رسالة، وذلك موجود في كلام العرب. وقال آخرون: ﴿رسولًا﴾ نعت أو كالنعت لقوله سبحانه: ﴿ذكرًا﴾، فالمعنى: ذكرًا ذا رسولٍ. وقيل: الرسول ترجمة عن الذّكر كأنه بدل منه. وقال آخرون: المراد بهما جميعًا: محمد ﷺ، والمعنى: ذا ذِكْرٍ رسولًا. وقال بعض حُذّاق المتأولين: الذّكر: اسم من أسماء الرسول ﷺ. واحتجَّ بهذا القاضي أبو بكر الباقلاني في تأويل قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء:٢]. وقال بعض النحاة: معنى الآية: ذِكرًا بعث رسولًا، فهو منصوب بإضمار فعل. وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون ﴿رسولًا﴾ معمولًا للمصدر الذي هو الذّكر». وذهبَ ابنُ جرير (٢٣‏/‏٧٦) -مستندًا إلى اللغة- إلى أنّ الرسول تفسير للذّكر، فقال: «الصواب من القول في ذلك أنّ الرسول ترجمة عن الذّكر، ولذلك نُصِب؛ لأنه مردود عليه على البيان عنه والترجمة. فتأويل الكلام إذن: قد أنزل الله إليكم -يا أولي الألباب- ذكرًا من الله لكم يذكركم به، ويُنبّهكم على حظّكم من الإيمان بالله، والعمل بطاعته، رسولًا يتلو عليكم آيات الله التي أنزَلها عليه مبينات لمن سمعها وتدبّرها أنها من عند الله». وذهب ابنُ عطية (٨‏/‏٣٣٦) إلى أنّ المراد بالذّكر: القرآن، والمراد بالرسول: محمد ﷺ، فقال: «أبْين الأقوال عندي معنًى أن يكون الذّكر: القرآن، والرسول: محمدًا ﷺ، والمعنى: بعث رسولًا، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول، ونحا هذا المنحى السُّدِّيّ». ولم يذكر مستندًا. وهو ظاهر كلام ابن كثير (١٤‏/‏٤٣)

سورة يوسف — الآية ٤٤

قال مقاتل بن سليمان: ولم يعلموا تأويل رؤياه، فـ﴿قالوا أضغاث أحلام﴾ يعني: أحلام مختلطة كاذبة، ثم علموا أنّ لها تعبيرًا، وأنّها ليست مِن الأحلام المختلطة، فمِن ثَمَّ قالوا: ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾. وجاءه جبريل عليه السلام، فأخبره أنّه يخرج من السجن غدًا، وأنّ الملك قد رأى رؤيا، فلمّا نظر يوسفُ إلى جبريل عليه البياض مُكَلَّل باللُّؤلؤ. قال مقاتل: قال له: أيها الملَك الحسنُ وجهه، الطيبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، أيُّ رسل ربي أنت؟ قال: أنا جبريل. قال: ما أتى بك؟ قال: أُبَشِّرك بخروجك. قال: ألك عِلْمٌ بيعقوبَ أبي ما فعل؟ قال: نعم، ذهب بصره من الحزن عليك. قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، ما بلغ من حزنه؟ قال: بلغ حزنُه حزنَ سبعين مُثْكَلة بولدها. قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، فما له مِن الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد، وألف مثكلة موجعة. قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل رأيت يعقوب؟ قال: نعم. قال: أيها الملك مَن ضَمَّ إليه بعدي؟ قال: أخاك بنيامين. قال يوسف: يا ليت السباع تقسَّمت لحمي، ولم يَلْقَ يعقوبُ في سَبَبِي ما لقي

سورة آل عمران — الآية ١٨٧

عن الحسن بن عُمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث، فألفيته على بابه، فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث؟ فقلت: إمّا أن تحدثني، وإما أن أحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعَلِّمُوا. قال: فحدثني أربعين حديثًا

سورة النساء — الآية ٧٥

عن الحسن البصري، وقتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾، قالا: خرج رجلٌ من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، قالا: فما تلافاه إلا ذلك، فاحتجَّت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأُمِرُوا أن يُقَدِّروا أقرب القريتين إليه، فوجدوهأقرب إلى القرية الصالحة بشِبْرِ. وقال بعضهم: قرَّب اللهُ إليه القريةَ الصالحة، فتَوَفَّتْه ملائكة الرحمة

سورة النساء — الآية ٢٩

عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد النحوي- في الآية، قالا: كان الرجل يتحرَّج أن يأكل عند أحدٍ من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنُسِخ ذلك بالآية التي في النور: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ الآية، فكان الرجلُ الغنيُّ يدعو الرجلَ من أهله إلى الطعام، فيقول: إني لَأَتَجَنَّح -والتَّجَنَّحُ: التَّحَرُّج-. ويقول: المساكينُ أحقُّ به مِنِّي. فأحلَّ مِن ذلك أن تأكلوا مما ذُكِر اسم الله عليه، وأحلَّ طعام أهل الكتاب

سورة الأنعام — الآية ٨٥

عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: أرسَل الحجاج إلى يحيى بن يَعمَرَ، فقال: بلَغني: أنّك تزعُمُ أنّ الحسن والحسين من ذُرِّيَّة النبي ﷺ، تجدُه في كتاب الله، وقد قرَأتُه من أوَّله إلى آخره فلم أجِدْه! قال: أليس تقرأُ سورة الأنعام: ﴿ومن ذريته داود وسليمان﴾ حتى بلَغ: ﴿ويحيى وعيسى﴾؟ قال: بلى. قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صَدقْتَ

سورة الأنبياء — الآية ٤٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ إلى آخر الآية، وهو كقوله: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ [الأعراف:٨]، يعني بـ«الوزن»: القسط بينهم بالحق في الأعمال، الحسنات والسيئات؛ فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه، يقول: أذهبت حسناتُه سيئاتِه، ومَن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه، وأمه هاوية. يقول: أذهبت سيئاتُه حسناتِه

سورة الأنبياء — الآية ٥١

عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، قال: بلغني: أنّ إبراهيم خليل الله لَمّا عَقِل سأل أباه، فقال: مَن خلقني؟ قال: أنا. قال: فمَن خلقك؟ قال: فلان. قال: فمَن خلقه؟ قال: فلان؛ مَلِكُهم. قال: فما بال فلانٍ مِمَّن يجالسه -قال إسحاق: أظنه قال: أفضل منه، أو كما قال-؟ ، وإن كان هو الذي خلقكم فما باله لم يتفضل على أصحابه بالحُسْن والجمال؟ قال: فواراه والِدُه

نقل ابن عطية (١/١٦٥، ١٦٦) عن الحسن قوله: «إنما سمى الله بني آدم: خليفة، لأن كل قرن منهم يخلف الذي قبله، الجيل بعد الجيل». ثم علَّق عليه بقوله: «ففي هذا القول يحتمل أن تكون بمعنى: خالفة، وبمعنى: مخلوفة». ونقل عن ابن مسعود قوله: «إنما معناه: خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري». ثم وجَّهه بقوله: «يعني بذلك: آدم عليه السلام، ومَن قام مقامه بعده من ذريته»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٢٧٧-٢٧٨ بتصرف) في قوله تعالى: ﴿فَظَلُّوا﴾ احتمالين لمرجع الضمير: الأول: «أن يعود على قريش، وكَفرة العصر المختوم عليهم، وهو أبلغ في إصرارهم. وهذا تأويل الحسن». الثاني: «أن يعود على الملائكة لقولهم: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر:٧]، فكأنّ الله تعالى قال: ولو رأوا الملائكة يصعدون ويتصرفون في باب مفتوح في السماء لَما آمنوا. وهذا تأويل ابن عباس»