أفادت الآثارُ الاختلافَ في المعنيِّ بقوله تعالى: ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المعنيَّ بها: البكران غير المحْصَنَين من الرجال والنساء. وهذا قول السديِّ، وابن زيد. وثانيها: أنّ المعنيَّ بها: الرجلان الزانيان. وهذا قول مجاهد. وثالثها: أنّ المعنيَّ بها: الرجل والمرأة؛ بكران أو ثيّبان. وهذا قول عطاء، وعكرمة، والحسن، وعبد الله بن كثير. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٠١-٥٠٢) القولَ الأولَ استنادًا إلى اللغة، والنظائر، والسياق، وقال: «لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حُكْمِ الزناة مِن الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ قصد البيان عن حكم الزواني؛ لقيل: والذين يأتونها منكم فآذوهم. أو قيل: والذي يأتيها منكم. كما قيل في التي قبلها: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾، فأخرج ذكرَهُنَّ على الجميع، ولم يقل: واللتان يأتيان الفاحشة. وكذلك تفعل العربُ إذا أرادت البيانَ على الوعيد على فعلٍ أو الوعدِ عليه أخرجت أسماءَ أهلِه بذكر الجميع أو الواحد؛ وذلك أن الواحدَ يدل على جنسه، ولا تخرجها بذكر اثنين، فتقول: الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذي يفعل كذا فله كذا، ولا تقول: اللذان يفعلان كذا فلهما كذا. إلا أن يكون فعلًا لا يكون إلا من شخصين مختلفين، كالزِّنا لا يكون إلا من زانٍ وزانية. فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يُراد بذلك الفاعل والمفعول به. فأمّا أن يذكر بذكر الاثنين، والمراد بذلك شخصان في فعل قد ينفرد كل واحد منهما به، أو في فعل لا يكونان فيه مشتركين؛ فذلك ما لا يُعْرف في كلامها». ثُمَّ انتَقَدَ القولين الآخرين من جهة اللغة، والعقل، فقال: «وإذا كان ذلك كذلك فبيِّنٌ فسادُ قول مَن قال: عُنِي بقوله: ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ الرجلان. وصحةُ قول مَن قال: عني به: الرجل والمرأة. وإذا كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنهما غير اللواتي تقدم بيان حكمهن في قوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾؛ لأنّ هذين اثنان، وأولئك جماعة. وإذا كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنّ الحبس كان للثيِّبات عقوبةً حتى يَتَوَفَّيْن مِن قبلِ أن يجعل لهن سبيلًا؛ لأنّه أغلظُ في العقوبة مِن الأذى الذي هو تعنيفٌ وتوبيخٌ أو سَبٌّ وتعييرٌ، كما كان السبيل التي جعلت لهن من الرجم أغلظ من السبيل التي جعلت للأبكار من جلد المائة ونفي السنة». وعلَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٩١) على القول الأول بقوله: «ومعنى هذا القولِ تامٌّ، إلا أن لفظ الآية يقلق عنه»

عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدِم على النبيِّ ﷺ وفدُ نجران سِتُّون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا مِن أشرافهم، فكلَّم رسولَ الله ﷺ منهم أبو حارثة بن عَلْقَمة، والعاقب عبد المسيح، والأَيْهَم السيِّد، وهو من النصرانيّة على دين الملك مع اختلاف من أمرهم؛ يقولون: هو الله. ويقولون: هو ولد الله. ويقولون: هو ثالث ثلاثة. كذلك قول النصرانية، فهم يحتجّون في قولهم، يقولون: هو الله بأنّه كان يُحْيِي الموتى، ويُبْرِئُ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا، وذلك كلّه بإذن الله ليجعله آيةً للناس. ويحتجّون في قولهم بأنّه ولد بأنهم يقولون: لم يكن له أب يُعْلَم، وقد تكلم في المهد شيئًا لم يصنعه أحدٌ مِن ولد آدم قبله. ويحتجّون في قولهم أنّه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ، وأمرتُ، وقضيتُ، وخلقتُ. ولكنه هو وعيسى ومريم، ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن، وذكر الله لنبيه فيه قولهم، فلمّا كلّمه الحبران قال لهما رسول الله ﷺ: «أسلِما». قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: «كذبتُما، منعكما من الإسلام دعاؤُكما لله ولدًا، وعبادتُكما الصليبَ، وأكلُكما الخنزيرَ». قالا: فمَن أبوه، يا محمد؟ فصَمَتَ، فلم يُجِبْهما شيئًا؛ فأنزل الله في ذلك مِن قولهم واختلافِ أمرِهم كلِّه صدرَ سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. فافتتح السورة بتنزيه نفسِه مما قالوه، وتوحيده إياها بالخلق والأمر لا شريك له فيه، وردّ عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه مِن الأنداد، واحتجاجًا عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرّفهم بذلك ضلالته؛ فقال: ﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ أي: ليس معه غيره شريك في أمره، ﴿الحي﴾ الذي لا يموت، وقد مات عيسى في قولهم، ﴿القيّوم﴾ القائم على سلطانه لا يزول، وقد زال عيسى

سورة المائدة — الآية ٢

عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: أقبل الحُطَمُ بن هند البَكْرِيّ، حتى أتى النبي ﷺ، فدعاه، فقال: إلامَ تدعو؟ فأخبره، وقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه: «يدخل اليومَ عليكم رجلٌ من رَبِيعة، يتكلم بلسان شيطان». فلما أخبره النبي ﷺ قال: انظروا، لَعَلِّي أُسْلِم، ولي من أُشاوِرُه. فخرج من عنده، فقال رسول الله ﷺ: «لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعَقِب غادر». فمَرَّ بِسَرْحٍ من سَرْح المدينة، فساقه وهو يرتجز: قد لفها الليل بسَوّاقٍ حُطَم ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّار على ظَهْر الوَضَمْ باتوا نيامًا وابنُ هند لم يَنَمْ بات يُقاسِيها غلام كالزُّلَمْ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ ثم أقبل من عامِ قابلٍ حاجًّا، قد قلَّد وأهدى، فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية حتى بلغ: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾. فقال الناس من أصحابه: يا رسول الله، خلِّ بيننا وبينه؛ فإنّه صاحبنا. قال: «إنّه قد قَلَّد». قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية. فأبى عليهم، فنزلت هذه الآية

سورة الشعراء — الآية ٥٢

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: ثم إنّ الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل، فقال: ﴿أسر بعبادي ليلا﴾، فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحُلِيَّ مِن القِبْط، وأمر أن لا ينادي أحدٌ منهم صاحبَه، وأن يُسْرِجوا في بيوتهم حتى الصبح، وأنّ مَن خرج منهم يلطخ أمام بابه بكفٍّ مِن دم حتى يُعلم أنه قد خرج، وأنّ الله قد أخرج كل ولد زنا في القِبط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل، وأخرج كل ولد زنا في بني إسرائيل من القِبط إلى القِبط حتى أتوا آباءَهم، ثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلًا، والقِبْطُ لا يعلمون، وألقي على القبط الموت، فمات كل بِكْرِ رَجُلٍ منهم، فأصبحوا يدفنونهم، فشُغِلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفًا، لا يَعُدُّون ابنَ عشرين لصِغَره، ولا ابن ستين لكِبَره، وإنما عدُّوا ما بين ذلك سوى الذُّرِّيَّة، وتبعهم فرعون على مقدمه هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان فيها ماذِيانة، وذلك حين يقول الله: ﴿فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون﴾

سورة النور — الآية ٣

قال يحيى بن سلّام: وبعضهم يقول: نزلت في كل زانية ثُمَّ نسِخَت، فيما حدثني نصر بن طريف وأبو أمية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور:٣٢]. وحدثني ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنّ رجلًا أتاه، فقال: إنِّي أصبتُ مِن امرأةٍ ما حَرَّم اللهُ، فأذهب اللهُ ذلك، ورزقني توبةً، فأردت أن أتزوجها، وإنهم يقولون: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾. فقال: كُنَّ بغايا لهن رايات مثل رايات البياطرة، فيدخل عليهن الناس. اذهب فتزوَّجها، فما كان مِن إثم فهو عَلَيَّ. وحدثني همام، عن قتادة: أنّ أُبي بن كعب ورجلًا من أصحاب النبي ﷺلم يروا بأسًا إذا زنى الرجلُ بالمرأة أن يتزوجها، وقالوا: الشرك أعظم من ذلك. قال يحيى: يعنون: أنها قد تكون مشركة ثم تُسْلِم، فهو أعظم مِن الزنا

اختلف أهل التأويل في معنى: الحكمة التي ذكرها الله في هذا الموضع على قولين: أحدهما: السُّنَّة. والآخر: المعرفة بالدين، والفقه فيه. وذَهَبَ ابنُ جرير (٢‏/‏٥٧٧) إلى الأوّل مُستندًا إلى اللغة، وأقوالِ السّلفِ، فقال: «الصواب من القول عندنا في الحكمة: أنّها العلم بأحكام الله التي لا يُدْرَك علمها إلا ببيان الرسول ﷺ، والمعرفة بها، وما دلَّ عليه ذلك من نظائره، وهو عندي مأخوذ من الحُكْم الذي بمعنى الفَصْل بين الحق والباطل، بمنزلة: الجِلسة والقِعدة، من: الجلوس والقعود، يُقال منه: إن فلانًا لَحَكيم بَيِّن الحكمة، يعني به: إنّه لبَيِّن الإصابة في القول والفعل، وإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم كتابَك الذي تنزله عليهم، وفَصْلِ قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها». ووافقَهَ ابن كثير (٢‏/‏٩٧)، وقال: «والحكمة، يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين. ولا منافاة»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٤٤-٤٥) في معنى: ﴿بِأَحْسَنِها﴾ احتمالين: الأول: «التفضيل». ووجَّهه بقوله: «كأنّه قال: إذا اعترض فيها مباحان فيأخذون الأحسن منهما؛ كالعفو والقصاص، والصبر والانتصار». ثم علَّق عليه بقوله: «هذا على القول أنّ أفعل التفضيل لا يقال إلا لما لهما اشتراك في المفضَّل فيه، وأما على القول الآخر فقد يراد بالأحسن: المأمور به بالإضافة للمنهي عنه؛ لأنه أحسن منه، وكذلك كالناسخ بالنسبة للمنسوخ ونحو هذا، وذهب إلى هذا المعنى الطبريُّ. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا التأويل أنّه تدخل فيه الفرائض، وهي لا تدخل في التأويل الأول، وقد يمكن أن يتصور اشتراك في حُسْن من المأمور به والمنهي عنه ولو بحسب الملاذ وشهوات النفس الأمارة». والثاني: «أن يريد بـ»أحْسَن«وصف الشريعة بجملتها». ووجَّهه بقوله: «فكأنّه قال: قد جعلنا لكم شريعة هي أحسن، كما تقول: الله أكبر. دون مقايسة، ثم قال: فمرهم يأخذوا بأحسنها الذي شرعناه لهم». ثم علَّق عليه بقوله: «وفي هذا التأويل اعتراضات»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾؛ فقيل: هم المكاتَبون. وقيل: إنهم عبيد يُشترون بهذا السهم. ورجَّح ابنُ جرير (١١‏/‏٥٢٥) مستندًا إلى الإجماع، والدلالات العقلية القولَ الأول دون الثاني الذي قاله ابن عباس، والحسن، ومالك، وأبو عبيد، فقال: «لإجماع الحُجَّة على ذلك، فإنّ الله جعل الزكاة حقًّا واجِبًا على مَن أوجبها عليه في ماله يُخرِجها منه، لا يرجع إليه منها نفعٌ مِن عَرَض الدنيا ولا عِوَض، والمُعْتِقُ رقبةً منها راجعٌ إليه ولاءَ مَن أعتقه، وذلك نفعٌ يعود إليه منها». وذكر أنّه قولُ الجمهور الأعظم. وذكر ابنُ تيمية (٣‏/‏٣٨٨-٣٨٩) أنّه يدخل في الرقاب: إعانةُ المكاتَبين، وافتداء الأسرى، وعتق الرقاب، ثم قال: «وهذا أقوى الأقوال فيها». وذكر ابنُ كثير (٧‏/‏٢٢٢) أنّه على القول الثاني فالرِّقاب أعمُّ مِن أن يُعْطِي المكاتَب، أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا

اختُلف في عوْد الضمير في قوله: ﴿نبرأها﴾ على أقوال: الأول: أنه عائد على المصيبة. الثاني: أنه عائد على الأنفس. الثالث: على الأرض. ذكره ابنُ عطية (٨‏/‏٢٣٧)، ونقل عن المهدوي القول بجواز عود الضمير على جميع ما ذُكر، ثم علَّق بقوله: «وهي كلّها معانٍ صحاح؛ لأن الكتاب السابق أزلي قبل هذه كلّها». وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏١٣٢) أنه قيل بعوْده على الأنفس لقربه منها، ورجَّح -مستندًا إلى السياق- عَوْده على الأنفس، وهو القول الثاني الذي قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والضَّحّاك، والحسن، وأبو العالية، فقال: «والتحقيق أن يُقال: هو عائد على البريّة التي تعمّ هذا كلّه، ودل عليه السياق وقوله: ﴿نبرأها﴾، فينتظم التقادير الثلاثة انتظامًا واحدًا». وبنحوه ابنُ كثير (١٣‏/‏٤٣٠). ثم علَّق ابنُ القيم بما يفيد ميله للعموم، فذكر أنه سبحانه قدّر ما يصيبهم مِن البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس، أو المصيبة، أو الأرض، ثم قال: «أو المجموع، وهو الأحسن»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٢٨٧): «المعروف: الذي نُهي عن العصيان فيه. قال أنس، وابن عباس، وزيد بن أسلم: هو النّوْح، وشقّ الجيوب، ووشْم الوجوه، ووصْل الشعر، وغير ذلك من أوامر الشريعة فرضها وندْبها». وقال ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٩٥): «قال: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ فقيّد المعصية، ولهذا فُسّرتْ بالنّياحة. قاله ابن عباس، ورُوي ذلك مرفوعًا. وكذلك قال زيد بن أسلم: لا يدعن ويلًا، ولا يَخْدِشن وجهًا، ولا يَنشُرن شعرًا، ولا يَشْقُقن ثوبًا. وقد قال بعضهم: هو جميع ما يأمرهم به الرسول من شرائع الإسلام وأدلته. كما قاله أبو سليمان الدمشقي. ولفظ الآية عام أنهنّ لا يَعصينه في معروف، ومعصيته لا تكون إلا في معروف؛ فإنه لا يأمر بمنكر، لكن هذا قيل: فيه دلالة على أن طاعة أولي الأمر إنما تلزم في المعروف، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف». ونظير هذا قوله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [الأنفال:٢٤]، وهو لا يدعو إلا إلى ذلك»