سورة يس — الآية ٥١

عن مَعَدِّيِّ بن سليمان، قال: كان أبو محلم الحري يجتمع إليه إخوانُه، وكان حكيمًا، فكان إذا تلا هذه الآية: ﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَإذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ بكى، ثم قال: إنّ القيامة في كتاب الله لَمَعاريض، صِفَةٌ ذهبت فظاعتُها بأوهام العقول، أما -واللهِ- لئن كان القومُ في رقدة مثل ظاهر قولهم لَما دَعَوا بالويل عند أول وهْلة مِن بعْثهم، ولم يوقفوا بعد موقف عرض ولا مسألة إلا وقد عاينوا خطرًا عظيمًا، وحققت عليهم القيامة بالجلائل مِن أمرها، ولئن كانوا في طول الإقامة في البرزخ يألمون ويُعذَّبون في قبورهم فما دعَوا بالويل عند انقطاع ذلك عنهم إلا وقد نُقلوا إلى ظلمة هي أعظم منه، ولولا أنّ الأمر على ذلك لما استصغر القومُ ما كانوا فيه؛ فسَمَّوه: رُقادًا، وإنّ في القرآن دليلًا على ذلك حين يقول: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات:٣٤]. قال: ثم يبكي حتى تبلَّ لحيته

سورة القمر — الآية ١

عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء، والضَّحّاك- في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، قال: اجتمع المشركون على عهد رسول الله ﷺ؛ منهم: الوليد بن المُغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاصي بن وائل، والعاصي بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والنَّضر بن الحارث، فقالوا للنبي ﷺ: إن كنتَ صادقًا فشُقَّ لنا القمر فِرْقَتين؛ نِصفًا على أبي قبيس، ونِصفًا على قُعَيْقِعان. فقال لهم النبيُّ ﷺ: «إن فعلتُ تؤمنوا؟». قالوا: نعم. قال: وكانت ليلة بدر. فسأل رسول الله ﷺ ربّه أن يُعطيَه ما سألوا، فأمسى القمرُ قد مُثِّل نِصفًا على أبي قبيس، ونِصفًا على قُعَيْقِعان، ورسول الله ﷺ يُنادي: «يا أبا سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، اشهدوا»

نقل ابن عطية (١‏/‏١٥٢) أقوالًا أخرى في معنى الآية، وعلَّق على أحدها، فقال: «وقال ابن عباس: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة. وقال بعض المتأولين: المعنى أنهم يرون الثمر فيميِّزون أجناسه، حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. قال القاضي أبو محمد:»قول ابن عباس الذي قبل هذا يرد على هذا القول بعض الرد. وقال بعض المفسرين: المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا، فكأنهم قد رزقوه في الدنيا إذ وعد الله منتجز. وقال قوم: إن ثمر الجنة إذا قطف منه شيءٌ خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إشارة إلى الخارج في موضع المجني"". قال ابن كثير في التفسير ١‏/‏٢٠٥: «هذا حديث غريب»، ورجَّح أنه من كلام قتادة. وقال ابن حجر في فتح الباري ٦‏/‏٣٢٠: «لا يَصِحُّ إسناده»

علَّقَ ابنُ جرير (١/٥٨٩-٥٩٠) على أثر أبي العالية بقوله: «فإن كان ما قال أبو العالية في ذلك كما قال؛ فالخطاب بقوله: ﴿اهبطوا﴾ وإن كان لآدم وزوجته، فيجب أن يكون مرادًا به آدم وزوجته وذريتهما. فيكون ذلك حينئذ نظير قوله: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت:١١]، بمعنى: أتينا بما فينا من الخلق طائعين. ونظير قوله في قراءة ابن مسعود: (رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُّسْلَمَةً لَكَ وأرِهِم مَّناسِكَهُمْ)، فجمع قبل أن تكون ذرية... وإنما قلنا: إن ذلك هو الواجب على التأويل الذي ذكرناه عن أبي العالية؛ لأن آدم كان هو النبي ﷺ أيامَ حياته بعد أن أُهْبِط إلى الأرض، والرسول من الله -جل ثناؤه- إلى ولده، فغير جائز أن يكون مَعْنِيًّا -وهو الرسول- بقوله: ﴿فإما يأتينكم مني هدى﴾ خطابًا له ولزوجته: ﴿فإما يأتينكم مني هدى﴾ أنبياء ورسل إلا على ما وصفتُ من التأويل»

اختُلِف في سبب نزول هذه الآية؛ فقال قوم: أنزلها الله احتجاجًا له على أهل الشرك به، لَمّا سألوا البرهان بعد إنزال الله لقوله: ﴿وإلهكم إله واحد﴾. وقال آخرون: بل أنزلها الله على النبي لَمّا سأله المشركون آية. ورَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٨) العمومَ في الآية مُسْتَنِدًا لعدم وجود خبر يقطع بأحد القولين، فقال:«والصواب من القول في ذلك: أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- نَبَّه عباده على الدلالة على وحدانيّته، وتفرّده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائز أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائز أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العُذْر فيُجَوِّز أن يقضي أحدٌ لأحدِ الفريقين بصِحَّةِ قولٍ على الآخر. وأيّ القولين كان صحيحًا فالمراد من الآية ما قلنا»

ذَهَبَ ابنُ جرير (٤‏/‏٦٦٨)، وابنُ عطية (٢‏/‏٦٦) إلى ما ذهب إليه الشعبي، والسديّ، وأبو صالح، وابن زيد، ومن نحا نحوهم، مِن أنّ معنى قوله تعالى: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾ يعني: تصديقًا ويقينًا. قال ابنُ جرير (٤‏/‏٦٦٨): «وإنما عنى الله -جل ثناؤه- بذلك: أن أنفسهم كانت موقنة مصدّقة بوعد الله إياها فيما أنفقت في طاعته بغير منّ ولا أذى، فثبتتهم في إنفاق أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وصححت عزمَهم وآراءهم يقينًا منها بذلك، وتصديقًا بوعد الله إياها ما وعدها؛ ولذلك قال مَن قال من أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وتثبيتًا﴾: وتصديقًا. ومَن قال منهم: ويقينًا؛ لأن تثبيت أنفُسِ المنفقين أموالَهم ابتغاء مرضاة الله إياهم إنما كان عن يقين منها، وتصديق بوعد الله عز وجل»

وجّه ابنُ عطية (٧‏/‏٤٨٣) هذا القول الذي قالته عائشة، وأبو أمامة، وعكرمة، وابن أبي حازم، بقوله: «ومعنى القول بأنها في المؤذّنين: أنهم داخلون فيها. وأما نزولها فمكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة أذان، وإنما ترتب بالمدينة، وإنّ الأذان لَمِن الدعاء إلى الله تعالى، ولكنه جزء منه. والدعاء إلى الله بقوة، كجهاد الكفار وردع الطغاة وكفّ الظلمة وغيره أعظم عناء من تولي الأذان؛ إذ لا مشقة فيه». وانتقد ابنُ كثير (١٢‏/‏٢٤٢) هذا القول مستندًا لأحوال النُّزول، فقال: «فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعًا بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شرُع بالمدينة بعد الهجرة، حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه، فقصّه على رسول الله ﷺ، فأمره أن يلقيه على بلال فإنه أندى صوتًا»

سورة الأحقاف — الآية ٩

عن الحسن البصري -من طريق أبي بكر الهُذلي- في قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ قال: أما في الآخرة فمعاذ الله؛ قد عَلِم أنّه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ في الدنيا؛ أُخرَج كما أُخرِجت الأنبياء مِن قبلي، أم أُقتَل كما قُتلَت الأنبياء من قبلي، ﴿ولا بِكُمْ﴾ أُمّتي المكذّبة، أم أُمّتي المصدّقة، أم أُمّتي المرميّة بالحجارة من السماء قذْفًا، أم مخسوف بها خسْفًا. ثم أوحي إليه: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠]، يقول: أحطتُ لك بالعرب ألا يقتلوك. فعرف أنه لا يُقتَل، ثم أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، يقول: أشْهَدَ لك على نفسه أنه سيُظهِر دينك على الأديان. ثم قال له في أمته: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. فأخبر الله ما يَصْنع به، وما يَصْنع بأُمّته

أفادت الآثارُ الاختلاف في حدِّ الزاني المحصن على قولين: أحدهما: أنّ حدَّه: جلد مائة، والرجم. وهذا قول السدّي. والآخر: أنّ حدَّه: الرجم. وهذا قول الجمهور. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٩٨) القولَ الثاني استنادًا إلى السُّنَّةِ والإجماع قائلًا: «أولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ قولُ مَن قال: السبيلُ التي جعلها الله -جل ثناؤه- للثيبين المحصَنَيْن الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مائة ونفي سنة؛ لصِحَّةِ الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه رَجم ولم يجلد، وإجماعِ الحجة التي لا يجوز عليها -فيما نقلته مجمعةً عليه- الخطأ والسهو والكذب، وصحةِ الخبر عنه أنه قضى في البكرين بجلد مائة ونفي سنة. فكان في الذي صحَّ عنه مِن تركه جلدَ من رُجم مِن الزناة في عصره دليلٌ واضح على وهاء الخبر الذي رُوِي عن الحسن، عن حطان، عن عبادة، عن النبي ﷺ أنّه قال: «السبيل للثيب المحصن الجلد والرجم»»

قال ابنُ عطية (٥‏/‏٥٨٨): «والواو في قوله: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ طريق النحويين فيها أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم؛ لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام، ولو كانت فيما قبل من قوله: ﴿رابعهم﴾ و﴿سادسهم﴾ لصح الكلام. وتقول فرقة منها ابن خالويه: هي واو الثمانية. وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أنّ قريشًا كانت تقول في عددها: ستة سبعة وثمانية تسعة، فتدخل الواو في الثمانية». ثم قال: «وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه عز وجل، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل، والمراد به قوم من أهل الكتاب، وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم. ويستدل على هذا من الآية بأن القرآن لما حكى قول مَن قال: ثلاثة، وخمسة. قرَنَ بالقول أنه رجم بالغيب؛ فقدح ذلك فيها، ثم حكى هذه المقالة، ولم يقدح فيها بشيء، بل تركها مسجلة، وأيضًا فيقوي ذلك على القول بواو الثمانية؛ لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح»