قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾، يعني: لم أُحلّها لأحد مِن قبلك ولا مِن بعدك، وإنما أحللتها لك ساعة مِن النهار، وذلك أنّ الله عز وجل لم يفتح مكة على أحد غيره، ولم يحلّ بها القتلُ لأحد، غير ما قتل النبيُّ ﷺ مقيس بن [صبابة] الكناني وغيره حين فتح مكة
عن أبي العالية، قال: كانوا عندَ عبد الله بن مسعود، فوقَع بين رجلين بعضُ ما يكونُ بين الناس، حتى قام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فقال رجلٌ مِن جُلَساءِ عبد الله: ألا أقومُ فآمُرَهما بالمعروفِ وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخرُ إلى جنبِه: عليك بنفسِك؛ فإنّ الله تعالى يقول: ﴿عليكم أنفسكم﴾. فسمِعها ابن مسعود، فقال: مَهْ، لم يجئ تأويلُ هذه الآية بعد، إنّ القرآن أُنزِل حيثُ أُنزِل، ومنه آيٌ قد مضى تأويلُهن قبلَ أن يَنزِلن، ومنه ما وقَع تأويلُهن على عهد رسول الله ﷺ، ومنه آيٌ يقعُ تأويلُهن بعدَ رسول الله ﷺ بسنين، ومنه آيٌ يقعُ تأويلُهن بعدَ اليوم، ومنه آيٌ يقعُ تأويلُهن عندَ الساعة؛ ما ذُكِر من أمر الساعة، ومنه آيٌ يقعُ تأويلُهن عندَ الحساب؛ ما ذُكِر من أمرِ الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبُكم واحدةً، وأهواؤُكم واحدة، ولم تُلبَسوا شِيَعًا، ولم يذُق بعضُكم بأسَ بعض؛ فمُرُوا وانهَوا، فإذا اختَلَفَتِ القلوبُ والأهواءُ، وأُلبِستم شِيَعًا، وذاقَ بعضُكم بأسَ بعض، فامرؤٌ ونفسَه، فعندَ ذلك جاء تأويلُ هذه الآية
ذكر ابنُ جرير (١٩/٤٣٤) أن معنى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ أي: ننزِع عنه النهار. ثم ذكر قول قتادة، وانتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهذا الذي قاله قتادة في ذلك عندي مِن معنى سلخ النهار من الليل بعيد؛ وذلك أن إيلاج الليل في النهار إنما هو زيادة ما نقص من ساعات هذا في ساعات الآخر، وليس السلخ من ذلك في شيء؛ لأن النهار يسلخ من الليل كله، وكذلك الليل من النهار كله، وليس يولج كل الليل في كل النهار، ولا كل النهار في كل الليل». ووافقه ابنُ كثير (١١/٣٦٠). ورجّح ابنُ كثير مستندًا إلى ظاهر الآية أن المعنى: «﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ أي: نصرمه منه فيذهب، فيقبل الليل؛ ولهذا قال: ﴿فإذا هم مظلمون﴾ كما جاء في الحديث: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». هذا هو الظاهر من الآية»
عن سفيان الثوري، قال: بلغني: أنّ إسماعيل وصاحبًا له أتيا قرية، فقال له صاحبُه: إمّا أن أجلس وتدخل فتشتري طعامًا زادنا، وإمّا أن أدخل فأكفيك ذلك. فقال له إسماعيل: بل ادخل أنت وأنا أجلسُ أنتظرك. فدخل، ثم نسي، فخرج، فأقام مكانه حتى كان الحول مِن ذلك اليوم، فمرَّ به الرجل، فقال له: أنت ههنا حتى الساعة؟ قال: قلتُ لك: لا أبرح حتى تجيء. فقال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد﴾
عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ، قال: «في السماء بيت يُقال له: المعمور، بِحِيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: الحيوان، يدخله جبريل كلّ يوم، فينغمس انغماسة ثم يخرج، فيَنتَفض انتفاضة يَخِرّ عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله مِن كلّ قطْرة مَلكًا، يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيُصَلُّون، فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدًا، ويُولّى عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفًا يسبِّحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة»
عن أبي أُمامة: أنّ رهطًا من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ أخبروه: أنّ رجلًا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووقع ذلك لناسٍ من أصحابه، فأصبحوا، فسألوا رسول الله ﷺ عن السورة، فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئًا، ثم قال: «نُسِخَت البارحة». فنُسِخَت من صدورهم، ومن كل شيء كانت فيه
عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾، قال: خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حرٍّ شديد، فأصابهم يومًا عطشٌ، حتى جعلوا يَنْحَرُون إبلَهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءَها، فكان ذلك عُسْرَةً مِن الماء، وعُسرةً مِن النفقة، وعُسرةً مِن الظَّهْر
قال مقاتل بن سليمان: ثم نَعَتَهم، فقال: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾، يعني: غزاة تبوك، وأصاب المسلمين جهد وجوع شديد، فكان الرجلان والثلاثة يَعْتَقِبُون بعيرًا سِوى ما عليه مِن الزّاد، وتكون التمرة بين الرجلين والثلاثة، يعمد أحدهم إلى التمرة فيَلُوكها، ثم يعطيها الآخر فيلوكها، ثم يراها آخر فيناشده أن يجهدها ثم يعطيها إيّاه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ من قبورهم إلى القيامة ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ يعني: يومًا واحِدًا من أيام الدنيا، ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: يعرفون بعضهم بعضًا، وتبيان ذلك في الفصل في «سَأَلَ سائِلٌ»: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١١] يعني: يعرفونهم، ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ يعني: البعث، ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾
قال قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾ أي: سر بهم في ظُلْمَةٍ من الليل، ﴿ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم﴾ فقال: لا؛ بل أهلكوهم الساعةَ! فقالوا: ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾. فطمس جبريلُ عليه السلام أعينَهم بأحد جناحيه، فبقوا ليلتهم لا يُبْصِرون