وجَّه ابنُ عطية (١‏/‏٤٩٥) معنى الآية على هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، والحسن، وعكرمة، وعطاء، والسدي، وقتادة، وإبراهيم، ومجاهد من طريق أبي نجيح، وغيرهم، فقال: «فمعنى الآية: كل ذلك مباح، وعبَّر عنه بهذا التقسيم اهتمامًا وتأكيدًا، إذْ كان من العرب من يذُمُّ المتعجِّل، وبالعكس، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك»

بيَّن ابن تيمية (٢‏/‏١٨٩) أن مَن قال: إنها نزلت في النجاشي، يوافق قوله قول من قال: نزلت فيه وفي أصحابه. فقال: «وهذه الآية قد قال طائفة من السلف: إنها نزلت في النجاشي، ويروى هذا عن جابر وابن عباس وأنس. ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه؛ كما قال الحسن وقتادة، وهذا مراد الصحابة، ولكن هو المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع لم يرد بها واحد»

ذكر ابنُ جرير (٧‏/‏١٠٥) في تفسير قوله: ﴿غير مسمع﴾ مثل ما جاء في قول مقاتل عن الحسن ومجاهد. ثُمَّ استدرك عليه من جهة اللغة قائلًا: «ولو كان ذلك معناه لقيل: واسمع غير مسموع. ولكن معناه: واسمع لا تسمع». ووافق ابنُ عطية (٢‏/‏٥٧٢) ابنَ جرير في نقده، ومستنده، حيث قال: «ومَن قال: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾: غير مقبول منك. فإنّه لا يساعده التصريف»

ذكر ابنُ كثير (٦‏/‏٤٢٣-٤٢٤) هذا الأثر من رواية الإمام أحمد، ثم قال مُعَلِّقًا: «وهكذا رواه ابنُ ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان به. وأخرجه أبو داود، عن موسى ابن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نعامة -واسمه: قيس ابن عباية الحنفي البصري-، وهو إسناد حسن لا بأس به»

قال ابنُ عطية (٧‏/‏١٣٣ بتصرف): «أجمع الناسُ على أن ذلك لا يجوز، إلا ما روي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف أنهم قالوا: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز. فليس في قولهم إلا تجويز العبارة بلفظة الهبة، وإلا فالأفعال التي اشترطوها هي أفعال النكاح بعينه». وقال ابنُ تيمية (٥‏/‏٢٥٣): «ليس هذا لغيره باتفاق المسلمين»

علَّق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٠٠) على هذا القول الذي قاله قتادة، وابن زيد، والحسن، فقال: «وقول قتادة لطيف المعنى جدًّا، وحاصله أنه يقول في معناه: إنّه تعالى من لطفه ورحمته بخلْقه لا يترك دعاءهم إلى الخير والذّكر الحكيم -وهو القرآن-، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر به ليهتدي مَن قَدّر هدايته، وتقوم الحجة على مَن كَتب شقاوته»

اختلف في معنى: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنه عنى الوصية للمشرك من ذوي الأرحام. الثاني: أنه عنى الوصية للحلفاء الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار. الثالث: أنه عنى الوصية إلى الأولياء من المهاجرين. ورجَّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٢١) مستندًا إلى الدلالة العقلية: «أن يُقال: معنى ذلك: إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين كان رسول الله ﷺ آخى بينهم وبينكم من المهاجرين والأنصار معروفًا مِن الوصية لهم، والنُّصرة والعَقْل عنهم، وما أشبه ذلك؛ لأن كل ذلك من المعروف الذي قد حثَّ الله عليه عباده». وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترت هذا القول وقلتُ: هو أولى بالصواب مِن قيل مَن قال: عُنِيَ بذلك: الوصية للقرابة مِن أهل الشرك. لأن القريب من المشرك -وإن كان ذا نسب- فليس بالمولى، وذلك أن الشرك يَقْطَع ولاية ما بين المؤمن والمشرك، وقد نهى الله المؤمنين أن يتخذوا منهم وليًّا بقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة:١]، وغير جائزٍ أن ينهاهم عن اتخاذهم أولياء ثم يصفهم -جلَّ ثناؤه- بأنهم لهم أولياء». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٩٣) أن المعنى: «الإحسان في الحياة، والصِّلة والوصية عند الموت». ونسبه إلى قتادة، والحسن، وعطاء، وابن الحنفية، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا كله جائزٌ أن يُفعَل مع الوليّ على أقسامه، والقريب الكافر يوصى له توصية». وعلَّق على القول بكونها في المؤمنين بقوله: «ولفظ الآية يعضد هذا المذهب». ثم ذكر أن تعميم لفظ (الوليّ) أيضًا حسنٌ، وعلَّل ذلك بقوله: «إذ ولاية النسب لا تدفع الكافر، وإنما تدفع أن يلقى إليه بالمودة كوليّ الإسلام، والكتابي الذي ينتظر ذلك فيه يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا»

سورة المائدة — الآية ٦

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يتوضأ للصلاة، فيمضمض إلّا خرج مع قطر الماء كلُّ سيئة تكلم بها لسانه، ولا يستنشق إلا خرج مع قطر الماء كلُّ سيئة وجد ريحها بأنفه، ولا يغسل وجهه إلا تَناثَر من عينيه مع قطر الماء كلُّ سيئة نظر اليها بهما، ولا يغسل شيئًا من يديه إلا خرج مع قطر الماء كلُّ سيئة بطش بهما، ولا يغسل شيئًا من رجليه إلا خرج مع قطر الماء كلُّ سيئة مشى بهما إليها، فإذا خرج إلى المسجد كُتِب له بكل خطوة خطاها حسنة، ومُحي بها عنه سيئة، حتى يأتي مقامه»

سورة الرعد — الآية ٢٩

قال مقاتل بن سليمان: قوله: ثم أخبر بثوابهم، فقال: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم﴾، يعني: حُسْنى لهم، وهي بلغة العرب. وطوبى: شجرة في الجنة، لو أنّ رجلًا ركب فَرَسًا أو نَجِيبَةً، وطاف على ساقها؛ لم يبلغ المكانَ الذي ركب منه حتى يقتله الهَرَم، ولو أنّ طائرًا طار مِن ساقها لم يبلغ فرعها حتى يقتله الهرم، كلُّ ورقة منها تُظِلُّ أُمَّةً مِن الأمم، على كل ورقة منها مَلَك يذكر الله تعالى، ولو أنّ ورقة منها وُضِعَتْ في الأرض لأضاءت الأرضَ نورًا كما تضيء الشمسُ، تحمل هذه الشجرة لهم ما يشاءون مِن ألوان الحُلِيِّ والثمار غير الشراب

سورة الأنعام — الآية ١٦٠

عن الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تميم، قال: كُنّا على باب معاوية ومعنا أبو ذر، فذكَر أنّه صائم، فلمّا دخلنا وُضِعَت الموائد، جعلَ أبو ذر يأكُلُ، فنظَرتُ إليه، فقال: ما لك؟ قلتُ: ألم تُخبِر أنّك صائم؟ قال: بلى، أقرَأتَ القرآن؟ قلتُ: نعم. قال: لعلَّك قرأتَ المفردة منه، ولم تقرَأ المضعَّف؛ ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾. ثم قال: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: «صوم شهر الصبر، وثلاثة من كلِّ شهر -حسبتُه قال: صومُ الدهر-، يُذهبُ مَغْلَةَ الصدر». قلت: وما مَغْلَةُ الصدر؟ قال: «رِجزُ الشيطان»