سورة المائدة — الآية ١٠١

عن عبد الله بن مالك بن بُحَينة، قال: صلّى رسول الله ﷺ على أهل المقبرة ثلاثَ مرات، وذلك بعدَ نزول هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾. فأسكَت القومُ، فقام أبو بكرٍ، فأتى عائشةَ، فقال: إنّ النبي ﷺ قد صلّى على أهل المقبرةِ، فسَليه. فقالت عائشة: صلَّيتَ على أهل المقبرة؟ فقال رسول الله ﷺ: «تلك مقبرةٌ بعَسقَلانَ، يُحشَرُ منها سبعونَ ألفَ شهيد»

ذكر ابن كثير (١٣‏/‏١٨٠-١٨١) أنه أثر غريب لا يصحّ سنده عن ابن عباس، وقال: «والذي رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ق﴾ قال: هو اسم من أسماء الله عز وجل. والذي ثبت عن مجاهد: أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله: (ص، ن، حم، طس، الم) ونحو ذلك. فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ على أقوال: الأول: وقصر مجصص. الثاني: وقصر رفيع طويل. الثالث: المشيد: الحصين. ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٥٩٤) مستندًا إلى اللغة القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، فقال: «وذلك أن الشيد في كلام العرب: هو الجصّ بعينه». ثم وجَّه، فقال: «وقد يجوز أن يكون معنيًا بالمشيد: المرفوع بناؤه بالشيد. فيكون الذين قالوا: عني بالمشيد: الطويل؛ نَحَوا بذلك إلى هذا التأويل». وذكر (١٦‏/‏٥٩٥) أن بعض أهل العلم بلغات العرب فسر المشيد بمعنى: المزيَّن بالشِّيد من: شِدْتُه أشيده: إذا زيَّنته به. وعلَّق عليه بقوله:«وذلك شبيه بمعنى من قال: مجصص». ورأى ابنُ كثير (١٠‏/‏٧٩) تقارب الأقوال، فقال: «وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يَحْمِ أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال تعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]»

سورة النساء — الآية ٩٥

من طريق عبد الله بن رافع، قال: قدم هارون الرشيد المدينة، فوجه البَرْمَكِيُّ إلى مالك، وقال له: احمل إلَيَّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك. فقال للبرمكي: أقرئه السلام، وقل له: إنّ العلم يُزار ولا يزور، وإنّ العلم يُؤْتى ولا يأتي. فرجع البرمكي إلى هارون، فقال له: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهلَ العراق أنّك وجهت إلى مالك فخالفك، اعزم عليه حتى يأتيك. فإذا بمالك قد دخل، وليس معه كتاب، وأتاه مُسَلِّمًا، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله جعلك في هذا الموضع لعلمك، فلا تكن أنت أول من يضع العلم فيضعك الله، ولقد رأيت مَن ليس في حسبك ولا بيتك يُعِزُّ هذا العلمَ ويُجِلَّه، فأنت أحرى أن تُعِزَّ وتُجِلَّ علمَ ابنِ عمك. ولم يزل يُعَدِّد عليه من ذلك حتى بكى هارون، ثم قال: أخبرني الزهري، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد بن ثابت: كنت أكتب بين يدي النبي ﷺ في كتف: (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ). وابن أم مكتوم عند النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، قد أنزل الله في فضل الجهاد ما أنزل، وأنا رجل ضرير، فهل لي من رخصة؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا أدري». قال زيد بن ثابت: وقلمي رَطْبٌ ما جَفَّ، حتى غشِي النبي ﷺ الوحيُ، ووقع فخِذه على فخِذي حتى كادت تُدَقُّ من ثقل الوحي، ثم جُلِيَ عنه فقال لي: «اكتب، يا زيد: ﴿غير أولي الضرر﴾». فيا أمير المؤمنين، حرف واحد بعث به جبريل والملائكة عليهم السلام من مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه ﷺ، فلا ينبغي لي أن أُعِزَّه وأُجِلَّه؟!

سورة آل عمران — الآية ٩٠

عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- قوله: ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾، قال: تَمُّوا على كفرهم، قال ابن جريج: ﴿لن تقبل توبتهم﴾، يقول: إيمانهم أول مرة لن ينفعهم

علَّق ابن عطية (٥‏/‏٥٣٧) على قول ابن مسعود بقوله: «أراد ابن مسعود بتلاوة الآية أن يُبدي أنّ الأمر جائز الوقوع؛ ليظهر مصداق خبره من كتاب الله عز وجل»

سورة المائدة — الآية ١١٦

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ يعني: بني إسرائيل في الدنيا: ﴿اتَّخِذُونِي وأُمِّي﴾ مريم ﴿إلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ فنَزَّه الرب عز وجل أن يكون أمرهم بذلك، فقال: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ يعني: ما ينبغي لي ﴿أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ يعني: بعدل أن يعبدوا غيرك، ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ﴾ لهم ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي﴾ يعني: ما كان مني وما يكون، ﴿ولا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ يقول: ولا أطلع على غيبك. وقال أيضًا: ﴿ولا أعْلَمُ﴾ ما في علمك، ما كان منك وما يكون، ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ يعني: غيب ما كان، وغيب ما يكون، ... وإنما قال الله عز وجل: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ولم يقل: وإذ يقول يا عيسى ابن مريم. لأنّه قال سبحانه قبل ذكر عيسى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾. قالوا يومئذ -وهو يوم القيامة- حين يفرغ من مخاصمة الرسل، فينادي: أين عيسى ابن مريم؟ فيقوم عيسى ﷺ شَفِقٌ فَرِقٌ، يَرْعُد رِعْدةً حتى يقف بين يدي الله عز وجل: يا عيسى ﴿أأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، فلما دخلوا الجنة قال: ﴿ونادى أصحابُ النّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، فنسق بالماضي على الماضي والمعنى مستقبل، ولو لم يذكر الجنة قبل بدئهم بالكلام الأول لقال في الكلام الأول: وينادي أصحاب الجنة أصحاب النّار. وكل شيء في القرآن على هذا النحو. ثم قال عيسى ﷺ لربه عز وجل في الآخرة: يا ربِّ، غبتُ عنهم، وتركتهم على الحق الذي أمرتني به، فلم أدرِ ما أحدثوا بعدي

سورة يوسف — الآية ٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات﴾ يعني: علامات ﴿للسائلين﴾، وذلك أنّ اليهود لَمّا سمِعُوا ذكر يوسف عليه السلام مِن النبي ﷺ؛ منهم: كعب بن الأشرف، وحُيَيّ وجُدَيّ ابنا أخطب، والنُّعْمان بن أوْفى، وعمرو، وبَحِيرا، وغزال بن السَّمَوْأَل، ومالك بن الضَّيْف، فلم يُؤْمِن بالنبيِّ ﷺ منهم غيرُ جبرٍ غلامِ ابنِ الحَضْرَمِيِّ، ويسارٍ أبو فُكَيْهة، وعدّاس، فكان ما سمِعوا من النبي ﷺ مِن ذكر يوسف وأمره ﴿آيات للسائلين﴾، وذلك أنّ اليهود سألوا النبيَّ ﷺ عن أمر يوسف، فكان ما سَمِعوا علامةً لهم، وهُمُ السّائِلون عن أمر يوسف عليه السلام، وكان يوسفُ قد فضل في زمانه بحُسْنِه على الناس كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٣١٢ بتصرف): «قوله: ﴿يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾ معناه: عامًا من الأعوام، وليس يريد أنّ تلك مداولة في الشهر بعينه؛ عام حلال وعام حرام. وقد تأوَّل بعضُ الناس القصةَ: أنّهم كانوا إذا شقَّ عليهم توالي الأشهر الحُرُم أحلّ لهم المحرم وحرّم عليهم صفر بدلًا منه، ثم مشت الشهور مستقيمة على أسمائها المعهودة، فإذا كان مِن قابل حرّم المحرم على حقّه وأحلّ صفر، ومشت الشهور مستقيمة. ورأت هذه الطائفةُ أنّ هذه كانت حالة القوم. والذي قدّمناه قبلُ ألْيَقُ بألفاظ الآيات، وقد بَيَّنه مجاهد، وأبو مالك، وهو مقتضي قول النبي ﷺ: «إنّ الزمان قد استدار...». مع أنّ هذا الأمر كله قد تقضّى، والله أعلم أيَّ ذلك كان»

نقل ابن عطية (١‏/‏١٨٣) أنه «وروي عن ابن عباس أيضًا: أنها شجرة العلم، فيها ثمر كل شيء». ثم انتقده لعدم ثبوته قائلًا: «وهذا ضعيف لا يصح عن ابن عباس»