عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: أنّ إبراهيم قال له أبوه: يا إبراهيم، إنّ لنا عيدًا، لو قد خرجت معنا إليه قد أعجبك دينُنا. فلمّا كان يومُ العيد فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال: إني سقيم. يقول: أشتكي رجلي، فتَوَطَّؤوا رجليه، وهو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم، وقد بقي ضَعْفى الناس: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين﴾. فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيمُ إلى بيت الآلهة، فإذا هُنَّ في بَهْوٍ عظيم، مستقبل باب البَهْو صنمٌ عظيم، إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعامًا، فوضعوه بين أيدي الآلهة، قالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا، وقد باركَتِ الآلهةُ في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليهم إبراهيم، وإلى ما بين أيديهم من الطعام، ﴿فقال ألا تأكلون﴾. فلمّا لم تُجِبْه، قال: ﴿ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين﴾ [الصافات:٩١-٩٣]. فأخذ حديدة، فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علَّق الفأس في عُنُق الصنم الأكبر، ثم خرج، فلما جاء القوم إلى طعامهم نظروا إلى آلهتهم، ﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ بقتْل كعب بن الأشرف، أرعَبهم الله بقتْله؛ لأنه كان رأسهم وسيدهم، قتَله محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه مِن الرضاعة، وغيره، وكان مع محمدٍ ليلة قتل كعب بن الأشرف أخو محمد بن سلمة، وأبو ليل، وعُتبة؛ كلّهم من الأنصار، ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وذلك أنّ المنافقين دَسُّوا وكتبوا إلى اليهود: ألّا يخرجوا مِن الحِصن، وأن يدبروا على الأَزِقّة وحصونها، فإن قاتَلتم محمدًا فنحن معكم لا نخذلكم ولَنَنصُرَنّكم، ولَئِن أُخرجتم لنَخرُجنّ معكم، فلمّا سار النبيُّ ﷺ إليهم وجدهم ينُوحون على كعب بن الأشرف. قالوا: يا محمد، واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، ونائحة على أثر نائحة. قال: نعم. قالوا: فذَرنا نبكي شُجونًا، ثم نأتَمر لأمرك. فقال النبيُّ ﷺ: «اخرجوا من المدينة». قالوا: الموتُ أقربُ إلينا مِن ذلك. فتَنادَوا الحربَ، واقتتلوا، وكان المؤمنون إذا ظهروا على دَرْبٍ مِن دُروبهم تأخّروا إلى الذي يليه، فنَقبوه مِن دُبره، ثم حصَّنوها، ويُخرب المسلمون ما ظهروا عليه مِن نَقض بيوتهم، فيَبنُون دروبًا على أفواه الأَزِقّة، فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾
اختُلِف في تأويل قوله: ﴿مثل ذلك﴾؛ فقال بعضهم: تفسيره: وعلى وارث الصبيِّ بعد وفاة أبويه مثلُ الذي كان على والده من أجر رضاعِه ونفقتِه، إذا لم يكن للمولود مالٌ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وعلى الوارث ألا يُضارَّ. وقال غيرهم: بل تفسير ذلك: وعلى الوارث مثلُ ما ذَكَرَه اللهُ تعالى. وذهب قومٌ إلى أنّ معنى ذلك: وعلى وارثِ المولود مثلُ الذي كان على المولود له مِن رزق والدته وكسوتها بالمعروف. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٢٣٣-٢٣٥) القولَ الأخيرَ مقرونًا بقيد كون الوالدة مِن أهل الحاجة، وإلا فمِثل الذي كان على والده لها مِن أجر رضاعه. فأمّا مُسْتَنَدُ ترجيحه فقد سبق ذِكْرُه في الخلاف الوارد في الوارث، واستند في قيده هذا إلى الإجماع، فقال: «وأمّا الذي قُلْنا: مِن وجوب رزق الوالدة وكسوتِها بالمعروف على ولدها إذا كانت الوالدةُ بالصِّفة التي وصَفْنا على مثلِ الذي كان يجب لها من ذلك على المولود له؛ فمِمّا لا خلاف فيه من أهل العلم جميعًا، فصحَّ ما قُلْنا في الآية مِن التأويل بالنَّقل المستفيض وراثة عمَّن لا يجوز خلافُه، وما عدا ذلك من التأويلات فمُتَنازَعٌ فيه، وقد دَلَّلْنا على فساده». وعلَّق ابنُ عطية (١/٥٧٥) على الخلاف في هذه الآية، فقال: «فالإجماعُ مِن الأمة: ألا يضارَّ الوارِثُ. والخلاف: هل عليه رِزْقٌ وكسوة، أم لا؟»
انتقد ابنُ كثير (١٢/٣٤٥) -مستندًا إلى دلالة العقل، والتاريخ- ما جاء في قول يزيد من احمرار أُفق السماء، فقال: «وذكروا أيضًا في مقتل الحسين أنه ما قُلب حجر يومئذ إلا وُجد تحته دم عبيط، وأنه كُسفت الشمس، واحمرّ الأُفق، وسقطت حجارة. وفي كلّ مِن ذلك نظر، والظاهر أنه مِن سخَف الشيعة وكذبهم؛ ليعظّموا الأمر -ولا شك أنه عظيم-، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه، وقد وقع ما هو أعظم مِن ذلك ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قُتل أبوه علي بن أبي طالب، وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء من ذلك، وعثمان بن عفان قُتل محصورًا مظلومًا، ولم يكن شيء من ذلك، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قُتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله ﷺ وهو سيّد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم بن النبي ﷺ خُسفت الشمس، فقال الناس: الشمس خُسفت لموت إبراهيم، فصلى بهم رسول الله ﷺ صلاة الكسوف، وخطبهم وبيّن لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته»
قال ابنُ عطية (٨/٣٢٦): «الطَّلاق على الجملة مكروه؛ لأنه تبديد شمْلٍ في الإسلام، وروى أبو موسى الأشعري أنّ النبي ﷺ قال: «لا تطلَّقوا النساء إلا من رِيبة؛ فإن الله لا يحب الذّواقين ولا الذّواقات». وروى أنس أنه عليه السلام قال: «ما حلف بالطَّلاق، ولا استحلف به إلا منافق»». وقال ابنُ عطية (٨/٣٢٧): «معنى هذه الآية: أن لا يُطلَّق أحدٌ امرأته إلا في طُهرٍ لم يَمسّها فيه، هذا على مذهب مالك وغيره ممن قال بأن الأقراء: الأطهار، فيُطلِّق عندهم المطلِّق في طُهرٍ لم يمسّ فيه وتعتد به المرأة، ثم تَحيض حيضتين تُعتدّ بالطُّهر الذي بينهما، ثم تقيم في الطُّهر الثالث معتدة به، فإذا رأتْ أول الحَيْضة الثالثة حلَّت، ومَن قال: بأن الأقراء: الحيض -وهم العراقيون- قال: ﴿لعدتهن﴾ معناه: أن تُطلَّق طاهرًا، فتستقبل ثلاث حِيض كوامل، فإذا رأت الطُّهر بعد الثالثة حلَّتْ، ويخفُّ عند هؤلاء مسّ في طُهر الطَّلاق أو لم يمسّ، وكذلك مالك يقول: إن طلَّق في طُهر قد مسّ فيه مضى الطَّلاق. ولا يجوز طلاق الحائض؛ لأنها تطول العِدّة عليها، وقيل: بل تعتدّ، ولو علل بالتطويل لا ينبغي أن يجوز ولو رضيته، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن عمر قال: «طلَّقت امرأتي وهي حائض...»»
عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس، قال: كان من حديث أصحاب الفيل أنّ أبْرَهَة الأشرم الحبشي كان ملِك اليمن، وأنّ ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميري خرج حاجًّا، فلما انصرف من مكة نزل في كنيسة بنجران، فغدا عليها ناس من أهل مكة، فأخذوا ما فيها من الحلي، وأخذوا متاع أكسوم، فانصرف إلى جدّه مُغضبًا، فبعث رجلًا مِن أصحابه -يُقال له: شهر بن معقود- على عشرين ألفًا من خولان والأشعريين، فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم، فتنحّتْ خثعم عن طريقهم، فلما دنا مِن الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم، ونصر، وثقيف، فقالوا: ما حاجتك إلى طائفنا، وإنما هي قرية صغيرة؟! ولكنا ندلّك على بيت بمكة يُعبد، وحِرْز من لجأ إليه، مَن مَلكه تمّ له مُلك العرب، فعليك به، ودَعْنا منك. فأتاه، حتى إذا بلغ المُغَمِّس وجد إبلًا لعبد المُطَّلِب مائة ناقة مُقلّدة، فأنهبها بين أصحابه، فلما بلغ ذلك عبد المُطَّلِب جاءه، وكان جميلًا، وكان له صديق من أهل اليمن يقال له: ذو عمرو، فسأله أن يَرُدّ عليه إبله، فقال: إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئتَ أدخلتُك على الملِك. فقال عبد المُطَّلِب: فافعل. فأدخَله عليه، فقال له: إنّ لي إليك حاجة. قال: قضيتُ كلّ حاجة تطلبها. قال: أنا في بلد حرام، وفي سبيل بين أرض العرب وأرض العجم، وكانت مائة ناقة لي مُقلّدة ترعى بهذا الوادي بين مكة وتِهامة عليها نمير أهلها، ونخرج إلى تجارتنا، ونتحمل من عدوّنا، عدا عليها جيشُك فأخذوها، وليس مثلك يظلم مَن جاوره. فالتفتَ إلى ذي عمرو، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجبًا، فقال: لو سألني كلّ شيء أُحرزه أعطيته إياه، أمّا إبلك فقد رددنا إليك ومثلها معها، فما يمنعك أن تكلّمني في بيتكم هذا وبلدكم هذ؟ فقال له عبد المُطَّلِب: أمّا بيتنا هذا وبلدنا هذا فإنّ لهما ربًّا، إن شاء أن يمنعهما منعهما، ولكني إنما أُكلّمك في مالي. فأمر عند ذلك بالرحيل، وقال: لتُهدمنّ الكعبة، ولتُنهبنّ مكة. فانصرف عبد المُطَّلِب وهو يقول: لا هُمّ إنّ المرء يمــ ـــنع رحْله فامنع حِلالك لا يغلبنّ صليبُهم ومِحالهم عدْوًا مِحالك فإذا فعلتَ فربما تحمِى فأمرٌ ما بدا لك فإذا فعلتَ فإنه أمر تُتمُ به فعالك وغدوا غدًا بجموعهم والفيل كي يَسبُوا عِيالك فإذا تركتَهم وكعــ ــــــبتنا فواحُزنًا هنالك فلما توجه شهرٌ وأصحابه بالفيل، وقد أجمعوا ما أجمعوا، طفق كلما وجّهوه أناخ وبَرك، فإذا صرفوه عنها مِن حيث أتى أسرع السير، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل، وخرجتْ عليهم طيرٌ من البحر لها خراطيم كأنها البَلسُ، شبيهة بالوطواط، حُمر وسود، فلما رأوها أشفقوا منها، وسُقط في أيديهم، فرمتْهم بحجارة مُدحرَجة كالبنادق، تقع على رأس الرجل فتخرج من جوفه، فلما أصبحوا مِن الغد أصبح عبد المُطَّلِب ومَن معه على جبالهم، فلم يروا أحدًا غشيهم، فبعث ابنه على فرس له سريع ينظر ما لقوا، فإذا هم مُشدَّخين جميعًا، فرجع يدفع فرسه كاشفًا عن فَخِذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: إنّ ابني أفرس العرب، وما كشف عن فَخذه إلا بشيرًا أو نذيرًا. فلما دنا من ناديهم قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعًا، فخرج عبد المُطَّلِب وأصحابه، فأخذوا أموالهم، وقال عبد المُطَّلِب: أنت منعتَ الجيش والأفيالا وقد رَعوا بمكة الأجبالا وقد خشينا منهم القتالا وكل أمر منهم مِعضالا شكرًا وحمدًا لك ذا الجلالا فانصرف شهرٌ هاربًا وحده، فأول منزل نزله سقطتْ يده اليُمنى، ثم نزل منزلًا آخر فسقطتْ رجله اليُسرى، ثم نزل منزلًا آخر فسقطتْ يده اليُسرى، ثم نزل منزلًا آخر فسقطتْ رجله اليُمنى، فأتى منزله وقومه وهو جسد لا أعضاء له، فأخبرهم الخبر، ثم فاضتْ نفسُه وهم ينظرون
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ وذلك أن عِير كفار قريش جاءت من الشام تريد مكة، فيها أبو سفيان بن حرب، وعمرو بن العاص، وعمرو بن هشام، ومَخْرَمَةُ بن نَوْفَل الزُّهْرِي في العِير، فبلغهم أنّ رسول الله ﷺ يريدهم، فبعثوا عمرو بن ضَمْضَم الغِفارِيّ إلى مكة مُسْتَغِيثًا، فخرجت قريش، وبعث النبي ﷺ عَدِيَّ بن أبي الزَّغْباءِ عينًا على العِير ليعلم أمرهم، ونزل جبريل عليه السلام، فأخبر النبي ﷺ بعير أهل مكة، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «إن الله يعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإما النصر والغنيمة، فما ترون؟» فأشاروا عليه: بل نسير إلى العِير. وكرهوا القتال، وقالوا: إنا لم نأخذ أُهْبَةَ القتال، وإنَّما نَفَرْنا إلى العير. ثم أعاد النبي ﷺ المشورة: فأشاروا عليه بالعير. فقال سعد بن عبادة الأنصاري: يا رسول الله، انظر أمرك فامْضِ له، فو الله لو سِرْت بنا إلى عَدَنٍ ما تخلف عنك رجل من الأنصار. ففرح النبي ﷺ، حتى عُرِف السرور في وجهه. فقال المِقْداد بن الأسود الكِندِيّ: إنا معك. فضحك النبي ﷺ، وقال لهم معروفًا. فأنزل الله عز وجل: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ للقتال، فلذلك ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ في أمر الغنيمة، فيها تقديم
عن قتادة بن دعامة، قال: ذُكِر لنا: أنّ هذه الآية نزَلت في الذين أقبَلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وكان جعفر لَحِق بالحبشة هو وأربعون معه مِن قريش، وخمسون مِن الأشْعَريِّين، منهم أربعةٌ مِن عَكٍّ، أكبرُهم أبو عامر الأشعري، وأصغرُهم عامر. فذُكِر لنا: أنّ قريشًا بَعَثوا في طَلَبِهم عمرَو بن العاص، وعُمارةَ بنَ الوليد، فأتَوُا النَّجاشيَّ، فقالوا: إنّ هؤلاء قد أفسَدوا دينَ قومِهم. فأرسَل إليهم، فجاءوا، فسألَهم، فقالوا: بعَث الله فينا نبيا كما بعَث في الأُممِ قبلنا، يَدعونا إلى الله وحده، ويأمُرُنا بالمعروف، ويَنْهانا عن المنكر، ويأمُرُنا بالصِّلَةِ، ويَنْهانا عن القطيعة، ويأمُرُنا بالوفاء، ويَنْهانا عن النَّكْث، وإنّ قومَنا بَغَوْا علينا، وأخرَجونا حينَ صَدَّقْناه وآمَنّا به، فلم نَجِدْ أحدًا نَلْجَأُ إليه غيرَك. فقال معروفًا. فقال عمرو وصاحبُه: إنّهم يقولون في عيسى غيرَ الذي تقول. قال: وما تقولون في عيسى؟ قالوا: نشهَدُ أنه عبدُ الله، ورسوله، وكلمةُ الله، ورُوحُه، وأنه ولدَته عذراءُ بَتُول. قال: ما أخْطَأْتُم. ثم قال لعمرو وأصحابه: لولا أنّكما أقبَلْتُما في جِواري لفعَلْتُ بكما وفعلتُ. وذُكِر لنا: أنّ جعفرًا وأصحابَه إذ أقبَلوا جاء أولئك معهم، فآمَنوا بمحمد ﷺ، فقال قائل: لو قد رَجَعوا إلى أرضِهم لَحِقوا بدينِهم. فحُدِّثْنا: أنّه قدِم مع جعفر سبعون منهم، فلما قرَأ عليهم نبي الله ﷺ فاضَت أعينُهم
عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبيِّ ﷺ إذ أتاه رجلٌ، فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخرُ، فشكى إليه قطع السبيل، فقال: «يا عديُّ، هل رأيت الحِيرة؟» قلت: لم أرَها، وقد أُنبِئت عنها. قال: «فإن طالت بك حياةٌ فلَتَرَيَنَّ الظَعِينةَ ترتحل مِن الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله». قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعّار طيء الذين قد سَعَّروا البلاد؟! «ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى». قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز، لئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخْرِج مِلْءَ كفِّه مِن ذهب وفضة يطلب مَن يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقين اللهَ أحدُكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم، فليقولن له: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أُعطِك مالًا، وأُفَضِّل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم». قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا النارَ، ولو بشق تمرة، فمَن لم يجد فبكلمة طيبة». قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل مِن الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت مِمَّن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قال النبيُّ أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفه
عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ ذا القرنين لما بلغ الجبل الذي يقال له: قاف؛ ناداه ملَك من الجبل: أيها الخاطئ ابن الخاطئ، جئت حيث لم يجئ أحد قبلك، ولا يجيء أحد بعدك. فأجابه ذو القرنين: وأين أنا؟ قال له الملك: أنت في الأرض السابعة. فقال له ذو القرنين: ما ينجيني؟ قال: ينجيك اليقين. فقال ذو القرنين: اللهم، ارزقني يقينًا. فأنجاه الله. قال له الملَك: إنك ستأتي إلى قوم لتبني لهم سدًّا، فإذا أنت بنيته وفرغت منه فلا تُحَدِّث نفسك أنك بنيته بحول منك أو قوة، فيسلط الله على بنيانك أضعف خلقه فيهدمه. ثم قال له ذو القرنين: ما هذا الجبل؟ فقال له: قاف. وهو أخضر، والسماء بيضاء، وإنما خضرتها من هذا الجبل، وهذا الجبل أمُّ الجبال كلها، والجبال كلها من عروقه، فإذا أراد الله أن يزلزل قريةً حرَّك مِنه عِرْقًا. ثم إنّ الملَك ناوله عُنقودًا من عنب، وقال له: حَبَّة ترويك، وحَبَّة تُشْبِعك، وكلما أخذت منه حَبَّةً عادت مكانها حَبَّةٌ. ثم خرج من عنده، فجاء البنيان الذي أراد الله، فقالوا له: ﴿يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿أجعل بينكم وبينهم ردما﴾. قال عكرمة: هم منسك، وناسك، وتاويل، وراحيل. وقال أبو سعيد: هم خمسة وعشرون قبيلة مِن وراء يأجوج ومأجوج