سورة الأحزاب — الآية ٢٠

قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر المنافقين، فقال عز وجل: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾، وذلك أنّ الأحزاب الذين تحزّبوا على النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم في الخندق، وكان أبو سفيان بن حرب على أهل مكة، وكان على بني المصطلق -وهم حيٌّ من خزاعة- يزيد بن الحليس الخزاعي، وكان على هوازن مالك بن عوف النصري، وكان على بني غطفان عيينة بن حصن بن بدر الفزاري، وكان على بني أسد طليحة بن خويلد الفقسي من بني أسد، ثم كانت اليهود، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، وأرسل عليهم ريحًا -وهي الصبا-، فجعلت تطفئ نيرانهم، وتلقي أبنيتهم، وأنزل جنودًا لم تروها من الملائكة، فكبّروا في عسكرهم، فلما سمعوا التكبير قذف الله تعالى الرعب في قلوبهم، وقالوا: قد بدأ محمدٌ بالشر. فانصرفوا إلى مكة راجعين عن الخندق من الخوف والرعب الذي نزل بهم في الخندق

قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ نزلت في المُستهزئين مِن قريش، وذلك أنّ النبي ﷺ قرأ بمكة: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ فلما قرأ: ﴿أفَرَأَيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه في وسَنه، فقال: تلك الغَرانيق العُلا، عندها الشفاعة تُرتجى. فقال أبو جهل بن هشام، وشيبة وعُتبة ابنا ربيعة، وأُميّة بن خلف، والعاص بن وائل، والمستهزؤون من قريش عشيًّا في دبُر الكعبة: لا تفارقنا يا محمد إلا على أحد الأمرين؛ ندخل معك في بعض دينك ونعبد إلهك، وتدخل معنا في بعض ديننا وتعبد آلهتنا، أو تتبرأ من آلهتنا ونتبرأ من إلهك. فأنزل الله عز وجل فيهم تلك الساعة: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، فأتاهم النبيُّ ﷺ بعدُ، فقال: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [السورة]، ثم انصرف عنهم، فقال بعضهم: تبرّأ هذا منكم فشتموه وآذوه

انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏٦٩٣ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابن عباس من طريق علي، وطاووس من طريق ابن جريج، مستندًا إلى السنة والنظائر، فقال: «لا وجْهَ لقولِ من يقول:... ؛ لأن النبيَّ ﷺ لَمّا قال له أبو لُبابة: إنّ مِن توبتي أن أنْخَلِع إلى الله ورسوله من مالي صدقةً. قال النبي ﷺ: «يكفيك من ذلك الثلثُ». وكذلك رُوِي عن كعب بن مالك: أنّ النبي ﷺ قال له نحوًا من ذلك. والثلثُ لا شك أنه بَيِّنٌ فقدُه من مال ذي المال. ولكنه عندي كما قال -جل ثناؤه-: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:٦٧]، وكما قال -جلَّ ثناؤه- لمحمد ﷺ: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ [الإسراء:٢٩]، وذلك هو ما حدَّه ﷺ فيما دون ذلك على قَدْرِ المالِ واحتمالِه»

ذكر ابنُ كثير عن الحافظ أبي يعلى بسنده، عن الأزهر بن راشد، قال: كانوا يأتون أنسًا، فإذا حدَّثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن -يعني: البصري- فيفسره لهم. وقد انتَقَدَ ابنُ كثير (٣‏/‏١٦٧) المعنى الذي فسَّر به الحسنُ حديثَ أنس، فقال: «وهذا التفسير فيه نظر». ثُمَّ بيَّن (٣‏/‏١٦٧-١٦٨) المعنى الذي يراه صوابًا مستندًا إلى السُّنَّة، فقال: «ومعناه ظاهر: «لا تَنقُشوا في خواتيمكم عربيًّا». أي: بخطٍّ عربيٍّ؛ لِئَلّا يُشابِه نَقْشَ خاتم النبي ﷺ، فإنّه كان نَقْشُه: محمد رسول الله. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أنّه نهى أن يَنقُش أحدٌ على نَقْشِه. وأمّا الاستضاءة بنار المشركين فمعناه: لا تُقارِبُوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تَباعَدوا منهم، وهاجِروا مِن بلادهم؛ ولهذا روى أبو داود: «لا تتراءى ناراهما». وفي الحديث الآخر: «مَن جامَعَ المشركَ أو سَكَن معه فهو مِثْلُه»»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٢٨٧): «نَصَّ اللهُ تعالى في هذه الآية على المشركين وعلى المسجد الحرام، فقاس مالكٌ رحمه الله وغيرُه جميعَ الكفار مِن أهل الكتاب وغيرِهم على المشركين، وقاس سائرَ المساجد على المسجد الحرام، ومنع مِن دخول الجميع في جميع المساجد. وكذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله، ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور:٣٦]. وقال الشافعي: هي عامة في الكفار، خاصة في المسجد الحرام. فأباح دخولَ اليهود والنصارى والوثنيين في سائر المساجد. ومن حُجَّته حديثُ: ربط ثمامة بن أثال. وقال أبو حنيفة: هي خاصة في عبدة الأوثان، وفي المسجد الحرام. فأباح دخول اليهود والنصارى في المسجد الحرام وغيره، ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد. وقال عطاء: وصْفُ المسجدِ بالحرامِ، ومنعُ القُرْبِ؛ يقتضي منعَهم مِن جميع الحرم»

ذكر ابنُ جرير (٢٣‏/‏١٣٧) القراءتين، ووجّههما، فقال: «واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار: ﴿هذا الذي كنتم به تدعون﴾ بتشديد الدال، بمعنى: تفتعلون من الدعاء. وذكر عن قتادة، والضَّحّاك أنهما قرآ ذلك: ‹تَدْعُونَ› بمعنى: تفعلون في الدنيا». ووجّههما ابنُ عطية (٨‏/‏٣٦٢-٣٦٣)، فقال: «وقرأ جمهور الناس ونافع بخلاف عنه: ﴿تدعون﴾ بفتح الدال وشدّها، على وزن: تفتعلون، أي: تتداعون أمره بينكم، وقال الحسن: يدّعون أنه لا جنة ولا نار. وقرأ أبو رجاء، والحسن، والضَّحّاك، وقتادة، وابن يَسار، وسلام: (يَدْعُونَ) بسكون الدال على معنى: يستعجلون، كقولهم: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص:١٦]، و﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال:٣٢]، وغير ذلك». ورجّح ابن جرير -مستندًا لإجماع الحجة من القراء- قراءة التشديد، فقال: «والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار؛ لإجماع الحُجّة من القراء عليه»

سورة الأحزاب — الآية ٩

عن حذيفة بن اليمان -من طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه- قال: قال رجل: لو أدركتُ رسول الله ﷺ لخدمتُه، ولفعلتُ. فقال حذيفة بن اليمان: لقد رأيتني ليلة الأحزاب ونحن مع رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في ليلة باردة، لم نرَ قبلَه ولا بعده بردًا كان أشدَّ منه، فحانت مِنِّي التفاتةٌ، فقال: «ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم! جعله الله معي يوم القيامة». قال: فما قام مِنّا إنسان. قال: فسكتوا، ثم عاد، فسكتوا، ثم قال: «يا أبا بكر». ثم اسْتَغْفَرَ اللهَ ورسولَه، ثم قال: إن شئتَ ذهبتُ. فقال: «يا عمر». فقال: أستغفرُ اللهَ ورسولَه. ثم قال: «يا حذيفة بن اليمان». فقلت: لبيك. فقمت حتى أتيتُ، وإنّ جَنبَيَّ لَيضرِبان مِن البرد، فمسح رأسي ووجهي، ثم قال: «ائت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم، ولا تُحْدِثَنَّ حدثًا حتى ترجع». ثم قال: «اللهم، احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، حتى يرجع». قال: فلأن يكون أرسلها كان أحب إلَيَّ مِن الدنيا وما فيها. قال: فانطلقت، فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمّامٍ. قال: فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحًا، فقطعت أطْنابهم وأبنيتهم، وذهبت بخيولهم، ولم تدع لهم شيئًا إلا أهلكته. قال: وأبو سفيان قاعد يَصْطلي عند نار له. قال: فنظرتُ إليه، فأخذتُ سهمًا، فوضعته في كبد قوسي. قال: وكان حذيفة بن اليمان راميًا. فذكرت قول رسول الله ﷺ: «لا تحدثن حدثا حتى ترجع». قال: فرددت سهمي في كنانتي. قال: فقال رجل من القوم: ألا إنّ فيكم عينًا للقوم. قال: فأخذ كلٌّ بيد جليسِه، فأخذت بيد جليسي، فقلت: مَن أنت؟ قال: سبحان الله! أما تعرفني، أنا فلان بن فلان. فإذا رجل مِن هوازن، فرجعت إلى النبي ﷺ، فأخبرته الخبر، وكأني أمشي في حمّام، قال: فلما أخبرته ضحك حتى بدا أنيابه في سواد الليل، وذهب عني الدِّفاءُ، فأدناني رسول الله ﷺ، فأنامني عند رجليه، وألقى عليَّ طرف ثوبه، فإن كنت لَألزق بطني وصدري ببطن قدمه، فلما أصبحوا هزم الله الأحزاب، وهو قوله: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾

سورة آل عمران — الآية ٨٦

قال مقاتل بن سليمان: نزلت فى اثني عشر رجلًا ارتدوا عن الإسلام، وخرجوا من المدينة كهيئة البَداة، ثم انصرفوا إلى طريق مكة، فلحقوا بكفار مكة، منهم: طُعْمَة بن أُبَيْرِق الأنصاري، ومقيس بن ضبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خَطَل من بني تَيْم بن مُرَّة القرشي، ووَحْوَح بن الأسلت الأنصاري، وأبو عامر بن النعمان الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري من بني عمرو بن عوف أخو الجُلاس بن سويد بن الصامت. ثم إن الحارث ندم فرجع تائبًا من ضرار، ثم أرسل إلى أخيه الجُلاس: إني قد رجعت تائبًا، فسل النبى ﷺ هل لي من توبة؟ وإلا لحقت بالشام. فانطلق الجُلاس إلى النبي ﷺ، فأخبره، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا؛ فأنزل الله عز وجل فى الحارث، فاستثنى: ﴿إلا الذين تابوا﴾

سورة التوبة — الآية ٨٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- أنّ عبدَ الله بن عبد الله بن أُبَيٍّ قال له أبوه: أي بُنَيَّ، اطلُبْ لي ثوبًا مِن ثياب النبيِّ، فكَفِّنِّي فيه، ومُرْه فليُصَلِّ عَلَيَّ. قال: فأتاه، فقال: يا رسولَ الله، قد عرَفْتَ شَرَفَ عبدِ الله، وهو يطلُبُ إليك ثوبًا مِن ثيابك نُكَفِّنُه فيه، وتُصَلِّي عليه. فقال عمرُ: يا رسول الله، أتُصلِّي عليه وقد نَهاك الله أن تُصَلِّيَ عليه؟ فقال: «أين؟». فقال:﴿استغفرْ لهُم أو لا تستغفرْ لهُم إن تستغفرْ لهم سبعينَ مرةً فلن يغفرَ اللهُ لهمْ﴾. قال: «فإنِّي سأزِيدُ على سبعين». فأنزَل الله عز وجل: ﴿ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقمْ على قبرهِ﴾ الآية. قال: فأرسَل إلى عمرَ، فأخبرَه بذلك، وأنزَل الله: ﴿سواءٌ عليهم أستغفرتَ لهم أم لم تستغفر لهم﴾ [المنافقون:٦]

سورة المائدة — الآية ٥٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: المنافقين الذين أقرُّوا باللسان، وليس الإيمان في قلوبهم، ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ الإسلام ﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾ يعني: استهزاء وباطلًا، وذلك أنّ المنافقين كانوا يوالون اليهود، فيتخذونهم أولياء، قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يعني: اليهود ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ لأنهم أعطوا التوراة قبل أمة محمد ﷺ. يقول: لا تتخذوهم أولياء، ﴿و﴾لا تتخذوا ﴿الكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ يعني: كفار اليهود ومشركي العرب. ثُمَّ حذَّرهم، فقال: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: إن كنتم مُصَدِّقين فلا تتخذوهم أولياء، يعني: كفار العرب حين قال عبد الله بن أُبَيٍّ، وعبد الله بن نبْتَل، وأبو لبابة، وغيرهم من اليهود: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر:١١]، حين كتبوا إليهم