قال ابنُ عطية (٢/٤٩١): «وأجمع العلماءُ على أنّ هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور. قاله الحسن، ومجاهد، وغيرهما، إلا من قال: إنّ الأذى والتَّعْيِير باقٍ مع الجلد لأنّهما لا يتعارضان بل يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع»
علَّقَ ابنُ عطية (٢/٤٩٦) على قول إبراهيم هذا -ونحوه ما رواه بشير بن كعب والحسن، عن النبي ﷺ- مُبَيِّنًا علته، فقال: «لأنّ الرجاء فيه باقٍ، ويصِحُّ منه الندم والعزم على ترك الفعل في المستأنف، فإذا غلب تعذَّرت التوبة؛ لعدم الندم والعزم على الترك»
ذكر ابنُ جرير (١٠/٦١٨-٦١٩) أنّ أهل التأويل اختلفوا في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَرتْ به﴾ على قولين: أحدهما: استمرَّت بالماء، قامت به وقعدت، وأتمَّت الحمل. وهو قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسديّ، وغيرهم. والآخر: فشكَّت به. وهو قول ابن عباس من طريق العوفي
علَّق ابنُ عطية (٦/٥٢) على قول ابن عباس من طريق علي، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، بقوله: «وهذا قول حسن، وكأن السَّمِيِّ بمعنى: المُسامِي والمُضاهِي؛ فهو مِن السّمو، وهذا القول يحسن في هذه الآية، ولا يحسن فيما تقدم في ذكر يحيى عليه السلام»
ذكر ابنُ عطية (٧/٣٨٥) في تفسير الآية معنى قول الشعبي: «أن كل ماءٍ عذب في الأرض فمن السماء نزل». ومعنى قول الحسن بن يَنّاق: «أن الإشارة إلى العيون، وليست العيون من المطر، ولكن ماؤها نازل من السماء». ثم علَّق عليهما بقوله: «والقولان متقاربان»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ على أقوال: الأول: أقِم الصلاة حين تذكرها. الثاني: أقم الصلاة لتذكرني بها. الثالث: أقم الصلاة لأذكرك بها. فعلى القول الأول تكون اللام وقتية، وعلى القولين الآخرين تكون اللام سببية كما ذكرَ ابنُ عطية (٦/٨٣)، وابنُ القيم (٢/١٧٩). وقد رجّح ابن جرير (١٦/٣٣ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية القول الثاني، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ مَن قال: معناه: أقم الصلاة لتذكرني فيها؛ لأن ذلك أظهر معنييه، وفي قوله: ﴿لذكري﴾ دلالة بينة على صحة ذلك». وبنحوه ابنُ القيم (٢/١٧٩)، وبيّن أن هذا القول يستلزم القولين الآخرين. وقوّى ابنُ كثير (٩/٣١٧-٣١٨ بتصرف) القول الأول بقوله: «ويشهد لهذا القول ما رواه الإمام أحمد... عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾». وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»». واستدرك ابن جرير مستندًا لظاهر لفظ الآية على هذا القول، فقال: «ولو كان معناه: حين تذكرها؛ لكان التنزيل: أقم الصلاة لذكركها». وكذا استدرك ابنُ القيم مستندًا إلى اللغة... وذكر أن تفسير الآية به فيه نظر؛ «لأن اللام الوقتية يليها أسماء المكان والظروف، والذِّكْرُ مصدر، إلا أن يقدر زمان محذوف: أي عند وقت ذكري، وهذا محتمل»
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل وجُوَيْبِر عن الضحاك، والسدي عن مجاهد-، وكعب -من طريق قتادة-، والحسن البصري -من طريق قتادة-، ووهب [بن مُنَبِّه]-من طريق إدريس ابن بنت وهب- يزيد بعضهم على بعض: أنّ عُزَيْرًا كان عبدًا صالحًا حكيمًا، خرج ذات يوم إلى ضَيْعَةٍ له يَتَعاهَدُها، فلمّا انصرف انتهى إلى خَرِبة حين قامت الظَّهِيرة، وأصابه الحَرُّ، فدخل الخَرِبة وهوعلى حمار له، فنزل عن حماره، ومعه سَلَّةٌ فيها تين، وسَلَّةٌ فيها عِنب، فنزل في ظِلِّ تلك الخَرِبة، وأخرج قَصْعَةً معه، فاعتصر مِن العنب الذي كان معه في القَصْعَة، ثم أخرج خبزًا يابسًا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير؛ ليبتلَّ ليأكُلَه، ثُمَّ استلقى على قفاه، وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سُقُفَ تلك البيوت، ورأى ما فيها، وهي قائمة على عُرُشِها، وقد باد أهلها، ورأى عِظامًا بالية، فقال: أنّى يُحْيِي هذه اللهُ بعد موتها؟ فلم يشكَّ أنّ الله يحييها، ولكن قالها تعجبًا، فبعث الله ملَكَ الموت فقَبَضَ روحَه، فأماته الله مائة عام، فلَمّا أتت عليه مائةُ عام، وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمورٌ وأحداثٌ، فبعث الله إلى عُزَيْرٍ ملَكًا، فخلق قلبَه ليَعْقِلَ به، وعينيه لينظر بهما، فيعقِلَ كيف يحيي الله الموتى، ثم ركَّب خَلْقَه وهو يَنْظُرُ، ثم كسا عظامَه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك يرى ويعقل، فاستوى جالسًا، فقال له الملَكُ: كم لبثتَ؟ قال: لبثت يومًا -وذلك أنّه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، وبُعِثَ في آخر النهار والشمس لم تَغِب- فقال: أو بعض يوم، ولم يتمَّ لي يوم. فقال له الملك: ﴿بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك﴾. يعني: الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القَصْعة، فإذا هما على حالِهما، لم يتغير العصير والخبز اليابس، فذلك قوله: ﴿لم يتسنه﴾، يعني: لم يتغير، وكذلك التين والعنب غَضٌّ لم يتغيَّر عن حاله، فكأنّه أنكر في قلبه، فقال له المَلَك: أنكرتَ ما قلتُ لك؟! انظر إلى حمارك. فنظر، فإذا حماره قد بَلِيت عظامُه، وصارت نَخِرة، فنادى الملَكُ عظامَ الحمار، فأجابت، وأقبلت من كل ناحية، حتى ركبه الملَك وعزيرٌ ينظر إليه، ثم ألبَسَها العروقَ والعصبَ، ثم كساها اللحم، ثم أنْبَت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملَك، فقام الحمارُ رافعًا رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقًا، فذلك قوله: ﴿وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما﴾، يعني: انظر إلى عظام حمارك كيف يركبُ بعضُها بعضًا في أوصالها، حتى إذا صارت عظامًا مُصَوَّرًا حمارًا بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحمًا، ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ من إحياء الموتى وغيره. قال: فرَكِب حمارَه حتى أتى مَحِلَّته، فأنكره الناس، وأنكر الناسَ، وأنكر منازلَه، فانطلق على وهْمٍ منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مُقْعَدة قد أتى عليها مائةٌ وعشرون سنةً، كانت أمَةً لهم، فخرج عنهم عُزَيْرٌ وهي بنتُ عشرين سنة، كانت عرَفته وعقَلته، فقال لها عُزَيْرٌ: يا هذه، أهذامنزل عُزَيْر؟ قالت: نعم. وبَكَتْ، وقالت: ما رأيتُ أحدًا من كذا وكذا سنة يذكُرُ عُزَيْرًا، وقد نسيه الناس. قال: فإنِّي أنا عُزَيْرٌ. قالت: سبحان الله! فإنّ عُزَيْرًا قد فقدناه منذ مائة سنة، فلم نسمع له بذِكْر. قال: فإنِّي أنا عُزَيْر؛ كان الله أماتني مائة سنة، ثم بعثني. قالت: فإنّ عزيرًا كان رجلًا مستجاب الدعوة، يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادعُ الله أن يَرُدَّ عليَّ بصري حتى أراك، فإن كنتَ عُزَيْرًا عرَفتُك. فدعا ربَّه، ومسح يده على عَيْنَيها؛ فصحَّتا، وأخذ بيدها، فقال: قُومي بإذن الله. فأطلَق اللهُ رجلَيها؛ فقامت صحيحة كأنما نشِطت من عِقال، فنظرت، فقالت: أشهد أنك عُزَيْرٌ. فانطلقت إلى محلَّة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابنٌ لعزير شيخٌ ابنُ مائة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادتهم، فقالت: هذا عُزَيْرٌ قد جاءكم. فكذَّبُوها، فقالت: أنا فلانة مولاتُكم، دعا لي ربَّه فردَّ عليَّ بصري، وأطلق رجلي، وزعم أنّ الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه. فنهض الناس، فأقبلوا إليه، فنظروا إليه، فقال ابنُه: كانت لأبي شامةٌ سوداءُ بين كتفيه. فكشف عن كَتِفَيْه، فإذا هو عزير. فقالت بنو إسرائيل: فإنّه لم يكن فينا أحدٌ حَفِظ التوراة فيما حُدِّثنا غيرُ عزير، وقد حرَّق بُخْتُنَصَّر التوراةَ، ولم يبق منها شيءٌ إلا ما حَفِظَت الرجال؛ فاكتبها لنا. وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بُخْتُنَصَّرَ في موضع لم يعرفه أحد غيرُ عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع، فحفره، فاستخرج التوراة، وكان قد عَفِن الوَرَقُ، ودَرَس الكتابُ، فجلس في ظلِّ شجرة وبنو إسرائيل حولَه، فجدَّد لهم التوراة، فنزل من السماء شِهابان حتى دخلا جوفَه، فتذكَّر التوراةَ، فجدَّدها لبني إسرائيل، فمِن ثمَّ قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله. لِلَّذي كان من أمر الشِّهابين، وتجديده للتوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل، وكان جدّد لهم التوراة بأرض السَّواد بدِير حِزْقيلَ، والقرية التي مات فيها يُقال لها: سابُراباذُ. قال ابن عباس: فكان كما قال الله: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾. يعني: لبني إسرائيل؛ وذلك أنه كان يجلس مع بني بنيه، وهم شيوخ، وهو شاب؛ لأنه كان مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شابًّا كهيئته يوم مات
عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر ابن حزم الأنصاري، عن أنس بن مالك -رفع الحديث-، قال: «المولود حتى يبلغ الحنث، ما عمل مِن حسنة كُتِبَت لوالده أو لوالدته، وما عمل مِن سيئة لم تُكْتَب عليه ولا على والِدَيه، فإذا بلغ الحِنثَ جرى اللهُ عليه القلم أمْر الملكان اللذان معه أن يحفظا وأن يُشَدِّدا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام أمَّنه الله مِن البلايا الثلاث: الجنون، والجُذام، والبَرَص. فإذا بلغ الخمسين خفَّف الله حسابه، فإذا بلغ سِتِّين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ السبعين أحبَّه أهلُ السماء، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفَّعه في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ كتب الله له مثل ما كان يعمل في صِحَّتِه مِن الخير، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه»
عن عبد الله بن مسعود -من طريق سعيد بن جبير- قال: يُحاسَبُ الناسُ يوم القيامة، فمَن كانت حسناتُه أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومَن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ثم قرأ: ﴿فمن ثقلت موازينُهُ فأولئكَ همُ المفلحونَ * ومن خفتْ موازينُهُ فأولئك الذين خسروا أنفسهُم﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣]. ثم قال: إنّ الميزانَ يَخِفُّ بمثقال حبة، ويرجح. قال: ومَن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوَقَفُوا على الصراط، ثم عُرِض أهلُ الجنة وأهلُ النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: ﴿سلامٌ عليكمْ﴾. وإذا صرَفوا أبصارَهم إلى يسارهم أصحاب النار قالوا:﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾. فتعوَّذوا بالله من منازلهم، فأمّا أصحابُ الحسنات فإنهم يُعْطَون نورًا، فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويُعطى كلُّ عبد مؤمن نورًا، وكل أمة نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلَب الله نورَ كل منافق ومنافقةٍ، فلما رأى أهلُ الجنة ما لقي المنافقون قالوا:﴿ربنا أتمم لنا نورنا﴾ [التحريم:٨]. وأَمّا أصحابُ الأعراف فإنّ النورَ كان في أيديهم، فلم ينزعْ من أيديهم، فهُنالك يقولُ الله: ﴿لم يدخلُوها وهم يطمعونَ﴾. فكان الطمعُ دخولًا. قال ابن مسعود: على أنّ العبد إذا عمل حسنةً كُتب له بها عشرٌ، وإذا عمل سيئةً لم تُكتبْ إلا واحدةً. ثم يقولُ: هلك مَن غلب وحدانُه أعشارَه
أفاد أثر مقاتل أن معنى: ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾: من كراهية البيعة على القتال وعدم الفرار. وانتقده ابنُ عطية (٧/٦٧٩) فقال: «وهذا ضعيف؛ فيه مذمَّة للصحابة رضي الله عنهم». وزاد ابنُ عطية قولين آخرين: الأول: «معناه: مِن الإيمان، وصحَّته، والحبِّ في الدين، والحرص عليه». ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا قول حسن، لكنه مَن كانت هذه حاله فلا يحتاج إلى نزول ما يسكنه». غير أنّه ذكر له وجْهًا يمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «أما إنه يحتمل أن يجازى بالسَّكِينة والفتح القريب والمغانم». الثاني: «معناه: مِن الهمِّ بالانصراف عن المشركين، والأنفة في ذلك على نحو ما خاطب فيه عمر رضي الله عنهما وغيره». ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا تأويل حسن، يترتب معه نزول السَّكينة والتعويض بالفتح القريب». وذكر ابنُ القيم (٢/٤٥٨) أن المعنى: «علم الله عز وجل ما في قلوبهم من القلق والاضطراب لَمّا منعهم كفارُ قريش من دخول بيت الله، وحبسوا الهَدي عن محلِّه، واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة، فاضطربت قلوبهم، وقلقت، ولم تُطق الصبر، فعلم تعالى ما فيها، فثبّتها بالسكينة رحمة منه ورأفة ولطفًا، وهو اللطيف الخبير». ثم ذكر أن الآية تحتمل «أنه سبحانه علم ما في قلوبهم من الإيمان والخير ومحبته ومحبة رسوله، فثبّتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها». ثم رجَّح -مستندًا إلى العموم- قائلًا: «والظاهر أن الآية تعُمُّ الأمرين، وهو أنه علم ما في قلوبهم مما يحتاجون معه إلى إنزال السكينة وما في قلوبهم مِن الخير الذي هو سبب إنزالها»