اختُلف في البلاء المذكور في قوله: ﴿وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين﴾ على قولين: الأول: أنه ابتلاهم بنعمه عليهم من فلْق البحر وإنجائهم من عدوهم وغير ذلك. الثاني: أنه ابتلاهم بالشدة والرخاء. ورجّح ابنُ جرير (٢١/٤٨) جواز القولين؛ للعموم، وعدم وجود دليل يشهد لأحدهما دون الآخر، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله أخبر أنه آتى بني إسرائيل من الآيات ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم، وقد يكون الابتلاء والاختبار بالرخاء، ويكون بالشدة، ولم يضع لنا دليلًا مِن خبر ولا عقل أنه عنى بعض ذلك دون بعض، وقد كان الله اختبرهم بالمعنيين كليهما جميعًا. وجائز أن يكون عنى اختباره إياهم بهما، فإذا كان الأمر على ما وصفنا فالصواب من القول فيه أن نقول كما قال -جل ثناؤه-: إنه اختبرهم»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٢) أن «المقسمات أمْرًا: الملائكة، والأمر هنا اسم الجنس». ووجَّه هذا المعنى بقوله: «فكأنه تعالى قال: والجماعات التي تقسم أمر الملكوت من الأرزاق والآجال، والخلْق في الأرحام، وأمر الرياح والجبال وغير ذلك؛ لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه». ثم علَّق بقوله: «فالآية تتضمّن جميع الملائكة؛ لأنهم كلهم في أمور مختلفة». وقال ابنُ تيمية (٦/١٠١): «﴿فالمقسمات أمرا﴾ وهم الملائكة باتفاق السلف وغيرهم من علماء المسلمين». وانتقد ابنُ القيم (٣/٢٨ بتصرف) -مستندًا إلى لفظ الآية- ما أفاده قول مقاتل مِن تخصيص هذا ببعض الملائكة، فقال: «والصحيح: أنّ ﴿فالمقسمات أمرا﴾ لا تختص بأربعة، وليس في اللفظ ما يدلّ على الاختصاص بهم»
ذكر ابن عطية (٨/٢١٦) احتمالين في معنى الآية: الأول: «أن يكون المعنى: سبّح الله تعالى بذكر أسمائه العُلى، و»الاسم«هنا بمعنى الجنس». ثم وجَّهه بقوله: «أي: بأسماء ربك، و﴿العظيم﴾ صفة للرَّبِّ تعالى». الثاني: «أن يكون»الاسم«هنا واحدًا مقصودًا، ويكون ﴿العظيم﴾ صفة له». ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه أمَره أن يسبِّحه باسمه الأعظم، وإن كان لم يَنُصَّ عليه، ويؤيد هذا ويشير إليه اتصال سورة الحديد، وأولها فيه التسبيح وجملةٌ من أسماء الله تعالى، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اسم الله الأعظم موجود في ستِّ آياتٍ من أول سورة الحديد. فتأمّل هذا؛ فإنّه مِن دقيق النظر، ولله تعالى في كتابه العزيز غوامضُ لا تكاد الأذهان تُدركها»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ على أقوال: الأول: أنّ المراد بذلك: يوم القيامة. الثاني: مدة بقاء الدنيا. الثالث: الحساب. وساق ابنُ عطية (٨/٤٠٢-٤٠٣) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «والعامل في قوله تعالى: ﴿يوم﴾ -على قول مَن قال: إنه يوم القيامة- قوله: ﴿دافع﴾، وعلى سائر الأقوال: ﴿تعرج﴾». وذكر ابنُ كثير (١٤/١٢٧) أنّ القول الأول وردت فيه أحاديث، وساق الحديث الوارد عن أبي سعيد في تفسير الآية، والوارد عن أبي هريرة في الآثار المتعلقة بالآية. وذكر قولًا آخر وهو أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة. ونسبه لمحمد بن كعب، وعلَّق عليه بقوله: «وهو قول غريب جدًّا»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿كمثل الذي استوقد نارًا﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا، ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾، قال: نِعَمُه عامَّة، ولا نعمة أفضل من الإسلام، والنِّعَم بعدُ تَبَعٌ لها. وقرأ قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم﴾ الآية [الحجرات:١٧]
عن علي بن أبي طالب -من طريق الحارث الأعور- أنّه قال وهو على المنبر: إنّ الرجل لَيخرج من أهله، فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملًا يستوجب به الجنة، وإنّ الرجل ليخرج من أهله، فما يعود إليهم حتى يعمل عملًا يستوجب به النار. ثمّ قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية
عن أبي الجَوْزاء -من طريق عمرو بن مالك- قال: والَّذي نفسي بيدِه، لَأَن تَمْتَلِئَ داري قِرَدَةً وخنازيرَ أحبُّ إلَيَّ مِن أن يجاورني أحدٌ مِن أهل الأهواء، لقد دخلوا في هذه الآية: ﴿ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا﴾
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿إن تصبروا وتتقوا﴾ الآية، قال: كان هذا موعِدًا مِن الله يوم أحد، عرضه على نبيه ﷺ: أنّ المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمَدَّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، ففرَّ المسلمون يوم أحد، ووَلَّوْا مُدبرين؛ فلم يُمِدَّهم الله
عن وحْشِيِّ بن حَرْب، قال: لَمّا مات النجاشيُّ قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إنَّ أخاكم النجاشي قد مات، قوموا فصلوا عليه». فقال رجل: يا رسول الله، كيف نصلي عليه وقد مات في كفره. قال: «ألا تسمعون إلى قول الله: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾» الآية