عن يحيى بن بشر، قال: قال لي عكرمة مولى ابن عباس: يا أبا وهب، أرأيتَ لو أنّ مُحَدِّثًا حَدَّثك أنّ مقدم سريرِ سليمان كان أسدًا مِن ذهب، وأعلاه عقاب مِن ذهب، فكان سليمان يجيء إلى السرير، فإذا دنا من الأسد يبسط يده، فيضع سليمانُ قدمَه، فيدفعه الأسد إلى العقاب، ويقول العقاب بجناحها، فيضع سليمان قدمه على العقاب، فيدفعه إلى سريره، والعقاب من ذهب، فإذا جلس وكَّل الله به طائرًا صغارًا ينثرن عليه الطِّيب، ولها صفائر وأصوات حسنة، فإذا صَوَّتْنَ وصَفَّرْن سمع أهلُ مصر أصواتَها؛ علِموا أنّ نبي الله عليه السلام جلس في مجلسه، فيجيء الجنُّ والانس، فيأخذون مجالسهم، أكنت مصدِّقًا له؟ قلت: نعم. قال: فإنّ ذلك كان
عن أنس: أنّ النبيَّ ﷺ أنزل أُمَّ إبراهيم مَنزل أبي أيوب، قالت عائشة: فدخل النبيُّ ﷺ بيتها يومًا، فدخل خَلْوة، فأصابها، فحَمَلتْ بإبراهيم. قالت عائشة: فلمّا استبان حَمْلُها فزِعتُ مِن ذلك، فسكَتَ رسول الله ﷺ حتى ولدَتْ، فلم يكُن لأُمّه لبنٌ، فاشترى له ضائِنَةً يُغَذّى منها الصّبي، فصلَح عليه جسمه، وحسُن لحمه، وصفا لونه، فجاء به ذات يوم يَحمله على عُنُقه، فقال: «يا عائشة، كيف تَريْن الشّبه؟». فقلتُ وأنا غَيْرى: ما أرى شَبَهًا. فقال: «ولا اللحم؟». فقلتُ: لَعَمري لَمَن يُغذّى بألبان الضَّأْن لَيَحسُن لحْمُه. قال: فجَزِعتْ عائشة وحفصة من ذلك، فعاتَبتْه حفصةُ، فحرّمها، وأفشى إليها سِرًّا، فأَفشتْ إلى عائشة؛ فنَزلت آيةُ التحريم، فأَعتق رسول الله ﷺ رقبة
اختُلِف في المعنيّ بالخطاب في قوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ على قولين: الأول: عامٌّ للمؤمنين والكافرين. الثاني: خاصٌّ بالكافرين. واختُلِف في الورود على أقوال: الأول: الدخول. الثاني: الحضور. الثالث: ورود المسلمين: المرور على الجسر، وورود المشركين: دخولها. الرابع: ورود المؤمن إليها: ما يصيبه من الحمّى في الدنيا. الخامس: الممر عليها، ثم يصدر الناس بأعمالهم. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٦٠١) مستندًا إلى السنة القولَ الأخير الذي قاله ابن مسعود من طريق مُرَّة، وابن عباس من طريق مجاهد، وجابر بن عبدالله، والحسن من طريق المبارك، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: يَرِدُها الجميعُ ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار. وورودُهموها: هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناجٍ مُسَلَّم، ومُكَدَّس فيها»
اختُلف في معنى: ﴿إرَمَ﴾ على أقوال: الأول: أنها اسم بلدة، واختُلف في تعيينها على قولين: أحدهما: الإسكندرية. ثانيهما: دمشق. الثاني: عُنِيَ بها: أُمّة. الثالث: القديمة. الرابع: أنها قبيلة من عاد. الخامس: هو جَدُّ عادٍ. السادس: الهالك. وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٣٤٣) على القول الرابع -وهو قول قتادة، والسُّدِّيّ- بقوله: «وهذا قول حسن جيد قوي». وذكر ابنُ جرير (٢٤/٣٦٤) -مستندًا إلى اللغة- أنّ الصواب «أن يقال: إنّ إرَم إمّا اسم بلدةٍ كانت عاد تسكنها، فلذلك رُدَّتْ على عادَ على الإتباع لها، ولم تُجْرَ مِن أجل ذلك، وإمّا اسم قبيلة فلم تُجْرَ أيضًا كما لا تُجْرى أسماء القبائل كتميم وبكر وما أشبه ذلك إذا أرادوا به قبيلةً». وانتقده ابنُ كثير (١٤/٣٤٥) -مستندًا إلى السياق- قائلًا: «وقول ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إرم﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تُصرف. فيه نظر؛ لأنّ المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: ﴿وثَمُودَ الذيْنَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾، يعني: يقطعون الصخر بالوادي». ورجَّح ابنُ جرير -مستندًا إلى القراءات- القول الرابع، وهو قول قتادة، فقال: «وأشبه الأقوال فيه بالصواب عندي: أنها اسمُ قبيلةٍ من عاد، ولذلك جاءت القراءة بتَرْك إضافة عاد إليها، وتَرْكِ إجرائها، كما يقال: ألم تَر ما فعل ربّك بتميم نهشل. فتُرِك نهشل -وهي قبيلةٌ- فتُرِك إجراؤها لذلك، وهي في موضع خفضٍ بالرَّد على تميمَ، ولو كانت»إرم«اسمَ بلدة أو اسمَ جدٍّ لعادٍ لجاءت القراءة بإضافة عادَ إليها، كما يقال: هذا عمرو زبيد، وحاتم طيئ، وأعشى هَمْدان، ولكنها اسم قبيلةٍ منها فيما أرى كما قال قتادة، والله أعلم، فلذلك أجمعت القرأة فيها على ترك الإضافة وترك الإجراء». وانتقد ابنُ جرير (٢٤/٣٦٤) القول الثالث -وهو قول مجاهد- -مستندًا إلى اللغة- بأنه «قولٌ لا معنى له؛ لأنّ ذلك لو كان معناه لكان مخفوضًا بالتنوين، وفي تَرْك الإجراء الدليل على أنه ليس بنعتٍ ولا صفةٍ». وانتقد ابنُ عطية (٨/٦٠٧) مَن عيَّن البلدة بالإسكندرية أو دمشق قائلًا: «وهذان القولان ضعيفان». ووافقه ابنُ كثير (١٤/٣٤٤) -مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية- فقال: «ومَن زعم أنّ المراد بقوله: ﴿إرم ذات العماد﴾ مدينة إمّا دمشق، كما رُوي عن سعيد بن المسيّب، وعكرمة، أو إسكندرية كما روي عن القُرَظيّ أو غيرهما، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ إن جُعل ذلك بدلًا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المُسمّاة بعاد، وما أحلّ الله بهم من بأسه الذي لا يُردُّ، لا أنّ المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم»
عن عبد الله بن عباس -من طريق جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جبير-: أنّ أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبيِّ ﷺ، فشهدوا معه أُحُدًا، فكانت فيهم جراحات، ولم يُقتل منهم أحد، فلمّا رَأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا: يا رسول الله، إنّا أهل مَيسرة؛ فائذن لنا نجيء بأموالنا نُواسي بها المسلمين. فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٢-٥٤] فجعل لهم أجرين، قال: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص:٥٤] قال: تلك النّفقة التي واسَوا بها المسلمين، فلما نَزَلَتْ هذه الآية قالوا: يا معشر المسلمين، أمّا مَن آمن منّا بكتابكم فله أجران، ومَن لم يؤمن بكتابكم فله أجرٌ كأجوركم. فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فزادهم النور والمغفرة
عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرةَ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: بينما النبيُّ ﷺ بالرَّوْحاء إذ هبط عليه أعرابيٌّ مِن سَرِفٍ، فقال: مَن القومُ؟ وأين تُريدون؟ قيل: بدرًا مع النبيِّ ﷺ. قال: ما لي أراكم بذَّةً هيئتُكم، قليلًا سلاحُكم؟ قالوا: ننتظرُ إحدى الحسنيين؛ إما أن نُقتل فالجنةُ، وإما أن نَغْلِب فيجمعهما الله لنا؛ الظَّفَر، والجنة. قال: أين نبيُّكم؟ قالوا: ها هو ذا. فقال له: يا نبيَّ اللهِ، ليست لي مَصْلحةٌ، آخُذُ مَصْلَحتي ثم ألحق. قال: «اذهبْ إلى أهلك، فخذ مَصْلَحَتَك». فخرج رسول الله ﷺ يوم بدرٍ، وخرج الرجلُ إلى أهله، حتى فرغ من حاجته، ثم لحق بهم ببدرٍ، فدخل في الصفِّ معهم، فاقتتل الناسُ، فكان في مَن استُشهد، فقام رسولُ الله ﷺ بعد أن انتصر، فمرَّ بين ظهراني الشهداء ومعه عمرُ، فقال: «ها يا عمر، إنّك تُحِبُّ الحديثَ، وإنّ للشهداء سادةً وأشرافًا وملوكًا، وإنّ هذا -يا عمرُ- منهم»
عن الحسن وغيره -من طُرُق- عن عمران بن حصين، قال: لَمّا نزلت: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ إلى قوله: ﴿ولكن عذاب الله شديد﴾ أُنزِلت عليه هذه وهو في سفر، فقال: «أتدرون أيَّ يوم ذلك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: مِن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدًا إلى الجنة». فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ:«قارِبوا وسدِّدوا؛ فإنها لم تكن نُبُوَّة قطُّ إلا كان بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تَمَّت والا أُكْمِلت من المنافقين، وما مثلكم إلا كمثل الرَّقْمَةِ في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير». ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة». فكبَّروا، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة». فكبروا، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة». فكبَّروا. قال: ولا أدري، قال: الثلثين أم لا؟
اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿لكل أجل كتاب﴾ على قولين: الأول: لكل أجل مِن آجال الخلق كتاب عند الله. قاله الحسن. الثاني: أنّه مِن المقدم والمؤخر، والمعنى: لكل كتاب ينزل من السماء أجل. قاله الضحاك، ومقاتل. ونقل ابنُ جرير (١٣/٥٥٩) قول الضحاك، ثم وجَّهه بقوله: «وهذا على هذا القول نظير قول الله: ﴿وجَآءت سكرة الموت بالحق﴾ [ق:١٩]، وكان أبو بكر رضي الله عنهما يقرؤه: (وجَآءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ)، وذلك أنّ سكرة الموت تأتي بالحق، والحق يأتي بها، فكذلك الأجل له كتاب، وللكتاب أجل». ونقله ابنُ عطية (٥/٢١١-٢١٢) عن الضحاك، والفراء، ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية بقوله: «وهذا العكس غير لازم، ولا وجه له؛ إذ المعنى تامٌّ في ترتيب القرآن، بل يمكن هدم قولهما بأنّ الأشياء التي كتبها الله تعالى أزلية باقية كتنعيم أهل الجنة وغيره يوجد كتابها ولا أجل له»
عن سعيد بن يزيد أبي مَسْلَمة، قال: سألت جابر بن زيد عن إطعام المسكين في كفارة اليمين، فقال: أكلة، قلت: فإنّ الحسن يقول: مكُّوك بُرٍّ، ومكُّوك تمر، فما ترى في مكُّوك بُرٍّ؟ فقال: إن مكُّوك بُرٍّ لا، أو مكوك تمر لا. قال يعقوب: قال ابن عُلَيَّة: وقال أبو مَسْلَمة بيده، كأنّه يراه حسنًا، وقلّب أبو مَسْلَمة يدَه
عن سعيد بن يزيد أبي مَسْلَمة، قال: سألتُ جابر بن زيد عن إطعام المسكين في كفارة اليمين، فقال: أكلة، قلتُ: فإنّ الحسن يقول: مكُّوك بر، ومكُّوك تمر، فما ترى في مكُّوك بُرٍّ؟ فقال: إن مكُّوك بُرٍّ لا، أو مكوك تمر لا. قال يعقوب: قال ابن علية: وقال أبو مَسْلَمة بيده، كأنه يراه حسنًا، وقلَّب أبو مَسْلَمة يده