سورة ص — الآية ٣٥

عن حزم بن أبي حزم، قال: سمعتُ الحسن يقول: ذُكِر لي: أنّ نبيَّ الله ﷺ سليمان راضَ المرأةَ على أمرٍ. فذُكِر لي: أنّه لم يبرح حتى امتلأَ البيت دمًا، فلما رأى ذلك نبيُّ الله خرج، فانطلق إلى الحمام ليغتسل، فلمّا أراد أن يدخل وضع خاتمه، ثم دخل، وجاء الشيطانُ، فأخذ الخاتم، فانطلق إلى نهر كثير الماء، فأرماه فيه، فخرج نبيُّ الله. فذُكر لي: أنّه لم يُؤويه أحدٌ مِن الناس، ولم يُعرَف أربعين ليلة، وكان يأوي إلى امرأة مسكينة، فانطلق ذات يوم، فبينا هو قائمٌ على شطِّ نهرٍ إذ وجد سمكةً، فأتى بها المرأة، فقال: اصنعيها. فشقَّتها، فإذا هي بالحلقة في جوفها، فأخذ الخاتم، فجعله في يده، فعند ذلك سأل ربَّه عز وجل: هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب

أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بالميثاق المذكور في الآية على ثلاثة أقوال: أولها: أنّه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وهذا قول الضحاك، والسدي، والحسن، وابن سيرين، وقتادة. وثانيها: أنّه عقد النكاح الذي استحل به الفرج. وهذا قول مجاهد، وابن زيد. وثالثها: أنّه قول النبي ﷺ: «أخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بكلمة الله». وهذا قول عكرمة، والربيع. وزاد ابن عطية (٢‏/‏٥٠٥) قولًا رابعًا: أنّ الميثاق الغليظ: الولد. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٤٦) القولَ الأولَ مستندًا إلى ظاهر الكتاب، فقال: «أوْلى هذه الأقوال بتأويل ذلك قولُ من قال: الميثاق الذي عُني به في هذه الآية: هو ما أُخِذَ للمرأة على زوجها عند عقْدِ النكاح مِن عهدٍ على إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقرَّ به الرجل. لأنّ الله -جل ثناؤه- بذلك أوصى الرجالَ في نسائهم»

وجه ابنُ تيمية (٥‏/‏٩١) تفسير الحسنة بكلمة التوحيد، والسيئة بالشرك، فقال: «فأهل القول الأول قالوه لدخول أعمال البر في التوحيد؛ لأنه عبادة الله بما أمر به، كما قال تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ [البقرة:١١٢]، وقال تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة... ﴾ [إبراهيم:٩١]، فالكلمة الطيبة هي التوحيد، وهي كالشجرة، والأعمال ثمارها في كل وقت، وكذلك السيئة هي العمل لغير الله، وهذا هو الشرك، فالإنسان حارث همام لابد له مِن عمل، ولابد له من مقصود يعمل لأجله، وإن عمل لله ولغيره فهو شِرك، والذنوب من الشرك، فإنها طاعة للشيطان، قال: ﴿إني كفرت بما أشركتموني من قبل﴾ [إبراهيم:٢٢]، ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان﴾ [يس:٦٠]، وفي الحديث: «وشر الشيطان، وشركه»»

انتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٢٠٦) قول ابن عباس من جهةِ ثبوته، ومخالفته اعتقاد أهل الحق، فقال: «وهذا قولٌ يردُّه معتقد أهل الحق والسنة، ولا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلامًا طيِّبًا فإنه مكتوبٌ له، مُتَقَبَّلٌ منه، وله حسناته، وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبَّل مِن كل مَن اتقى الشرك، وأيضًا فإن الكَلِم الطَّيِّب عملٌ صالح». غير أنه التمس له وجْهًا يمكن أن يُصَحَّح عليه، فقال: «وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافعُ للكَلِم. بأن يُتَأَوَّل أنه يزيد في رفْعِه وحُسْنِ موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك إذا تخلَّل أعماله كلمٌ طيِّبٌ وذكر لله كانت الأعمال أشرف، فيكون قوله: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ موعظةً وتذكرةً وحضًّا على الأعمال»

سورة الحجرات — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ نَزَلتْ في ثلاثة نَفَرٍ، وذلك أنّ رسول الله ﷺ بعث سَرِيّةً إلى ناحية أرض تِهامة، وكانوا سبعة وعشرين رجلًا؛ منهم: عُروة بن أسماء السُّلَمي، والحكم بن كيسان المخزومي، وعامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر، وبشير الأنصاري، واستعمَل عليهم المُنذر بن عمرو الأنصاري من النُّقَباء، وكتب صحيفةً ودفعها إلى حَرام بن مِلْحان ليقرأها على العدو، فكان طريقهم على بني سليم، وبينهم وبين النبي ﷺ مُوادعة، ودسّ المنافقون إلى بني عامر بن صعصعة وهم حَرْبٌ على المسلمين: إنّ أصحاب محمد مغرورون، يختلفون من بين ثلاثة وأربعة، فأَرصِدوهم، وهم على بئر مَعُونة. وهو ماء لبني عامر، فسار القومُ ليلًا، وأضلّ أربعةٌ منهم بعيرًا لهم، منهم بشير الأنصاري، فأقاموا حتى أصبحوا، وسار المسلمون حتى أتَوا على بني عامر وهم حول الماء، وعليهم عامر بن الطُّفيل العامري، فدعاهم المُنذر بن عمرو إلى الإسلام، وقرأ عليهم حَرامٌ الصحيفة، فأبَوْا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فلمّا عرفوا أنهم مقتولون قالوا: اللهم، إنّك تعلم أنّ رسولك أرسَلَنا، وإنّا لا نجد مَن يُبلِّغ عنّا رسولك غيرك، فأَقْرِءه منّا السلام، فقد رضينا بحُسْن قضائك لنا. وحمل عامر بن الطُّفيل على حَرامٍ، فطَعنه، فقَتله، وقُتِلَ بقيّتهم غير المنذر بن عمرو، فإنه كان دارِعًا مُقنّعًا، وعُروة بن أسماء السلمي، فقُتل المنذر بعد ذلك، فقالوا لعُروة: لو شئنا لقتلناك، فأنت آمِنٌ؛ فإن شئتَ فارجع إلينا، وإن شئتَ فاذهب إلى غيرنا، فأنت آمِنٌ. قال عرُوة: إني عاهدتُ رسول الله ﷺ ألّا أضع يدي في يد مشرك، ولا أتِّخذه وليًّا. وجعل يحمل عليهم، ويضربونه بِعُرْضِ رِماحهم، ويناشدونه، ويأبى عليهم، فرَمَوه بالنَّبل حتى قتلوه، وأتى جبريلُ النبيَّ ﷺ، فأخبره بحالهم، فنَعاهم النبيُّ ﷺ لأصحابه، وقال: «أرسَل إخوانكم يُقرءونكم السلام، فاستغْفِروا لهم». ووجد الأربعةُ بعيرهم حين أصبحوا، فساروا، فلمّا دنَوا مِن ماء بني عامر لقيَتْهم وليدةٌ لبني عامر، فقالت: أمِن أصحاب محمد أنتم؟ فقالوا: نعم. رجاء أن تُسلم، فقالت: إنّ إخوانكم قد قُتلوا حول الماء، النّجاءَ النّجاءَ، ألا ترون إلى النُّسُور والعِقْبانِ قد تعلّقن بلحومهم! فقال بشير الأنصاري: دونكم بعيرَكم، أنظُر لكم. فسار نحوهم، فرأى إخوانهم مُقتَّلين كأمثال البُدن حول الماء، فرجع إلى أصحابه، فأخبرهم، وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرجع إلى النبي ﷺ، فنخبره الخبر. فقال بشير: لكني لا أرجع -واللهِ- حتى أتغدّى مِن غداء القوم، فأقْرِءوا على النبي ﷺ مِنِّي السلام ورحمة الله. ثم أتاهم، فحمَل عليهم، فناشدوه أن ارجع، فأبى، وحمَل عليهم، فقَتل منهم، ثم قُتِلَ بعد، فرجع الثلاثة يسلون بعيرهم سلًّا، فأتَوا المدينة عند جنوح الليل، فلَقوا رجلين مِن بني سليم جائين مِن عند رسول الله ﷺ، قالوا: مَن أنتما؟ قالا: من بني عامر. لأنهم كانوا قريبًا مِن بني عامر بالمدينة، ولا يشعران بصنيع بنى عامر، فقالوا: هذان مِن الذين قاتلوا إخواننا. فقتلوهما، وسَلبُوهما، ثم دخلوا على النبيِّ ﷺ لِيُخبروه، فوجدوا الخبرَ قد سبق إليه، ثم قالوا: يا نبيَّ الله، غشينا المدينة عند المساء، فلَقِينا رجلين مِن بني عامر، فقتلناهما، وهذا سَلَبهما. فقال النبي ﷺ: «بل هما مِن بني سليم مِن حلفائي، بئس ما صنعتما، هذان رجلان من بني سليم كانا جاءا في أمر الموادعة». فنَزَلتْ فيهم: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يقول: لا تُعجّلوا بقتْل أحد، ولا بأمرٍ؛ حتى تستأمروا النبي ﷺ. فوعظهم في ذلك، وأقبل قوم السُّلميين، فقالوا للنبي ﷺ: إنّ صاحبَيْنا قُتِلا عندك. فقال النبي ﷺ: «إنّ صاحبيكم اعتزيا إلى عدوّنا، فقُتلا جميعًا» وأخبرهم الخبر «ولكنا سنعقل عن صاحبيكم؛ لكل واحد منهما مائة من الإبل». فجعل دية المُشرك المُعاهد كدية الحُرّ المسلم

سورة الرعد — الآية ١٣

سُئِل الحسن، عن قوله عز وجل: ﴿ويرسل الصواعق﴾ الآية، قال: كان رجلٌ مِن طواغيت العرب بعث إليه النبيُّ ﷺ نفرًا يدعونه إلى الله ورسوله. فقال لهم: أخبِروني عن ربِّ محمد هذا الذي تدعونني إليه مِمَّ هو؟ مِن ذهب، أو فضة، أو حديد، أو نحاس؟ فاسْتَعْظَمَ القومُ مقالتَه، فانصرفوا إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلًا أكفر قلبًا ولا أعْتى على الله مِنه؟ فقال: «ارجعوا إليه». فرجعوا إليه، فجعل لا يزيدُهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أُجيبُ محمدًا إلى ربٍّ لا أراه ولا أعرفه. فانصرفوا، وقالوا: يا رسول الله، ما زادَنا على مقالته الأولى وأَخْبَث. فقال: «ارجعوا إليه». فرجعوا، فبينما هم عنده يُنازِعونه ويدعونه، وهو يقول هذه المقالة؛ إذ ارتفعت سحابة، فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت، وبرقت، ورَمَتْ بصاعقة، فاحترق الكافرُ، وهم جلوس، فجاؤوا يَسْعَوْن ليخبروا رسول الله ﷺ، فاستقبلهم قومٌ مِن أصحاب النبي ﷺ، فقالوا لهم: احترق صاحبُكم. فقالوا: مِن أين علمتم؟ فقالوا: أوحى اللهُ إلى النبي ﷺ: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله﴾

سورة الأعراف — الآية ١٧٢

عن أبي سعيد الخدري -من طريق أبي هارون العبدي- قال: حَجَجْنا مع عمر بن الخطاب، فلمّا دخل الطوافَ استقبَل الحجر، فقال: إنِّي أعلمُ أنّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله ﷺ قبَّلك ما قبَّلْتُك. ثم قبَّله، فقال له علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، إنه يضرُّ وينفع. قال: بِمَ؟ قال: بكتاب الله عز وجل. قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال: قال الله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ إلى قوله: ﴿بلى﴾. خلق الله آدم، ومسَح على ظهره، فقرَّرهم بأنه الربُّ، وأنهم العبيد، وأخَذ عهودَهم ومواثيقَهم، وكَتَب ذلك في رَقٍّ، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افْتَحْ فاك. ففَتَح فاه، فألقَمه ذلك الرَّقَّ، فقال: اشْهَد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة. وإنِّي أشهدُ لَسَمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يُؤْتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسانٌ ذُلَقٌ، يشهدُ لمن يستلِمُه بالتوحيد». فهو -يا أمير المؤمنين- يَضُرُّ وينفع. فقال عمر: أعوذُ بالله أن أعيشَ في قومٍ لستَ فيهم، يا أبا حسن

علَّقَ ابن عطية (١‏/‏٣٠٠-٣٠١ بتصرف) على القراءتين، وبيَّن ما يترتب عليهما، فقال: «وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى (الملِكين) بكسر اللام، قال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضا فـ(ما) نافية، وقال الحسن: هما عِلْجان كانا ببابل ملكين، فـ(ما) على هذا القول غير نافية. وهارُوتَ ومارُوتَ بدل من ﴿المَلَكَيْنِ﴾ على قول من قال: هما ملَكان، ومن قرأ (ملِكين) بكسر اللام وجعلهما داود وسليمان أو جعل المَلَكين جبريل وميكائل، جعل هارُوتَ ومارُوتَ بدلًا من ﴿الشَّياطِينُ﴾ في قوله: ﴿ولكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾، وقال: هما شيطانان، ويجيء ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ إما على أن الاثنين جمع، وإما على تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس، ومن قال كانا عِلْجَيْن قال: ﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ بدل من قوله: ﴿المَلَكَيْنِ﴾، وقيل: هما بدل من ﴿النّاسَ﴾ في قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾». وعلَّقَ ابن كثير (١‏/‏٥٢٢) على هذا القول مُبَيِّنًا ما استندوا إليه من نظائر القرآن والسنّة، فقال: «ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله: ﴿وما أُنزلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر:٦]، ﴿وأَنزلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، ﴿ويُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣]. وفي الحديث: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء». وكما يقال: أنزل الله الخير والشر»

سورة النساء — الآية ٨

عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾، يقول: عِدَةً حسنة. يقول: إن كان الورثةُ صِغارًا فليقُل أولياءُ أولئك الورثة لهؤلاء الذين لا يَرِثون من قرابة الميت واليتامى والمساكين: إنّ هؤلاء الورثة صغار، فإذا بلغوا العقل أمرناهم أن يعرفوا حقَّكم، فيه وصيَّةُ ربهم، فإن مات قبل ذلك فوَرَثَتُهم أعطتكم حقَّكُم. فهذا القول المعروف

سورة المعارج — الآية ٢٢

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إلّا المُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾، قال: ذُكر لنا: أنّ دانيال نَعتَ أُمّة محمد ﷺ، فقال: يُصَلُّون صلاة لو صَلّاها قوم نوح ما أُغرقوا، أو عاد ما أُرسلتْ عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتْهم الصّيحة. قال قتادة: فعليكم بالصلاة؛ فإنها خُلُقٌ من أخلاق المؤمنين حسن