رجَّحَ ابنُ جرير (٨/٣٩-٤٠ بتصرف) مستندًا إلى الإجماع ودلالة العقل قولَ ابن زيد هذا، وما ماثله من قول ابن عباس، وقتادة، والسدي، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصِّحَّة قَوْلُ مَن قال: نَسَخَ الله من هذه الآية قولَه: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾؛ لإجماع الجميع على أنّ الله قد أحَلَّ قتال أهل الشِّرْك في الأشهر الحُرُم وغيرِها مِن شهور السَّنة كُلِّها، وكذلك أجمعوا على أنّ المشرك لو قَلَّد عُنُقَه أو ذراعَيْه لِحاءَ جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانًا مِن القتل إذا لم يكن تَقَدَّمَ له عَقْدُ ذِمَّةٍ من المسلمين أو أمانٌ. وأمّا قوله: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ فإنه مُحْتَمَلُ ظاهرِه: ولا تُحِلُّوا حُرْمَةَ آمِّينَ البيتَ الحرامَ مِن أهلِ الشِّرْكِ والإسلام؛ لِعُمُومِ جميع مَن أمَّ البيتَ. وإذا احْتَمَلَ ذلك -فكان أهلُ الشِّركِ داخلين في جُمْلَتهم- فلا شكَّ أنّ قوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسِخٌ له؛ لأنّه غيْرُ جائِزٍ اجْتِماعُ الأَمْرِ بِقَتْلِهِم وتَرْكِ قَتْلِهِم في حال واحدة ووَقْت واحد. وفي إجماع الجميع على أنّ حُكْمَ الله في أهل الحرب مِنَ المشركين قتْلُهُم، أمُّوا البيتَ الحرامَ أو البيتَ المُقَدَّسَ في أشهر الحُرُم وغيرِها، ما يُعْلَمُ أنّ المنعَ مِن قتلهم إذا أمُّوا البيتَ الحرامَ منسوخٌ، ومُحْتمِلٌ أيضًا: ولا آمِّين البيت الحرام من أهل الشِّركِ، وأكثر أهل التَّأويل على ذلك. وإن كان عُنِيَ بذلك المشركون مِن أهل الحرب، فهو أيضًا لا شَكَّ منسوخٌ. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر، وكان ما كان مُسْتَفِيضًا فيهم ظاهرَ الحُجَّةِ؛ فالواجبُ -وإنِ احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا- التَّسليمُ لِما استفاض بصحته نقلهم». وذَهَبَ إلى النسخ أيضًا ابنُ عطية (٣/٨٩) مستندًا إلى زمن النزول والدلائل العقلية، فقال: «فكُلُّ ما في هذه الآية مما يُتَصَوَّر في مسلم حاجٍّ فهو مُحْكَم، وكل ما كان منها في الكفار فهو منسوخ». ثم قال: «وهذه الآية اسْتِئْلافٌ مِن الله تعالى للعَرَب، ولُطْفٌ بهم؛ لِتَنبَسِط النفوس، ويَتَداخل الناس، ويَرِدُون الموسم فيسمعون القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم، وتقوم عندهم الحجة كالذي كان. وهذه الآية نزلت عام الفتح، ونسخ الله تعالى ذلك كله بعد عام سنة تسع إذ حج أبو بكر، ونودي الناس بسورة براءة»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، يعني: الوليد بن المُغيرة المخزومي، كان يُسمّى: الوحيد في قومه، وذلك أنّ الله عز وجل أنزل على النبي ﷺ: ﴿حم، تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ. غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلهَ إلّا هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [غافر:١-٣، فلما نزلت هذه الآية قام النبيُّ ﷺ في المسجد الحرام، فقرأها، والوليد بن المُغيرة قريبًا منه يستمع إلى قراءته، فلمّا فَطِن ﷺ أنّ الوليد بن المُغيرة يَستمع إلى قراءته أعاد النبيُّ ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ﴾ إلى قوله: ﴿لا إلهَ إلّا هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾... فلمّا سمعها الوليد انطلَق حتى أتى مجلس بني مخزوم، فقال: واللهِ، لَقد سمعتُ مِن محمد كلامًا آنفًا ما هو مِن كلام الإنس، ولا مِن كلام الجنّ، وإنّ أسفله لَمُغدِق، وإنّ أعلاه لَمُونقٌ، وإنّ له لَحلاوة، وإنّ عليه لَطُلاوة، وإنه لَيَعلو وما يُعلى. ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صَبأ الوليد، واللهِ، لئن صَبأ لتَصبونّ قريش كلّها. وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فانطلَق أبو جهل حتى دَخل على الوليد، فقعد إليه كَشَبَه الحزين، فقال له الوليد: ما لي أراك -يا ابن أخي- حزينًا؟ فقال أبو جهل: ما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يَجمعون لك نفقةً لِيُعينوك على كِبَرك، ويزعمون أنك إنما زَيّنتَ قول محمد لِتُصيب مِن فضل طعامه. فغضب الوليدُ عند ذلك، وقال: أوَليس قد عَلمتْ قريشٌ أني مِن أكثرهم مالًا وولدًا، وهل يَشبع محمدٌ وأصحابُه مِن الطعام فيكون لهم فضل؟ فقال أبو جهل: فإنهم يزعمون أنك إنما زَيّنتَ قول محمد من أجل ذلك. فقام الوليد، فانطلَق مع أبي جهل، حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم، فقال: تزعمون أنّ محمدًا كاهن، فهل سمعتموه يُخبر بما يكون في غد؟ قالوا: اللهم، لا. قال: وتزعمون أنّ محمدًا شاعر، فهل رأيتموه يَنطق فيكم بشعرٍ قطّ؟ قالوا: اللهم، لا. قال: وتزعمون أنّ محمدًا كذّاب، فهل رأيتموه يَكذب فيكم قطّ؟ قالوا: اللهم، لا. وكان يُسمّى محمد ﷺ قبل النبوة: الأمين، فبَرّأه من هذه المقالة كلّها، فقالت قريش: وما هو، يا أبا المُغيرة؟ فتفَكّر في نفسه ما يقول عن محمد ﷺ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ فقَدَّر له السحر، ﴿فَقُتِلَ﴾ يعني: لُعِن ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لمحمد ﷺ السحر، ﴿ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم كَلَح، ﴿وبَسَرَ﴾ يعني: وتَغيّر لونه، [﴿ثم أدبر﴾] يعني: أعرَض عن الإيمان، ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ عنه، فقال الوليد لقومه: ﴿إنْ هذا﴾ الذي يقول محمد ﴿إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. فقال له قومه: وما السِّحر، يا أبا المُغيرة؟ وفرحوا، فقال: شيء يكون ببابل، إذا تعلّمه الإنسان يُفرِّق بين الاثنين، ومحمد يَأْثُره ولمّا يحذقه بعدُ، وايمُ الله، لقد أصاب فيه حاجته، أما رأيتموه فَرّق بين فلان وبين أهله، وبين فلان وبين أبيه، وبين فلان وبين أخيه، وبين فلان وبين مولاه، فهذا الذي يقول محمد سحرٌ يُؤثر عن مُسَيلمة بن حبيب -الحنفي الكذّاب-. يقول: يرويه عنه، فذلك قوله: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يقول: إنْ هذا الذي يقول محمد إلا قول البشر. قال الوليد بن المُغيرة: عن يَسار أبي فكيهة، هو الذي يأتيه به من مُسَيلمة –الكذّاب-، فجَعل الله له سَقر، وهو الباب الخامس مِن جهنم، فلمّا قال ذلك الوليد شَقّ ذلك على النبي ﷺ ما لم يشقّ عليه فيما قُذف بغيره من الكذب؛ فأَنزل الله تعالى على نبيّه ﷺ يعزيه ليَصبِر على تكذيبهم، فقال: يا محمد ﴿كَذلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢]، وأَنزل في الوليد بن المُغيرة: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾
اختُلف في قوله تعالى: ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ مَن هؤلاء القوم على أقوال: الأول: هَوازن بحنين. الثاني: الروم. الثالث: أهل الرّدة وبنو حنيفة باليمامة. الرابع: فارس والروم. الخامس: هم أهل فارس. السادس: لم تأت هذه الآية بعد. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٦٩) مستندًا إلى دلالة الإطلاق في ظاهر الآية «أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب أنهم سيُدعَون إلى قتال قومٍ أولي بأسٍ في القتال، ونجدةٍ في الحروب، ولم يوضَع لنا الدليل من خبرٍ ولا عقلٍ على أن المعنيَّ بذلك هوازن، ولا بنو حنيفة، ولا فارس، ولا الروم، ولا أعيانٌ بأعيانهم، وجائزٌ أن يكون عُنِيَ بذلك بعض هذه الأجناس، وجائزٌ أن يكون عُنِيَ بهم غيرهم، ولا قول فيه أصح مِن أن يُقال كما قال الله -جلَّ ثناؤه-: إنهم سيُدعَون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديد». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٦٧٦) على القول الأول بقوله: «ويندرج في هذا القول عندي مَن حورب وغلب في فتح مكة». ثم رجَّح القول الأول والثاني مستندًا إلى دلالة الواقع، وانتقد باقي الأقوال قائلًا: «والقولان الأوَّلان حسنان؛ لأنهما الذي كشف الغيب، وباقيهما ضعيف». ثم نقل ابنُ عطية تعليق منذر بن سعيد على القول الثالث بقوله: «وقال منذر بن سعيد: يتركَّب على هذا القول أن الآية مُؤذنة بخلافة أبي بكر الصِّديق وعمر بن الخطاب». ووجَّهه بقوله: «يريد: لما كشف الغيب أنهما دَعَوا إلى قتال أهل الردة». ونقل عن منذر بن سعيد أيضًا قوله: «رفع الله في هذه الجزية، وليس إلا القتال أو الإسلام، وهذا لا يوجد إلا في أهل الردة». ثم علَّق عليه بقوله: «وكذا مَن حورب في فتح مكة». ورجَّح ابنُ تيمية (٦/٢١-٢٢) القول الرابع مستندًا إلى دلالة الواقع، فذكر: أن أظهر الأقوال في الآية هو أن المراد «تُدعون إلى قتال أولي بأس شديد أعظم من العرب، لا بُدَّ فيهم مِن أحد أمرين: إما أن يُسلموا، وإما أن يُقاتَلوا؛ بخلاف مَن دُعوا إليه عام الحُدَيبية، فإنّ بأسهم لم يكن شديدًا مثل هؤلاء ودُعوا إليهم، ففي ذلك لم يُسلموا ولم يقاتلوا. وكذلك عام الفتح في أول الأمر لم يُسلموا ولم يقاتلوا، لكن بعد ذلك أسلموا. وهؤلاء هم الروم والفرس ونحوهم، فإنه لابد من قتالهم إذا لم يُسلموا، وأول الدعوة إلى قتال هؤلاء عام مؤتة وتبوك». وانتقد (٦/١٩) القول الأول بأنه لا «يجوز أن يكون دعاهم إلى قتال أهل مكة وهَوازن عقيب عام الفتح؛ لأن هؤلاء هم الذين دعوا إليهم عام الحُدَيبية، ومن لم يكن منهم فهو من جنسهم ليس هو أشدَّ بأسًا منهم، كلّهم عرب من أهل الحجاز، وقتالهم من جنس واحد، وأهل مكة ومَن حولها كانوا أشد بأسًا وقتالًا للنبي ﷺ وأصحابه يوم بدر وأحد والخندق مِن أولئك، وكذلك في غير ذلك من السرايا»
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- في قوله: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم﴾ فذَكَر استدراج إبليس إياهم، وتشبهه بسُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب التي كانت بينهم. يقول الله: ﴿فلما تراءت الفئتان﴾، ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة، قد أيَّد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم؛ ﴿نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون﴾، وصدق عدو الله أنَّه رأى ما لا يرون، وقال: ﴿إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾، فأوردهم ثم أسلمهم. قال: فذُكِرَ لي: أنّهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ لا يُنكِرُونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نَكَص الحارثُ بن هشام، أو عمير بن وهب الجُمَحِي، فذكر أحدهما فقال: أين أيْ سُراق؟ مثَلَ عدوِّ اللهِ وذهب
ذكر ابنُ جرير (١٧/٣١٠) القراءات في الآية، ثم وجّهها بقوله: «وكأن الذين ضمُّوا دالَه وتركوا الهمزةَ وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم، من أنّ الزجاجة في صفائها وحسنها كالدر، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها. ووجَّه الذين قرؤوا ذلك بكسر داله وهمزه إلى أنه (فِعِّيل) مِن درأ الكوكب، أي: دُفع ورُجم به الشيطان، من قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور:٨]، أي: يدفع، والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها: الدراري، بغير همز... وأما الذين قرؤوه بضم داله وهمزه فإن كانوا أرادوا به دُرّوء، مثل: سُبوُّح، وقُدُّوس، من درأت، ثم استثقلوا كثرة الضمات فيه، فصرفوا بعضها إلى الكسرة، فقالوا: دُرِّيء، كما قيل: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيا﴾ [مريم:٨]، وهو فُعُول، من عتوت عتوًّا، ثم حُوِّلت بعض ضماتها إلى الكسر، فقيل: عِتِيًّا؛ فهو مذهب، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجهًا، وذلك أنه لا يُعرف في كلام العرب: فُعِّيل». ثم رجّح مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: ﴿دري﴾ بضم داله، وترك همزه، على النسبة إلى الدر؛ لأن أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا». ووجّه ابنُ عطية (٦/٣٨٧) قراءة ضم الدال وترك الهمز ﴿دري﴾ بقوله: «ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله: دُرِّيءٌ –مهموز- من الدرء، وهو الدفع، وخففت الهمزة». ثم وجّه القراءتين الأخريين بقوله: «‹دُرِّيءٌ› بالهمزة وهو: فُعِّيل من الدرء، بمعنى: أنها تدفع بعضها بعضًا، أو بمعنى: أن بهاءها يدفع خفاءها، و(فُعِّيل) بناء لا يوجد في الأسماء إلا في قولهم: مُرِّيق للعصفور، وفي السرية إذا اشتقت من السرو، ووجه هذه القراءة أبو علي، وضعفها غيره، وقرأ أبو عمرو والكسائي: ‹دِرِّيءٌ› على وزن (فِعِّيل) بكسر الفاء من الدرء، وهذه متوجهة»
اختلف القُرّاء في قراءة قوله تعالى: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة﴾ على أربعة أوجه: أولها: بكسر اللام من ﴿بل﴾ وتشديد الدال من ﴿ادراك﴾ هكذا: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾، بمعنى: بل تدارك علمهم، أي: تتابع علمهم بالآخرة. وهي قراءة عامة أهل المدينة سوى أبي جعفر، وعامة أهل الكوفة. والثاني: وقرأته عامة قرّاء أهل مكة: بسكون الدال وهمزة مفتوحة، هكذا: ‹بَلْ أدْرَكَ›، بمعنى: هل أدرك علمُهم علمَ الآخرة؟ وكذلك قرأها مجاهد ولكن مع إبدال «أم» بـ﴿بل﴾، هكذا: (أمْ أدْرَكَ). والثالث: بإثبات (ياء) في «بل»، ثم يبتدئ «أدّارَكَ» بهمزة مفتوحة وتشديد الدال، هكذا (بَلى أدّارَكَ)، على وجه الاستفهام. وهي قراءة لابن عباس. والرابع: بسكون الدال ومدّ الألف، هكذا (بَل آدْرَكَ)، بمعنى: لم يدرك علمُهم في الآخرة. وهي قراءة ابن مُحَيصِن. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨/١٠٨) القراءتين الأولى والثانية؛ لأنهما المعروفتان في قَرَأَة الأمصار، وقال: «بأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا». وعلَّقَ على قراءة ابن عباس هذه بقوله: «كأنّ ابن عباس وجَّهَ ذلك إلى أن مخرجه مخرج الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث». ثم انتَقَدَها بقوله: «إنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعراب، فخلاف لما عليه مصاحف المسلمين، وذلك أنّ في (بَلى) زيادة ياء في قراءته ليست في المصاحف، وهي مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحد من قرّاء الأمصار». ونقل إنكار أبي عمرو بن العلاء لقراءة ابن محيصن، فقال (١٨/١٠٦-١٠٧): «كان أبو عمرو بن العلاء يُنكر -فيما ذُكِر عنه- قراءة من قرأ: (بَلْ آدْرَكَ)، ويقول: إنّ»بل«إيجاب، والاستفهام في هذا الموضع إنكار». ثم قال (١٨/١٠٨): «الذي قال فيها أبو عمرو قول صحيح؛ لأن العرب تحقق بـ»بل«ما بعدها، لا تنفيه، والاستفهام في هذا الموضع إنكار لا إثبات، وذلك أن الله قد أخبر عن المشركين أنهم من الساعة في شكّ، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنها بَلْ هُمْ مِنها عَمُونَ﴾»
اختُلف في معنى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: الذي جاء بالصدق: رسول الله، والصدق الذي جاء به: لا إله إلا الله، والذي صدّق به أيضًا: هو رسول الله. الثاني: الذي جاء بالصدق: رسول الله، والذي صدَّق به: أبو بكر. الثالث: الذي جاء بالصِّدق: رسول الله، والصِّدق: القرآن، والمصدِّقون به: المؤمنون. الرابع: الذي جاء بالصِّدق: جبريل، والصِّدق: القرآن الذي جاء به من عند الله، وصدَّق به: رسول الله. الخامس: الذي جاء بالصِّدق: المؤمنون، والصدق: القرآن، وهم المصدِّقون به. السادس: الذين جاءوا بالصدق: الأنبياء، والذين صدَّقوا به: الأتباع. السابع: الذي جاء بالصِّدق: رسول الله، والذي صدَّق به: علي. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٢٠٦) مستندًا إلى دلالة السياق، والقراءات، وظاهر اللفظ: «أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- عنى بقوله: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ كلَّ مَن دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسوله، والعمل بما ابتُعِث به رسوله من بَيْن رسول الله وأتباعه والمؤمنين به. وأن يقال: الصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله. والمصدِّق به: المؤمنون بالقرآن، مِن جميع خلْق الله كائنًا مَن كان مِن نبيِّ الله وأتباعه». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ قوله -تعالى ذكره-: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ عقيب قوله: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾، وذلك ذمٌّ مِن الله المفتَرين عليه، المكذِّبين بتنزيله ووَحْيِه، الجاحدين وحدانيته، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدحُ مَن كان بخلاف صفة هؤلاء المذمومين، وهم الذين دعوهم إلى توحيد الله، ووصفه بالصفة التي هو بها، وتصديقهم بتنزيل الله ووحيه، والذين هم كانوا كذلك يوم نزلت هذه الآيةُ، رسول الله وأصحابه ومن بعدَهم، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله، وحكم كتابه؛ لأن الله -تعالى ذِكْره- لم يَخُصَّ وصفه بهذه الصفة التي في هذه الآية على أشخاصٍ بعينهم، ولا على أهل زمان دون غيرهم، وإنما وصَفَهم بصفةٍ، ثم مدحهم بها، وهي المجيء بالصدق والتصديق به، فكلُّ من كان ذلك وصفه فهو داخلٌ في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم. ومن الدليل على صحة ما قلنا: أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود: (والَّذِي جَآءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ) فقد بُيِّنَ ذلك من قراءته، أن»الذي«من قوله: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ لم يُعْنَ بها واحدٌ بعينه، وأنه مرادٌ بها جِماعٌ ذلك صفتهم، ولكنها أُخرِجت بلفظ الواحد، إذ لم تكن موقَّتةً، ... ومما يؤيِّد ما قلنا أيضًا: قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ فجُعِل الخبر عن»الذي«جماعًا؛ لأنها في معنى جِماعٍ». وانتقد (٢٠/٢٠٧-٢٠٨) القول الثاني، والثالث، والرابع -مستندًا إلى مخالفة ظاهر اللفظ- قائلا: «وأما الذين قالوا: عُنِيَ بقوله: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ غيرُ»الذي جاء بالصِّدق«فقولٌ بعيدٌ من المفهوم؛ لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان التنزيل: والذي جاء بالصِّدق والذي صدَّق به أولئك هم المتقون؛ فكانت تكون»الذي«مكررةً مع التصديق، ليكون المصدَّق غيرَ المصدِّق، فأما إذا لم يُكَرَّر فإن المفهوم من الكلام أن التصديق من صفة الذي جاء بالصدق، لا وجْه للكلام غيرُ ذلك». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥/٣٩٦). وذكر ابنُ عطية (٧/٣٩٤) أن «قوله تعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ مُعادِلٌ لقوله: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ فـ»مَن«هناك للجميع والعموم، و»الذي«هنا للجنس أيضًا، كأنه قال: والفريق الذي جاء بعضه بالصدق، وصدَّق به بعضُه». ثم رجَّحه مستندًا إلى دلالة العموم، وبيَّن أنه أصوب الأقوال، وأنه يستقيم اللفظ والمعنى على هذا الترتيب. ورجَّح ابنُ تيمية (٥/٣٩٦-٣٩٧) العموم في معرض انتقاده لقول مجاهد من طريق ليث، فبيَّن أن «لفظ الآية عام مطلق لا يختص بأبي بكر ولا بعليّ، بل كل من دخل في عمومها دخل في حكمها. ولا ريب أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا أحق هذه الأمة بالدخول فيها، لكنها لا تختص بهم. وقد قال تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ الآية، فقد ذمّ الله سبحانه وتعالى الكاذب على الله والمكذّب بالصدق، وهذا ذمٌّ عامٌّ... والله تعالى مدح الصادق فيما يجيء به والمصدّق بهذا الحق. فهذا مدح للنبي، ولكل من آمن به وبما جاء به... ولما كان قوله: ﴿والذي﴾ صنفًا من الأصناف لا يُقصد به واحد بعينه، أعاد الضمير بصيغة الجمع فقال: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾». وعلَّق ابنُ كثير (١٢/١٣٠) على القول الخامس -وهو قول مجاهد من طريق منصور- بقوله: «وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين، فإن المؤمن يقول الحق ويعمل به، والرسول أوْلى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير، فإنه جاء بالصدق، وصدَّق المرسلين، وآمن بما أُنزِل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله»
عن أسلم أبي عمران، قال: كُنّا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصرَ عقبةُ بن عامر، وعلى أهل الشام فَضالَةُ بن عُبَيْدٍ، فخرج صَفٌّ عظيمٌ من الرُّوم، فصَفَفْنا لهم، فحمَلَ رجلٌ من المسلمين على صفِّ الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله! يُلْقِي بيديه إلى التهلكة! فقام أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ، فقال: يا أيها الناس، إنّكم تتأوَّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنّما أُنزِلت هذه الآية فينا معشرَ الأنصار، إنّا لَمّا أعزَّ الله دينَه، وكثُر ناصروه؛ قال بعضُنا لبعضٍ سِرًّا دون رسول الله ﷺ: إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعَزَّ الإسلام، وكَثُرَ ناصِرُوه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله على نبيه يَرُدُّ علينا ما قلنا: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، فكانت التَّهْلُكَةُ الإقامةَ في الأموال وإصلاحها، وتَرْكَنا الغزوَ
عن عطاء، قال: كنتُ جالسًا في المسجد، فإذا شيخٌ قد جاء، وجلس الناسُ إليه، فقالوا: هذا مِن أصحاب عبد الله بن مسعود. فقال: قال ابن مسعود: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾الآية، قال: لَمّا حرم عليهم السبت كانت الحيتان تأتي يوم السبت، وتأمن، وتجيء، فلا يستطيعون أن يَمَسُّوها، وكان إذا ذهب السبتُ ذَهَبَتْ، فكانوا يَتَصَيَّدون كما يَتَصَيَّدُ الناسُ، فلمّا أرادوا أن يَعْدُوا في السبت اصطادوا، فنهاهم قومٌ مِن صالحيهم، فأَبَوْا، وكَثَرَهُم الفجار، فأراد الفجارُ قتالهم، فكان فيهم مَن لا يشتهون قتاله؛ أبو أحدهم، وأخوه، أو قريبه. فلمّا نَهَوْهُم وأَبَوْا قال الصالحون: إنْ أبَيْتُم فإنّا نجعلُ بيننا وبينكم حائطًا. ففعلوا، فلمّا فقدوا أصواتهم قالوا: لو نظرتُم إلى إخوانكم ما فعلوا؟ فنظروا، فإذا هم قد مُسِخُوا قِرَدَةً، يعرفون الكبير بكبره، والصغير بصغره، فجعلوا يبكون إليهم، وكان هذا بعد موسى ﷺ
عن مكحولٍ الشامي: أنّ النبيَّ ﷺ كان يتهجَّدُ بمكةَ ذاتَ ليلةٍ، يقولُ في سجوده: «يا رحمنُ، يا رحيمُ». فسَمِعه رجلٌ مِن المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبي كبشة! يدعو الليلة الرحمنَ الذي باليمامةِ. وكان باليمامةِ رجلٌ يقالُ له: رحمنُ. فنزلت: ﴿قُلِ ادعُوا الله أو ادعُوا الرَّحمنَ﴾ الآية. (٩/٤٦١)٤٤٢٠١/ب قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾، وذلك أن رجلًا من المسلمين دعا الله عز وجل، ودعا الرحمن في صلاته، فقال أبو جهل بن هشام: أليس يزعم محمدٌ وأصحابه أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟! أوَلستم تعلمون أن الله اسم، والرحمن اسم؟ قالوا: بلى. فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾. فدعا النبي ﷺ الرجل، فقال: يا فلان، ادع الله، أو ادع الرحمن، ورغم لآناف المشركين