سورة آل عمران — الآية ٦٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا. فأنزل الله فيهم: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده﴾ إلى قوله: ﴿والله ولي المؤمنين﴾. فقال أبو رافع القُرَظِيُّ: أتريد منا -يا محمد- أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران: أذلك تريد، يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمُرَ بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني». فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله﴾ [آل عمران:٧٩] إلى قوله: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾، ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم، فقال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ [آل عمران:٨١] إلى قوله: ﴿من الشاهدين﴾

سورة الإسراء — الآية ٨٦

عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا قَدِم وفدُ اليمن على رسول الله ﷺ، فقالوا: أبَيْتَ اللَّعْنَ. فقال رسولُ الله ﷺ: «سبحان الله! إنّما يُقالُ هذا للمَلِكِ، ولستُ مَلِكًا، أنا محمدُ بن عبد الله». قالوا: إنّا لا ندعُوك باسمِك. قال: «فأنا أبو القاسمِ». فقالوا: يا أبا القاسم، إنّا قد خبَّأنا لك خبيئًا. فقال: «سبحانَ اللهِ! إنما يُفعَلُ هذا بالكاهنِ؛ والكاهنُ والمتكهِّنُ والكِهانةُ في النارِ». فقال له أحدُهم: فمَن يشهدُ لك أنك رسولُ اللهِ؟ فضرَب بيدِه إلى حَفْنة حصًا، فأخَذها، فقال: «هذا يشهَدُ أني رسول اللهِ». فسبَّحْن في يدِه، فقُلْن: نشهدُ أنك رسولُ اللهِ. فقالوا له: أسْمِعْنا بعضَ ما أُنزِل عليك. فقرأ: ﴿والصّافاتِ صَفًا﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات:١-١٠]. فإنه لَساكنٌ ما ينبِضُ منه عِرْقٌ، وإن دموعَه لَتسبِقُه إلى لحيتِه، فقالوا له: إنّا نراك تَبْكِي، أمِن خوفِ الذي بعَثك تَبْكي؟ قال: «بلى، مِن خوفِ الذي بعَثني أبْكِي، إنّه بعَثني على طريقٍ مثلِ حدِّ السيفِ، إن زِغْتُ عنه هَلكْتُ». ثم قرَأ: ﴿ولَئِن شِئنا لَنَذهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَينَآ إلَيكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينا وكِيلًا﴾

سورة الحجر — الآية ٩٥

عن سعيد بن جبير -من طريق زياد- في قوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾، قال: كان المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، [وأبا] زمعة، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن غَيْطَلَة، فأتاه جبرئيل، فأومأ بأصبعه إلى رأس الوليد، فقال: «ما صنعت شيئًا». قال: كُفِيتَ. وأومأ بيده إلى أخمص العاص، فقال النبي ﷺ: «ما صنعت شيئًا». فقال: كُفِيتَ. وأومأ بيده إلى عين أبي زمعة، فقال النبي ﷺ: «ما صنعت شيئًا». قال: كُفِيتَ. وأومأ بأصبعه إلى رأس الأسود، فقال النبي ﷺ: «دع لي خالي». فقال: كُفِيتَ. وأومأ بأصبعه إلى بطن الحارث، فقال النبي ﷺ: «ما صنعت شيئًا». فقال: كُفِيتَ. قال: فمَرَّ الوليد على قَيْنٍ لخزاعة وهو يَجُرُّ ثيابه، فتعلَّقت بثوبه بَرْوة أو شَرَرَة، وبين يديه نساء، فجعل يستحي أن يَطَأْمَن ينتزعها، وجعلت تضرب ساقَه، فخدشته، فلم يزل مريضًا حتى مات. وركب العاص بن وائل بغلة له بيضاء إلى حاجةٍ له بأسفل مكة، فذهب ينزل، فوضع أخمص قدمه على شِبْرِقة، فحَكَّت رِجلَه، فلم يزل يحكها حتى مات. وعمي أبو زمعة، وأخذت الأَكَلَة في رأس الأسود، وأخذ الحارث الماء في بطنه

سورة يس — الآية ٨

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ وذلك أنّ أبا جهل بن هشام حلف: لَئِن رأى النبيَّ ﷺ ليدمَغنَّه. فأتاه أبو جهل وهو يصلي، ومعه الحَجر، فرفع الحَجر ليدمغ النبيَّ ﷺ، فيَبِسَتْ يدُه، والتصق الحجرُ بيده، فلما رجع إلى أصحابه خلَّصوا يده، فسألوه، فأخبرهم بأمر الحجر، فقال رجل آخر من بني المغيرة المخزومي: أنا أقتله. فأخذ الحجر، فلما دنا مِن النبي ﷺ طمس الله عز وجل على بصره، فلم يرَ النبيَّ ﷺ، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه، فلم يُبْصِرهم حتى نادوه، فذلك قوله عز وجل: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ حين لم يرَ أصحابَه، فسألوه: ما صنعتَ؟ فقال: لقد سمعتُ قراءتَه وما رأيتُه. فأنزل الله عز وجل في أبي جهل: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. وأنزل الله عز وجل في الرجل الآخر: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ يعني: ظُلمة، فلم ير النبي ﷺ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فلم ير أصحابه، وكان معهم الوليد بن المغيرة

سورة الممتحنة — الآية ١٢

قال مقاتل بن سليمان: لَمّا فرغ النبيُّ ﷺ مِن بيعة الرجال وهو جالس على الصفا، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أسفل منه، فقال النبي ﷺ: «أُبايعكُنّ على أن لا تُشركنَ بالله شيئًا». وكانت هند بنت عُتبة امرأة أبي سُفيان منتقبة مع النساء، فَرفعتْ رأسها، فقالت: واللهِ، إنك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيتُكَ أخذْتَه على الرجال، فقد أعطيناكه. فقال النبي ﷺ: ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾. فقالت: واللهِ، إني لَأصيب من مال أبي سُفيان هَنات، فما أدري أتُحِلُّهُنَّ لي أم لا؟ فقال أبو سُفيان: نعم، ما أصبتِ مِن شيء فيما مضى وفيما غير فهو لكِ حلال. فقال النبي ﷺ: «وإنكِ لَهند بنت عُتبة». فقالت: نعم، فاعفُ عما سلف عفا الله عنك. ثم قال: ﴿ولا يَزْنِينَ﴾. قالت: وهل تزني الحُرّة؟! ثم قال: ﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾. فقالت: ربّيناهم صغارًا وقتلتموهم كبارًا، فأنتم وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى، ويقال: إنّ النبي ﷺ ضحك من قولها، ثم قال: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ﴾... قالت: واللهِ، إنّ البُهتان لَقبيح، ولبعض التجاوز أمثل، وما تأمر إلا بالرّشد ومكارم الأخلاق

سورة العلق — الآية ٥

قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد الحرام، فإذا أبو جهل يُقَلِّد إلهه الذي يعبده طوقًا مِن ذهب، وقد طيّبه بالمسك، وهو يقول: يا هُبَل، لكلّ شيء سكن، ولكلّ خير جزاء، أما وعِزّتك لَأَسُرَّنَّكَ القابل. وذلك أنه كان وُلد له في تلك السنة ألف من الإبل، وجاءه عِير مِن الشام، فربح عشرة آلاف مثقال مِن الذهب، فجعل ذلك الشكر لهُبل، وهو صنم كان في جوف الكعبة، طوله ثمانية عشر ذراعًا، فقال رسول الله ﷺ: «ويحك، أعطاك إلهك وشكرتَ غيره! أما -واللهِ- إنّ لله فيك نِقمة، فانظر متى تكون. ويحك، يا عمّ، أدعوك إلى الله وحده، فإنه ربّك وربّ آبائك الأولين، وهو خَلقك ورزقك، فإنّ اتبعتني أصبت الدنيا والآخرة». قال له: واللّاتِ والعُزّى وربّ هذه البنية، لئن لم تنته عن مقالتك هذه؛ فإن وجدتُك هاهنا وأنت تعبد غير آلهتنا لأسفعنّك على ناصيتك -يقول: لأُخرجنّك على وجهك-، أليس هؤلاء بناته؟! قال: «وأنى يكون له ولد؟!». فأنزل الله عز وجل: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ والنبي ﷺ يومئذ بالأراك ضُحى

قال ابنُ عطية (٣‏/‏١٠٥) في نزول الآية: «سبب نزول قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾: أنّ جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ، فوجد في البيت كلبًا، فلم يدخل، فقال له النبي ﷺ: «ادخل». فقال: أنا لا أدخل بيتًا فيه كلب. فأمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فقتلتُ حتى بلغتُ العوالي، فجاء عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة، فقالوا: يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الكلاب؟... وروى هذا السببَ أبو رافع مولى النبي ﷺ، وهو كان المتولي لقتل الكلاب، وحكاه أيضًا عكرمة، ومحمد بن كعب القرظي موقوفًا عليهما. وظاهر الآية أنّ سائلًا سأل عما أُحِلَّ للناس من المطاعم؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ ليس الجواب على ما يَحِلُّ لنا من اتخاذ الكلاب، اللهمَّ إلّا أن يكون هذا من إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه، وهذا موجود كثيرًا من النبي ﷺ كجوابه في لباس المحرم وغير ذلك، وهو ﷺ مُبِينُ الشرع، فإنما يُجاوِب مادًّا أطنابَ التعليم لأمته»

اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ على قراءتين: الأولى: ﴿شهادةَ اللهِ﴾ بإضافة الشهادة إلى الله، وخفض اسم الله. الثانية: (شهادةً آللهِ) بقطع الألف، وخفض اسم الله. ونقل ابن جرير (٩‏/‏٨١) قراءة ثالثة ولم ينسبها فقال: «وقرأها بعضهم: (ولا نكتم شهادةً اللهَ) بتنوين الشهادة ونصب اسم الله، بمعنى: ولا نكتم اللهَ شهادةً عندنا»، ووجَّه ابنُ جرير (٩‏/‏٨٠) القراءة الثانية بقوله: «وكأن الشعبي وجه معنى الكلام إلى أنهما يُقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا ولا نكتم شهادة عندنا، ثم ابتدأ يمينًا باستفهام بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنًا أو كتما شهادته عندهما لمن الآثمين»، وأردف قائلًا: «وقد رُوي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية»، وذكرها بسنده ""عن الشعبي، أنه قرأ: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ). قال أحمد: قال أبو عُبيد: يُنَوِّن شهادةً ويخفضُ الله على الاتصال. قال: وقد رواها بعضهم بقطع الألف على الاستفهام. وحفظي أنا لقراءة الشعبي تَرْكُ الاستفهام. ثم رجَّح القراءة الأولى مستندًا إلى أنها «القراءة المستفيضة في قَرَأَة الأمصار، التي لا تتناكر صحتها الأمة»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في من تَوَلّى النفقة في قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، على قولين: الأول: تَوَلّى ذلك أبو سفيان. الثاني: تولى ذلك المشركون من أهل بدر. ورجَّح ابن جرير (١١‏/‏١٧٤) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ الله أخبر عن الذين كفروا من مشركي قريش أنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وعليه فَكِلا القولين مندرج تحت عموم الآية، ثم قال: ""وإذ كان ذلك كذلك، فالصواب في ذلك أن يَعُمَّ كما عمَّ -جلَّ ثناؤه- الذين كفروا من قريش. ووافقه ابنُ كثير (٧‏/‏٧٤)، فقال: «وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًّا». وعلَّق ابنُ عطية (٤‏/‏١٨٦) على كلا القولين، فقال: «وعلى القولين فإنما أُنفِق المال في غزوة أحد، فأخبر الله تعالى في هذه الآية خبرًا لفظه عام في الكفار، والإشارة به إلى مخصوصين أنهم ينفقون أموالهم يقصدون بذلك الصد عن سبيل الله والدفع في صدر الإسلام، ثم أخبر خبرًا يخص المشار إليهم أنهم ينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إذ لا تتم لهم إرادة، ويذهب المال باطلًا»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٨٩-٥٩٠بتصرف) في الآية احتمالين، فقال: ""﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: إذ وعدتك، فاعلم يقينًا أنّه لا خلف في الوعد، فإذا رأيت ولدك لم يُحْمَل فكان الواجِبُ عليك أن تقِف وتعلم أنّ ذلك هو بحقٍّ واجب عند الله... ويحتمل قوله: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي: لا تطلب مني أمرًا لا تعلم المصلحة فيه علم يقين. ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي، وقال: إنّ ﴿بِهِ﴾ يجوز أن يتعلق بلفظة ﴿عِلْمٌ﴾ كما قال الشاعر:كان جزائي بالعصا أن أجلداويجوز أن يكون ﴿بِهِ﴾ بمنزلة: فيه، فتتعلق الباء بالمستقر. واختلاف هذين الوجهين إنما هو لفظي، والمعنى في الآية واحد"". وانتقد (٣‏/‏١٧٨) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية قول ابن زيد بقوله: «وهذا تأويل بشع، وليس في الألفاظ ما يقتضي أنّ نوحًا اعتقد هذا -وعياذًا بالله-، وغاية ما وقع لنوح عليه السلام أن رأى ترك ابنه معارِضًا للوعد فذكر به، ودعا بحسب الشفقة ليكشف له الوجه الذي استوجب به ابنه الترك في الغرقى»