عن أبي هريرة -من طريق هلال- قال: أنزَل الله تعالى على نبيِّه ﷺ بمكة: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر:٤٥]، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، أيُّ جَمْعٍ؟ وذلك قبل بدر، فلما كان يوم بدر وانهزَمت قريشٌ نظَرْتُ إلى رسول الله ﷺ في آثارِهم مُصْلِتًا بالسيف، يقول: «﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾». وكانت ليوم بدر، فأنزل الله فيهم: ﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب﴾ الآية [المؤمنون:٦٤]، وأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا﴾ الآية [إبراهيم:٢٨]. ورماهم رسول الله ﷺ، فوَسِعَتْهم الرَّمْيَة، ومَلَأَت أعينهم وأفواههم، حتى إن الرجل ليُقْتَلُ وهو يُقْذِي عَيْنَيْه وفاه، فأنزل الله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال:١٧]. وأنزل الله في إبليس: ﴿فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون﴾. وقال عُتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر: غرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزَل الله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم﴾
عن حكيم بن جبير، قال: سألتُ سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، فقلتُ: زعَم قوم أنها نزلَتْ على بني إسرائيل، ولم تَنزِلْ علينا. قال: اقْرَأ ما قبلَها وما بعدَها. فقرأتُ عليه، فقال: لا، بل نزَلتْ علينا، ثم لَقيتُ مِقْسَمًا مَوْلى ابن عباس، فسألتُه عن هؤلاء الآيات التي في المائدة، قلتُ: زعَم قوم أنها نزلَتْ على بني إسرائيل، ولم تَنزِلْ علينا. قال: إنه قد نَزَلَ على بني إسرائيل ونَزَل علينا، وما نزَلَ علينا وعلَيهم فهو لنا ولهم، ثم دخلتُ على عليِّ بن الحسين، فسألتُه عن هذه الآيات التي في المائدة، وحدَّثتُه أني سألتُ عنها سعيد بن جُبير ومِقْسَمًا. قال: فما قال لك مِقْسَمٌ؟ فأخبرتُه بما قال، قال: صَدَق، ولكنه كُفرٌ ليس ككُفْرِ الشرك، وفِسْقٌ ليس كفسق الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك. فلَقيتُ سعيد بن جُبير فأخبرتُه بما قال، فقال سعيد بن جبير لابنه: كيف رأيتَه؟ لقد وجدتُ له فضلًا عليك وعليَّ وعلى مِقْسَم
عن معاذ بن جبل، قال: كُنّا مع النبي ﷺ، فتقدَّمت به راحلتُه، ثم إنّ راحلتي لَحِقَت براحلَتِه حتى نَطَحَت ركبتي ركبتَه، فقلتُ: يا رسول الله، إني أُريدُ أن أسألَك عن أمرٍ، يمنعُني مكانُ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾. قال: «ما هو، يا معاذ؟». قلتُ: ما العملُ الذي يُدخِلُني الجنة، ويُنَجِّيني مِن النار؟ قال: «قد سألتَ عن عظيم، وإنه يسيرٌ؛ شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وحجُّ البيت، وصومُ رمضان». ثم قال: «ألا أُخبرُك برأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروتِه؟ أمّا رأسُ الأمرِ فالإسلامُ، وعمودُه الصلاة، وأما ذِروتُه فالجهاد». ثم قال: «الصيامُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تُكفِّرُ الخطايا، وقيامُ الليل». وقرأ: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة:١٦] إلى آخر الآية. ثم قال: «ألا أُنَبِّئُك بما هو أملكُ بالناس مِن ذلك؟». ثم أخرَج لسانَه فأمسَكه بينَ إصبَعيه، فقلتُ: يا رسول الله، أكلُّ ما نتكلَّمُ به يُكتَبُ علينا؟ قال: «ثَكِلتك أمُّك، وهل يَكُبُّ الناسَ على مناخرِهم في النار إلا حصائدُ ألسنتِهم؟! إنك لن تزالَ سالِمًا ما أمسَكتَ لسانَك، فإذا تكلَّمتَ كُتِب عليك أو لك»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ يعني: مارية القِبْطيّة، وهي أُمّ إبراهيم بن محمد ﷺ، وذلك أنّ حفصة بنت عمر بن الخطاب زارتْ أباها، وكانت يومها عنده، فلمّا رجعتْ أبصَرت النبيَّ ﷺ مع مارية القِبْطيّة في بيتها، فلم تدخل حتى خَرجتْ مارية، فقالت للنبي ﷺ: إنِّي قد رأيتُ مَن كان معكَ في البيت يومي وعلى فراشي. فلمّا رأى النبي ﷺ في وجه حفصة الغَيْرة والكآبة قال لها: «يا حفصة، اكتمي عليَّ، ولا تُخبري عائشة، ولك عَلَيَّ ألّا أقرَبها أبدًا». قال مقاتل: قال النبي ﷺ لحفصة: «اكتمي عليّ حتى أُبشّركِ أنه يلي الأمر مِن بعدي أبو بكر، وبعد أبو بكر أبوكِ». فأمرها النبي ﷺ ألّا تُخبر أحدًا، فعَمدتْ حفصةُ فأَخبَرتْ عائشة، وكانتا مُتَصافِيَتَيْن، فغَضِبتْ عائشةُ، فلم تَزل بالنبي ﷺ حتى حلف ألّا يَقرب مارية القِبْطيّة؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾
اختُلِف فيمن عني بهذه الآية على قولين: الأول: عني بها المؤمنين من أمة محمد، وفيهم نزلت. والثاني: عني ببعضها أهل الشرك، وببعضها أهل الإسلام. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٣٠٨) أنها في المشركين، وأنها خطاب لهم مستندًا إلى السياق، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنها تتلو قوله: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون﴾. ويتلوها قوله: ﴿وكذب به قومك وهو الحق﴾. وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذبين، فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك، وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين؛ كان بيِّنًا أنّ ذلك وعيد لمن تقدَّم وصف الله إيّاه بالشرك، وتأخَّر الخبرُ عنه بالتكذيب، لا لمن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، غير أنّ ذلك وإن كان كذلك فإنه قد عَمَّ وعيده بذلك كل مَن سلك سبيلهم مِن أهل الخلاف على الله وعلى رسوله، والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها». وبنحوه رجَّح ابنُ عطية (٣/٣٨٢). وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣٨٢) على هذا الخلاف بقوله: «وهذا الاختلاف إنما هو بحسب ما يظهر من أنّ الآية تتناول معانيها المشركين والمؤمنين»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في من تَوَلّى النفقة في قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، على قولين: الأول: تَوَلّى ذلك أبو سفيان. الثاني: تولى ذلك المشركون من أهل بدر. ورجَّح ابن جرير (١١/١٧٤) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ الله أخبر عن الذين كفروا من مشركي قريش أنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وعليه فَكِلا القولين مندرج تحت عموم الآية، ثم قال: ""وإذ كان ذلك كذلك، فالصواب في ذلك أن يَعُمَّ كما عمَّ -جلَّ ثناؤه- الذين كفروا من قريش. ووافقه ابنُ كثير (٧/٧٤)، فقال: «وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًّا». وعلَّق ابنُ عطية (٤/١٨٦) على كلا القولين، فقال: «وعلى القولين فإنما أُنفِق المال في غزوة أحد، فأخبر الله تعالى في هذه الآية خبرًا لفظه عام في الكفار، والإشارة به إلى مخصوصين أنهم ينفقون أموالهم يقصدون بذلك الصد عن سبيل الله والدفع في صدر الإسلام، ثم أخبر خبرًا يخص المشار إليهم أنهم ينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إذ لا تتم لهم إرادة، ويذهب المال باطلًا»
اختلف في تفسير قوله: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾؛ فقال قوم: استثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين. وقال آخرون: بل معناه: واذكر ربك إذا غضبت. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٢٢٦) مستندًا إلى اللغة القول الأول دون الثاني الذي قاله عكرمة، فقال: «لأنّ أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك». وكذا رجَّحه ابنُ القيم (٢/١٥٨)، فقال: «وهو الصواب». ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ كثير (٩/١٢٤) هذه الأقوال، ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل في الآية وجه آخر، وهو أن يكون الله عز وجل قد أرشد مَن نسي الشيء في كلامه إلى ذِكر الله تعالى؛ لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾ [الكهف:٦٣]، وذِكْرُ الله تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذِكْرُ اللهِ سببٌ للذِّكر؛ ولهذا قال: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٩٠) أنه تُكُلِّم في هذه الآية في الأيمان، ثم رجَّح كونها ليست فيه، فقال: «والآية ليست في الأيمان، وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين»
علَّق ابنُ القيم (٢/٤٤٨) على هذا القول، فقال: «المعنى: أضلّه الله عالِمًا به وبأقواله، وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده، وأنّه أهلٌ للضلال، وليس أهلًا أن يهدى، وأنه لو هدي لكان قد وضع الهدى في غير محله، وعند مَن لا يستحقه، والربّ تعالى حكيم إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها، فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدّر عليه الضلال». ونقل ابنُ عطية (٨/٦٠٠-٦٠١) عن فرقة أنها قالت: أي: على علمٍ من هذا الضلال، فإنّ الحقّ هو الذي يُترك ويُعرض عنه. وعلَّق عليه بقوله: «فتكون الآية -على هذا التأويل- مِن آيات العناد؛ من نحو قوله: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل:١٤]». ثم قال: «وعلى كلا التأويلين فقوله تعالى: ﴿على علم﴾ حال». وذكر ابنُ القيم (٢/٤٤٧-٤٤٨) أنه على الأول يكون: ﴿على علم﴾ حال من الفاعل، والمعنى: أضله الله عالِمًا بأنه من أهل الضلال في سابق علمه، وعلى الثاني حال من المفعول، أي: أضلّه الله في حال عِلم الكافر بأنه ضال. وساق ابنُ كثير (١٢/٣٦٢) القولين، ثم علَّق بقوله: «والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس»
اختُلف في قوله: ﴿إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ على قولين: الأول: محجوبون عن كرامته. الثاني: محجوبون عن رؤيته. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٢٠٥-٢٠٦) العموم؛ لعدم الدليل على التخصيص، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر عن هؤلاء القوم أنهم عن رؤيته محجوبون. ويحتمل أن يكون مرادًا به: الحجاب عن كرامته. وأن يكون مرادًا به: الحجاب عن ذلك كلّه، ولا دلالة في الآية تدل على أنه مراد بذلك الحجاب عن معنى منه دون معنى، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ قامت حجّته. فالصواب أن يقال: هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته؛ إذ كان الخبر عامًّا، لا دلالة على خصوصه». وقال ابنُ عطية (٨/٥٦١ بتصرف يسير) معلّقًا على القولين: ""فمَن قال بالرؤية -وهم أهل السنة- قال: إنّ هؤلاء لا يرون ربّهم، فهم محجوبون عنه، واحتجَّ بهذه الآية مالك بن أنس عن مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب، وإلا فلو حجب الرؤية عن الكلّ لما أغنى هذا التخصص... ومَن قال بألاَّ رؤية -وهو قول المعتزلة- قال في هذه الآية: إنهم محجوبون عن رحمة ربّهم وغفرانه""
أفادت الآثار اختلاف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية على أربعة أقوال: أولها: أنها نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر، بقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبيّ ﷺ: إنما هو الذَّبح، فلا تنزلوا على حكم سعد. ثانيها: أنها نزلت في رجل من اليهود سأل رجلًا من المسلمين يسألُ رسول الله ﷺ عن حُكمه في قتِيلٍ قتله. ثالثها: أنها نزلت في عبد الله بن صوريا، وذلك أنه ارتدَّ بعد إسلامه. رابعها: عُني بذلك المنافقون. ورجَّحَ ابنُ جرير (٨/٤١٨-٤١٩) القولَ الثالث مستندًا إلى رواية الصحابة له، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: عني بقوله: ﴿لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ قومٌ من المنافقين، وجائزٌ أن يكون كان مِمَّن دخل في هذه الآية ابنُ صوريا، وجائز أن يكون أبو لبابة، وجائز أن يكون غيرُهما، غير أن أثبت شيء روي في ذلك ما ذكرناه من الرواية قبلُ عن أبي هريرة والبراء بن عازب؛ لأنّ ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ. وإذا كان ذلك كذلك كان الصحيحُ من القول فيه أن يُقال: عُنِي به: عبد الله بن صوريا. وإذا صحّ ذلك كان تأويل الآية: يا أيُّها الرسول، لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوّتك والتكذيبِ بأنك لي نبي، من الذين قالوا: صدَّقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينًا، بوجودنا صِفَتك في كتابنا. وذلك أنّ في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق عن الزهري: أنّ ابن صُوريا قال لرسول الله ﷺ: أما والله يا أبا القاسم، إنهم ليعلمون أنّك نبيٌّ مُرسَل، ولكنهم يحسدونك. فذلك كان -على هذا الخبر- من ابن صوريا إيمانًا برسول الله ﷺ بفيه، ولم يكن مصدِّقًا لذلك بقلبه، فقال الله جل وعزّ لنبيه محمد ﷺ مُطْلِعَه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول: ولم يصدِّق قلبُه بأنك لله رسول مرسل». وساق ابنُ عطية (٣/١٦٨) خلاف المفسرين في سبب نزول الآية وفيمن عني بها، ثم بيَّن أنّ ترتيب معنى الآية بحسب أقوالهم يحتمل احتمالين: الأول: أن يكون المعنى: يا أيها الرسول لا يحزنك المسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ويكون قوله: ﴿سَمّاعُونَ﴾ خبر ابتداء مضمر. الثاني: أن يكون المعنى: لا يحزنك المسارعون في الكفر من اليهود ووصفهم بأنهم ﴿قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ إلزامًا منه ذلك لهم من حيث حرَّفوا توراتهم وبدَّلوا أحكامها، فهم يقولون بأفواههم نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوها وجحدوا ما فيها من نبوة محمد ﷺ وغير ذلك مما كفر منهم. ثم علَّق على الاحتمال الثاني، بقوله: «ويؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا: ﴿وما أُولئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾، ويجيء -على هذا التأويل- قوله: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ كأنه قال:»ومنهم"" لكن صرح بذكر اليهود من حيث الطائفة السماعة غير الطائفة التي تبدل التوراة على علم منها». وذكر (٣/١٧٤) أنّ قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يُقوِّي هذا الاحتمال أيضًا