اختُلِف هل تكون الاستعاذة قبل القراءة، أو بعدها؟ على قولين. وذَهَبَ ابنُ عطية (٥/٤٠٧)، وابنُ كثير (٨/٣٥٣)، وابنُ القيم (٢/١٢٢) استنادًا إلى النظائر، والسنّة، وأقوال السلف إلى أنّ الاستعاذة تكون قبل القراءة. قال ابن عطية: «تقدير الآية: فإذا أخذت في قراءة القرآن. كما قال عز وجل: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة:٦]، وكما تقول لرجل: إذ أكلت فقل: بسم الله». وقال ابنُ كثير: «الصحيح الأول؛ لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة». وقال ابنُ القيم: «وكأن من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة. لاحظ هذا المعنى [يعني: بقاء فائدة القرآن، وحفظها، وثباتها]، وهو لعمر الله ملحظ جيد، إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعادة قبل الشروع في القراءة، وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف». وقال ابنُ جرير (١٤/٣٥٧) مبينًا المعنى: «إذا كنت -يا محمد- قارئًا القرآن؛ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم». واختُلِف في حكم الاستعاذة أواجبة هي، أو مندوبة؟ على قولين. وذَهَبَ ابنُ جرير، وابنُ عطية، وابنُ كثير استنادًا إلى الإجماع، وأقوال السلف إلى أنّ الاستعاذة ليست واجبة. قال ابنُ جرير (١٤/٣٥٧): «ليس قوله: ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءته أو بعدها أنه لم يضيع فرضًا واجبًا. وكان ابن زيد يقول في ذلك نحو الذي قلنا». وقال ابنُ عطية (٥/٤٠٧): «الاستعاذة ندب عند الجميع». وقال ابنُ كثير (٨/٣٥٣): «وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر ابن جرير، وغيره من الأئمة»
علّق ابنُ كثير (٩/١٩٤-١٩٥) على هذا الأثر، فقال: «ورواه أحمد أيضًا عن حسن -هو ابن موسى الأشيب- عن سفيان، عن قتادة، به. وكذا رواه ابن ماجه، عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: حدث رافع. وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عوانة، عن قتادة. ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه». ثم قال: «وهذا إسناده قوي، ولكن في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته. ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه، فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غدًا نفتحه. فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه. ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله. فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه. وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقّاه من كعب، فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحادثه، فحدَّث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم. ويؤكد ما قلناه -من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع- قول الإمام أحمد:حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ -قال سفيان: أربع نسوة- قالت: استيقظ النبيُّ ﷺ من نومه وهو مُحْمَرٌّ وجهُه، وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب مِن شرٍّ قد اقترب، فُتِح اليومُ مِن ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا». وحلَّق. قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثُر الخبث». هذا حديث صحيح، اتفق البخاري ومسلم على إخراجه»
انتقد ابنُ كثير (١١/٢٥٧-٢٥٨ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر القرآن، ودلالة التاريخ، والدلالة العقلية كون المدينة أنطاكية، فقال: «وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية... وفي ذلك نظر من وجوه: أحدها: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح؛ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بَتاركة، وهن: القدس؛ لأنها بلد المسيح، وأنطاكية؛ لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية؛ لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين، ثم رومية؛ لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأطده. ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم، كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم، فالله أعلم. الثاني: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف: أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمةً مِن الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين. ذكروه عند قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ [القصص:٤٣]. فعلى هذا يتعيَّن أن هذه القرية المذكورة في القرآن العظيم قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضًا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظًا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك». وبنحوه ابنُ تيمية (٥/٣١٨-٣٢٣) في كلام طويل
اتفق الأئمة على أنه إذا قُرئ: ﴿بضنين﴾ كان معناه: غير بخيل. وإذا قُرئ: ‹بِظَنِينٍ› كان معناه: غير مُتّهم. وزاد ابنُ عطية (٨/٥٥١) معلقًا على قراءة الظاء، فقال: «وهذا في المعنى نظير وصفه بـ﴿أمين﴾، وقيل: معناه: بضعف القوة عن التبليغ من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء. ورجّح أبو عبيد قراءة الظاء مشالة؛ لأن قريشًا لم تبخل محمدًا ﷺ فيما يأتي به، وإنما كذّبته، فقيل: ما هو بمُتّهم». وأضاف ابنُ القيم (٣/٢٦٣): «وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك؛ فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين». ورجّح ابنُ جرير (٢٤/١٧٠) -مستندًا لموافقتها مصاحف المسلمين- قراءة الضاد، فقال: «وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك ﴿بضنين﴾ بالضاد؛ لأنّ ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل مَن تأوله، وما محمد على ما علمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه -أيها الناس-، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلموه». ورجّح ابنُ تيمية (٦/٤٧٩) قراءة الظاء بقوله: «وهو المناسب». وبنحوه ابنُ القيم (٣/٢٦٤) مستندًا إلى ظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «قلت: ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله المَلكيّ مِن الأمانة، فنفى عنه التُّهمة، كما وصف جبريل بأنه أمين. ويرجّحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلّها عما جاء به من الغيب، فإنّ ذلك لو كان كذبًا فإمّا أن يكون منه، أو ممن علّمه، وإن كان منه فإمّا أن يكون تَعمَّده أو لم يَتعمّده، فإن كان مِن مُعلِّمه فليس هو بشيطان رجيم، وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين، وإن كان عن غير تعمُّد فهو المجنون، فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله». وعلّق ابنُ كثير (١٤/٢٧١) على القراءتين، فقال: «قلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح»
عن محمد ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم، كُلٌّ قد حَدَّث بعضَ الحديث عن يوم أحد، قالوا: لَمّا أُصِيبَتْ قريشٌ -أو مَن ناله منهم يومَ بدر مِن كفار قريش- ورجع فَلُّهُمْ إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعِيرِه، مشى عبد اللهابن أبي ربيعة وعكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش مِمَّن أُصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلَّموا أبا سفيان ابن حرب ومَن كانت له في تلك العِيرِ مِن قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إنّ محمدًا قد وتَرَكُمْ، وقتل خياركم، فأعِينُوننا بهذا المال على حربه، لعلَّنا نُدرِك منه ثأرًا بمَن أصاب. ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله - ﷺ -، وخرجت بحَدِّها وحديدها، وخرجوا معهم بالظُّعُنِ التماسَ الحَفِيظَةِ، ولِئَلّا يَفِرُّوا، وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس، فأقبلوا حتى نزلوا بِعَيْنَيْنِ: جبل ببطن السَّبْخَةِ من قناةٍ على شفير الوادي مِمّا يلي المدينة. فلمّا سمع بهم رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون -بالمشركين- قد نزلوا حيث نزلوا؛ قال رسول الله - ﷺ -: «إنِّي رأيتُ بقرًا تُنحَر، وأريت في ذُبابِ سيفي ثُلْمًا، ورأيت أنِّي أدْخَلْتُ يدي في دِرْعٍ حصينة، فأوَّلتُها المدينة، فإن رأيتُم أن تُقِيموا بالمدينةِ وتَدَعُوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها». ونزلت قريش منزلها أحدًا يوم الأربعاء، فأقاموا ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة، وراح رسول الله - ﷺ - حين صلّى الجمعة، فأصبح بالشِّعْبِ مِن أُحُد، فالتَقَوْا يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث، وكان رأيُ عبد الله بن أُبيٍّ مع رأي رسول الله - ﷺ - يرى رأيه في ذلك؛ أن لا يخرج إليهم، وكان رسول الله - ﷺ - يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسلمين -مِمَّن أكرمَ اللهُ بالشهادة يوم أحد وغيرهم مِمَّن كان فاته يوم بدر وحضوره-: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا؛ لا يرون أنا جَبُنّا عنهم وضَعُفْنا. فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: يا رسول الله، أقِم بالمدينة، فلا تخرج إليهم، فواللهِ، ما خرجنا منها إلى عدُوٍّ لنا قطُّ إلا أصاب مِنّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم، يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بِشَرٍّ، وإن دخلوا قاتلهم النساءُ والرجالُ والصبيانُ بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يَزَلِ الناسُ برسول الله - ﷺ - الذين كان مِن أمرهم حبُّ لقاء القوم؛ حتى دخل رسول الله - ﷺ - فلبس لَأْمَتَه، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، ثم خرج عليهم وقد ندِم الناسُ، وقالوا: اسْتَكْرَهْنا رسولَ الله - ﷺ -، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعُدْ. فقال رسول الله - ﷺ -: «ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لَأْمَتَهُأن يضعها حتى يُقاتِل». فخرج رسول الله - ﷺ - في ألف رجل مِن أصحابه، حتى إذا كانوا بالشَّوْط بين المدينة وأُحُدٍ تحوَّل عنه عبد الله بن أُبَيٍّ بثُلُثِ الناس، ومضى رسول الله - ﷺ - حتى سلك في حَرَّة بني حارثة، فذبَّ فرسٌ بذَنَبِه، فأصاب ذبابَ سيفٍ فاسْتَلَّه، فقال رسول الله - ﷺ - -وكان يُحِبُّ الفألَ ولا يعتافُ- لصاحب السيف: «شِمْ سيفَك؛ فإنِّي أرى السيوفَ سَتُسْتَلُّ اليومَ». ومضى رسول الله - ﷺ - حتى نزل بالشِّعْبِ مِن أُحُدٍ مِن عدْوَةِ الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وتَعَبَّأ رسولُ الله - ﷺ - للقتال، وهو في سبعمائة رجل، وأمَّر رسول الله - ﷺ - على الرُّماة عبد الله بن جُبَيْر، والرُّماةُ خمسون رجلًا، فقال: «انضَحْ عنّا الخيلَ بالنَّبْلِ، لا يأتونا مِن خلفنا، إن كان علينا أو لنا فأنت مكانَك، لا نُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِك». وظاهَرَ رسول الله - ﷺ - بين دِرْعَيْنِ
عن سلمان قال: كنتُ يتيمًا مِن رامَهُرْمُزَ، وكان ابنُ دِهْقانِ رامَهُرْمُزَ يختلفُ إلى مُعلِّمٍ يُعَلِّمُه، فلَزِمتُه لأكونَ في كَنَفِه، وكان لي أخٌ أكبرُ مِنِّي، وكان مُسْتَغْنِيًا في نفسِه، وكنتُ غلامًا فقيرًا، فكان إذا قامَ مِن مجلسِه تَفَرَّقَ مَن يُحَفِّظُه، فإذا تَفرَّقوا خرَج فتَقَنَّع بثوبِه، ثم صَعِد الجبل، فكان يفعلُ ذلك غيرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا. قال: فقلتُ: أما إنك تفعلُ كذا وكذا، فلِمَ لا تذهَبُ بي معك؟ قال: أنت غلامٌ، وأخافُ أن يظهرَ منك شيءٌ. قال: قلتُ: لا تَخَفْ. قال: فإنّ في هذا الجبل قومًا في بِرْطِيل، لهم عبادةٌ وصلاحٌ، يَذْكُرون الله عز وجل، ويذكرون الآخرة، يزعُمون أنّا عَبَدة النِّيران، وعَبَدة الأوثان، وأنّا على غير دين. قلتُ: فاذهَبْ بي معك إليهم. قال: لا أقدِرُ على ذلك حتى أسْتَأْمِرَهم، وأنا أخافُ أن يظهرَ منك شيءٌ فيَعْلمَ أبي، فيَقْتُلَ القومَ، فيَجْرِيَ هَلاكُهم على يَدَيَّ. قال: قلتُ: لم يظهَرْ منِّي ذلك. فاسْتأمَرَهم، فقال: غلام عندي يتيم، فأُحِبُّ أن يأتِيَكم، ويسمعَ كلامَكم. قالوا: إن كنتَ تَثِقُ به. قال: أرجو ألا يجيءَ منه إلا ما أُحِبُّ. قالوا: فجئْ به. فقال لي: قد استأذَنتُ القومَ أن تَجِيءَ معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتَني أخرجُ فيها فأْتِني، ولا يعلمُ بك أحدٌ، فإنّ أبي إن علِم قَتَلَهم. قال: فلما كانت الساعة التي يخرُجُ تَبِعْتُه، فصَعِد الجبل، فانتَهَينا إليهم، فإذا هم في بِرطِيلِهم -قال علي: وأُراه قال: هم ستةٌ أو سبعةٌ- قال: وكأنّ الروحَ قد خرَجت منهم مِن العبادة، يصومون النهار، ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجَدوا، فقَعَدْنا إليهم، فأثْنى ابن الدِّهْقان عليَّ خيرًا، فتَكَلَّموا، فحَمِدوا الله، وأثْنَوا عليه، وذكَروا مَن مَضى مِن الرسل والأنبياء، حتى خَلَصوا إلى عيسى ابن مريم، قالوا: بعَثه الله، ووُلد بغير ذَكَر، بعَثه الله رسولًا، وسخَّر له ما كان يفعلُ مِن إحياء الموتى، وخَلْقِ الطير، وإبراء الأعمى والأبرص، فكفَر به قومٌ وتَبِعه قومٌ، وإنما كان عبدَ الله ورسولَه، ابْتَلى به خلقَه. قال: وقالوا قبلَ ذلك: يا غلامُ، إن لك ربًّا، وإن لك معادًا، وإن بينَ يَدَيْك جنةً ونارًا، إليها تَصِيرُ، وإن هؤلاء القومَ الذين يعبُدون النيران أهلُ كفرٍ وضلالة، لا يَرْضى الله بما يَصْنَعون، وليسوا على دين. فلما حَضَرت الساعةُ التي ينصرفُ فيها الغلام انصَرَف وانصَرَفْتُ معه، ثم غَدَوْنا إليهم، فقالوا مثلَ ذلك وأحسنَ، فلَزِمْتُهم، فقالوا: يا سلمان، إنك غلام، وإنك لا تستطيعُ أن تصنعَ كما نصنع، فكُلْ واشرَبْ، وصَلِّ ونَمْ. قال: فاطَّلَع الملك على صنيع ابنِه، فرَكِب الخيل حتى أتاهم في بِرْطِيلِهم، فقال: يا هؤلاء، قد جاوَرْتُموني فأحْسَنْتُ جوارَكم، ولم تَرَوْا مِنِّي سُوءًا، فعَمَدْتم إلى ابني فأفْسَدْتُموه عليَّ، قد أجَّلْتُكم ثلاثًا؛ فإن قَدَرْتُ عليكم بعدَ ثلاثٍ أحْرَقْتُ عليكم بِرْطِيلَكم هذا، فالحَقُوا ببلادكم، فإني أكرَهُ أن يكونَ مني إليكم سُوءٌ. قالوا: نعم، ما تَعَمَّدنا مَساءَتَك، ولا أرَدْنا إلا الخير. فكَفَّ ابنُه عن إتْيانِهم، فقلتُ له: اتَّقِ الله، فإنك تعرِفُ أن هذا الدينَ دينُ الله، وإن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عَبَدةُ النيران لا يَعْرِفون الله، فلا تَبِعْ آخرِتَك بدُنْيا غيرِك. قال: يا سلمان، هو كما تقولُ، وإنما أتخلَّفُ عن القوم بُقْيا عليهم، إن اتَّبَعْتُ القوم يطلُبُني أبي في الخيل، وقد جَزِع مِن إتْياني إياهم حتى طَرَدَهم، وقد أعرِفُ أن الحقَّ في أيدِيهم. قلتُ: أنت أعلم. ثم لَقيتُ أخي فعَرَضْتُ عليه، فقال: أنا مُشْتغِلٌ بنفسي في طلب المعيشة. فأتَيتُهم في اليوم الذي أرادوا أن يَرتَحلِوا فيه، فقالوا: يا سلمان، قد كُنّا نَحْذَرُ، فكان ما رأيتَ، اتَّقِ الله، واعلمْ أن الدينَ ما أوْصَيناك به، وإن هؤلاء عبدةُ النيران، لا يَعْرِفون الله ولا يذكُرونه، فلا يَخْدَعَنَّك أحدٌ عن ذلك. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. قالوا: إنك لا تَقْدِرُ على أن تكونَ معنا، نحن نصومُ النهار، ونقومُ الليل، ونأكُلُ الشجرَ وما أصَبْنا، وأنت لا تستطيعُ ذلك. قال: قلتُ: لا أُفارقُكم. قالوا: أنت أعلمُ، قد أعلمناك حالَنا، فإذا أبيْتَ فاطلبْ أحدًا يكونُ معك، واحمِلْ معك شيئًا تأكُلُه، فإنك لا تستطيعُ ما نستطيعُ نحن. قال: ففَعَلْتُ ولَقِيتُ أخي، فعَرَضْتُ عليه، فأبى، فأتَيتُهم فتَحَمَّلوا، فكانوا يَمْشون وأمشِي معهم، فرَزَقَنا الله السلامة حتى قدِمنا المَوْصِلَ، فأتَينا بِيعةً بالموْصِلِ، فلما دَخلوا حَفَوا بهم، وقالوا: أين كنتم؟ قالوا: كُنّا في بلادٍ لا يذكُرون الله، بها عبدةُ نيرانٍ فطَرَدُونا، فقَدِمْنا عليكم. فلما كان بعدُ قالوا: يا سلمان، إن هاهنا قومًا في هذه الجبال هم أهلُ دينٍ، وإنا نريدُ لقاءَهم، فكَنْ أنت هاهنا مع هؤلاء، فإنهم أهلُ دينٍ وسَتَرى منهم ما تحِبُّ. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. قال: وأَوْصَوا بي أهلَ البيعة، فقال أهل دين البيعة: أقِمْ معنا، فانه لا يُعجزُك شيءٌ يسَعُنا. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِكم. فخرَجوا وأنا معهم، فأصْبَحنا بينَ جبال، فإذا صخرةٌ وماءٌ كثيرٌ في جِرارٍ وخبزٌ كثير، فقَعَدْنا عند الصخرة، فلما طَلَعَت الشمسُ خرَجوا مِن بين تلك الجبال، يخرُجُ رجلٌ رجلٌ مِن مكانِه، كأنّ الأرواحَ انتُزِعَت منهم، حتى كَثُروا، فرَحَّبوا بهم وحَفَوا، وقالوا: أين كنتُم، لم نَرَكم؟ قالوا: كُنّا في بلاد لا يذكرون اسم الله، فيها عَبَدةُ النيران، وكُنّا نعبُدُ الله فيها، فطَرَدونا. فقالوا: ما هذا الغلام؟ قالوا: فطَفِقوا يُثْنُونَ عليَّ، وقالوا: صَحِبَنا مِن تلك البلاد، فلم نَرَ منه إلا خيرًا. قال: فواللهِ، إنهم لكذا إذ طَلَع عليهم رجلٌ مِن كهف؛ رجلٌ طُوالٌ، فجاء حتى سَلَّم وجلَس، فَحفَوا به وعَظَّموه أصحابي الذين كنتُ معهم وأحْدَقوا به، فقال لهم: أين كنتُم؟ فأخبَروه، فقال: ما هذا الغلامُ معكم؟ فأثْنَوا عليَّ خيرًا، وأخبَروه باتِّباعي إياهم، ولم أرَ مِثْلَ إعْظامِهم إياه، فحَمِد الله، وأثْنى عليه، ثم ذكَر مَن أرسَل الله مِن رُسُلِه وأنبيائِه، وما لَقُوا، وما صُنِع بهم، حتى ذكَر مولدَ عيسى ابن مريم، وأنه وُلِد بغير ذَكر، فبعَثه اللهُ رسولًا، وأجرى على يدَيه إحياء الموتى، وإبراء الأعمى والأبرص، وأنه يخلُقُ مِن الطين كهيئة الطير فينفُخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذن الله، وأنزَل عليه الإنجيل، وعلَّمه التوراة، وبعَثه رسولًا إلى بني إسرائيل، فكفَر به قومٌ، وآمَن به قوم، وذكَر بعضَ ما لَقِي عيسى ابن مريم، وأنه كان عبدًا أنعَم الله عليه، فشكَر ذلك له، ورَضِي عنه، حتى قَبَضه الله، وهو يَعِظُمهم ويقولُ: اتقوا الله، والزَموا ما جاء به عيسى، ولا تُخالِفوا فيُخالَفَ بكم. ثم قال: مَن أراد أن يأخُذَ مِن هذا شيئًا فليَأخُذ. فجعَل الرجلُ يقومُ فيأخُذُ الجَرَّةَ مِن الماء والطعام والشيء، فقام إليه أصحابي الذين جئتُ معهم، فسَلَّموا عليه، وعَظَّموه، فقال لهم: الزَموا هذا الدينَ، وإياكم أن تَفَرَّقُوا، واسْتَوصُوا بهذا الغلامِ خيرًا. وقال لي: يا غلام، هذا دينُ اللهِ الذي تسمعُني أقولُه، وما سِواه هو الكفر. قال: قلتُ: ما أُفارِقُك. قال: إنك لن تستطيعَ أن تكونَ معي، إني لا أخرُجُ من كَهْفي هذا إلا كلَّ يوم أحَد، لا تقدرُ على الكينونة معي. قال: وأقبَل على أصحابِه، فقالوا: يا غلام، إنك لا تستطيعُ أن تكونَ معه. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: يا غلام، فإني أُعْلِمُك الآنَ أني أدخُلُ هذا الكهف ولا أخرُجُ منه إلى الأحد الآخر، وأنت أعلم. قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال له أصحابُه: يا فلان، هذا غلامٌ ونخافُ عليه. قال: قال لي: أنت أعلم. قلتُ: إني لا أُفارِقُك. فبَكى أصحابي الأوَّلون الذين كنتُ معهم عندَ فراقِهم إيّاي، فقال: خُذْ مِن هذا الطعامِ ما تَرى أنه يَكْفِيك إلى الأحدِ الآخر، وخُذْ مِن هذا الماء ما تَكْتَفي به. ففعلتُ، وتفرَّقوا، وذهَب كلُّ إنسانٍ إلى مكانِه الذي يكونُ فيه، وتَبِعتُه حتى دخَل الكهف في الجبل، فقال: ضَعْ ما معك وكُلْ واشرَبْ. وقام يُصَلِّي، فقُمْتُ معه أُصلِّي. قال: فانْفَتَل إليَّ، وقال: إنك لا تستطيعُ هذا، ولكن صَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ. ففعلتُ، فما رأيتُه نائمًا ولا طاعمًا إلا راكعًا وساجدًا إلى الأحد الآخر، فلما أصبحنا قال: خُذْ جَرَّتَك هذه، وانطلِق. فخرَجْتُ معه أتْبَعُه حتى انتَهَينا إلى الصخرة، وإذا هم قد خَرَجوا مِن تلك الجبال، واجْتَمعوا إلى الصخرة ينتظرون خُرُوجَه، فقعَدوا وجادَ في حديثه نحو المرة الأولى، فقال: الزَموا هذا الدينَ، ولا تَفَرَّقوا، واتقوا الله، واعلَموا أن عيسى ابن مريم كان عبد الله، أنعَم الله عليه. ثم ذكَرُوني فقالوا: يا فلان، كيف وجَدْتَ هذا الغلام؟ فأثْنى عليَّ، وقال خيرًا، فحَمِدوا الله، وإذا خبزٌ كثيرٌ وماء فأخذوا، وجعل الرجل يأخُذ بقَدْر ما يَكتَفي به، ففعلتُ، وتَفَرَّقوا في تلك الجبال، ورجَع إلى كهفه، ورجعتُ معه، فلَبِثَ ما شاء الله، يخرُجُ في كلِّ يوم أحد، ويخرُجون معه، ويُوصِيهم بما كان يُوصِيهم به، فخرَج في أحد، فلما اجتمعوا حمِد الله ووعظهم، وقال مثلَ ماكان يقولُ لهم، ثم قال لهم آخر ذلك: يا هؤلاء، إني قد كَبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عظمي، واقترب أجلي، وإنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا، ولا بد لي من إتيانه، فاسْتَوصُوا بهذا الغلام خيرًا، وإني رأيتُه لا بأس به. فجَزِع القوم، فما رأيتُ مثلَ جَزَعِهم، وقالوا: يا أبا فلان، أنت كبير، وأنت وحدك، ولا نأمنُ أن يُصيبَك الشيء، ولسنا أحوجَ ما كُنا إليك. قال: لا تُراجِعوني، لا بد لي من إتيانه، ولكن اسْتَوصُوا بهذا الغلام خيرًا، وافعَلوا وافعَلوا. قال: قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: يا سلمان، قد رأيتَ حالي وماكنتُ عليه، وليس هذا كذلك، إنما أمْشِي، أصومُ النهار، وأقومُ الليل، ولا أستطيعُ أن أحمِلَ معي زادًا ولا غيره، ولا تقدِرُ على هذا. قال: قلتُ: ما أنا بمُفارِقِك. قال: أنت أعلم. قالوا: يا أبا فلان، إنا نخافُ عليك وعلى هذا الغلام. قال: هو أعلم، قد أعْلَمتُه الحالة، وقد رأى ما كان قبل هذا. قلتُ: لا أُفارِقُك. قال: فبَكوا وودَّعوه، وقال لهم: اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتُكم به، فإن أعِشْ فلعلي أرجعُ إليكم، وإن أمُتْ فإن الله حيٌّ لا يموت. فسَلَّم عليهم وخرَج وخرَجتُ معه، وقال لي: احمِلْ معك مِن هذا الخبز شيئًا تأكُلُه. فخرَج وخرَجتُ معه، يمشي وأَتبعُه يذكر الله، ولا يلتفتُ ولا يقفُ على شيء، حتى إذا أمسى قال: يا سلمان، صَلِّ أنت ونَمْ، وكُلْ واشرَبْ. ثم قام هو يُصَلِّي، إلى أن انتَهى إلى بيت المقدس، وكان لا يرفعُ طَرْفَه إلى السماء إذا أمسى، حتى انتَهَينا إلى بيت المقدس، وإذا على الباب مُقْعَد، قال: يا عبد الله، قد ترى حالي، فتَصَدَّق عليَّ بشيء. فلم يَلْتفِتْ إليه، ودخَل المسجد ودخلتُ معه، فجعَل يَتَتبَّعُ أمكنة من المسجد يصلِّي فيها، ثم قال: يا سلمان، إني لم أنَمْ منذُ كذا وكذا، ولم أجِدْ طعمَ نوم، فإن أنت جعلتَ لي أن توقِظَني إذا بلَغ الظلُّ مكان كذا وكذا نمْتُ؛ فإني أحبُّ أن أنامَ في هذا المسجد، وإلا لم أنَمْ. قال: قلتُ: فإني أفعل. قال: فانظُر إذا بلَغ الظلُّ مكان كذا وكذا، فأيْقِظْني إذا غَلَبَتني عيني. فنامَ، فقلتُ في نفسي: هذا لم يَنَمْ منذ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعضَ ذلك، لأَدَعَنَّه ينام حتى يَشْتَفي من النوم. وكان فيما يمشي وأنا معه، يُقْبِلُ عليَّ، فيَعِظُني ويُخبِرُني أن لي ربًّا، وأن بين يديَّ جنةً ونارًا وحسابًا، ويُعْلِمُني بذلك ويُذَكِّرُني نحوَ ما كان يذكِّرُ القوم يوم الأحد، حتى قال فيما يقول لي: يا سلمان، إن الله تعالى سوف يبعثُ رسولًا اسمه أحمد، يخرجُ بتِهامةَ -وكان رجلًا أعجميًّا لا يُحْسِنُ أن يقولَ: تِهامَةُ. ولا: محمد-، علامتُه أنه يأكلُ الهدية، ولا يأكُلُ الصدقة، بينَ كَتِفَيه خاتم، وهذا زمانُه الذي يخرجُ فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسَبُني أُدْرِكُه، فإن أدْرَكْتَه أنت فصدِّقْه واتَّبِعْه. قلتُ: وإن أمَرَني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال: وإن أمَرك، فإن الحق فيما يَجِيءُ به، ورضا الرحمن فيما قال. فلم يَمْضِ إلا يسير حتى استيقظ فزعًا يذكُرُ الله، فقال: يا سلمان، مضى الفَيْءُ من هذا المكان ولم أذكُرِ الله، أين ما جعلتَ لي على نفسك؟ قال: قلتُ: أخْبَرتَني أنك لم تَنَم منذُ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعض ذلك، فأحْبَبْتُ أن تَشْتَفيَ من النوم. فحمِد الله، وقام فخرَج فتَبِعْتُه، فقال المُقْعَدُ: يا عبدَ الله، دخَلتَ فسألتُك فلم تُعْطِني، وخرَجْتَ فسألتُك فلم تُعْطِني. فقام ينظُرُ هل يَرى أحدًا، فلم يَرَه، فدَنا منه فقال: ناوِلْني يدَك. فناوَلَه، فقال: قُمْ باسم الله. فقامَ كأنه نَشِط من عِقال، صحيحًا لا عيبَ فيه، فخلّى عن يدِه، فانطَلَق ذاهبًا، وكان لا يَلْوِي على أحد، ولا يقومُ عليه، فقال لي المُقْعَدُ: يا غلام، احمِلْ عليَّ ثيابي حتى أنْطِلقَ وأُبشِّرَ أهلي. فحمَلْتُ عليه ثيابَه، وانطلَق لا يَلْوي عليَّ، فخرَجْتُ في إثْره أطْلُبُه، وكلما سألتُ عنه قالوا: أمامك. حتى لَقِيني الركبُ من كَلْب، فسألتُهم، فلما سَمِعوا لُغَتِي أناخ رجل منهم بعيره، فحمَلني فجعلني خلفه حتى أتَوا بي بلادهم. قال: فباعوني، فاشترتني امرأة من الأنصار، فجعلتني في حائط لها، وقدِم رسول الله ﷺ فأُخْبِرتُ به، فأخَذْتُ شيئًا من تمر حائطي، فجعلتُه على شيء، ثم أتَيتُه فوَجدتُ عنده أُناسًا، وإذا أبو بكر أقربُ القوم منه، فوضَعْتُه بينَ يديه، فقال: «ما هذا؟». قلتُ: صدقة. فقال للقوم: «كُلُوا». ولم يأكُل هو، ثم لَبِثتُ ما شاء الله، ثم أخذتُ مثل ذلك، فجعَلتُه على شيء، ثم أتَيتُه، فوَجدتُ عنده أُناسًا، وإذا أبو بكر أقربُ القوم منه، فوَضَعتُه بين يديه، فقال: «ما هذا؟». قلتُ: هدية. قال: «باسم الله». فأكَل وأكَل القوم. قال: قلتُ في نفسي: هذه من آياته، كان صاحبي رجلًا أعجميًّا لم يُحْسِنْ أن يقولَ: تهامةُ، قال: تِهْمةُ. وقال: أحمد. فدُرْتُ خلفَه، ففَطِن لي فأَرخى ثوبه، فإذا الخاتم في ناحية كتفِه الأيسر، فتَبَيَّنْتُه، ثم دُرْتُ حتى جَلَسْتُ بين يديه، فقلتُ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال: «مَن أنت؟». قلتُ: مملوك. فحدَّثْتُه بحديثي وحديث الرجل الذي كنتُ معه، وما أمرني به، قال: «لمَن أنت؟». قلتُ: لامرأة من الأنصار، جعلتني في حائط لها. قال: «يا أبا بكر». قال: لبَّيك. قال: «اشْتَرِه». قال: فاشتراني أبو بكر، فأعتقني، فلبثتُ ما شاء الله أن ألبث، ثم أتيتُه فسَلَّمتُ عليه، وقعدتُ بين يديه، فقلتُ: يا رسول الله، ما تقولُ في دين النصارى؟ قال: «لا خير فيهم ولا في دينهم». فدَخَلني أمر عظيم، فقلتُ في نفسي: هذا الذي كنتُ معه، ورأيتُ منه ما رأيتُ، أخذ بيد المقْعَد فأقامَه الله على يديه، لا خير في هؤلاء ولا في دينهم! فانصرفتُ وفي نفسي ما شاء الله، فأنزل الله بعدُ على النبيّ ﷺ: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ إلى آخر الآية. فقال النَّبِيّ ﷺ: «عليَّ بسلمان». فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف، فجئتُ حتى قعدتُ بين يديه، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ إلى آخر الآية. فقال: «يا سلمان، أولئك الذين كنتَ معهم وصاحبُك، لم يكونوا نصارى، إنما كانوا مسلمين». فقلتُ: يا رسول الله، فوالذي بعَثك بالحق، لقد أمرني باتِّباعك، فقلتُ له: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه، فأتْركُه؟ قال: نعم، فاتركه، فإن الحق وما يحبُ الله فيما يأمرُك
عن عبد الله بن عباس -من طريق عِكْرِمَة- قال: لَمّا هَجَمَ فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فَرَس أدْهَم ذَنُوب حصان؛ فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتَمَثَّل له جبريل على فرسٍ أنثى ودِيق، فلما رآها الحصان تَقَحَّم خلفها. قال: وعرف السامريُّ جبريلَ؛ لأنّ أمه حين خافت أن يُذبَح خلفته في غارٍ، وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيَغْذُوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنًا، وفي الأخرى عسلًا، وفي الأخرى سمنًا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عايَنَه في البحر عَرَفَه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تحت الحافر قبضة. قال سفيان: فكان ابنُ مسعود يقرؤها: (فَقَبَضتُ قَبْضَةً مِّنْ أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ). قال أبو سعيد: قال عكرمة، عن ابن عباس: وألقي في رُوع السامري: أنّك لا تلقيها على شيء فتقول: كن كذا وكذا، إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر وأغرق الله آل فرعون قال موسى لأخيه هارون: ﴿اخلفني في قومي وأصلح﴾ [الأعراف:١٤٢]. ومضى موسى لِمَوْعِد ربه، قال: وكان مع بني إسرائيل حُلِيٌّ مِن حُلِيِّ آل فرعون قد تَعَوَّرُوه، فكأنهم تَأَثَّمُوا منه، فأخرجوه لتَنزل النار فتأكله، فلما جمعوه، قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا، فقذفها فيه -وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا-، وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار. فصار عجلًا جسدًا له خوار، وكان يدخل الريح في دُبُرِه ويخرج من فِيهِ يسمع له صوت، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه:٩٠-٩١]
عن البراء بن عازب -من طريق أبي إسحاق- قال: جعل رسول الله ﷺ على الرُّماةِ يوم أحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبدَ الله بنَ جبير، ووضعهم موضِعًا، وقال: «إن رأيتمونا تَخَطَّفُنا الطيرُ فلا تبرحوا حتى أُرْسِل إليكم». فهزموهم، قال: فأنا واللهِ رأيتُ النساءَ يَشْدُدْنَ على الجبل، وقد بدت أسْوُقُهُنَّ وخلاخِلُهُنَّ، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله: الغنيمةَ، أيْ قومُ، الغنيمةَ، ظهر أصحابُكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفَنَسِيتُم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟! فقالوا: إنّا واللهِ لَنَأْتِيَنَّ الناسَ، فلَنُصِيبَنَّ من الغنيمة. فلما أتوهم صُرِفت وجوهُهم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسولُ في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة؛ سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا، قال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاثًا، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ مرتين. أفي القوم ابن الخطاب؟ مرتين. ثم أقبل على أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا، وقد كُفِيتُموهم. فما ملك عمرُ نفسَه أن قال: كذبتَ، واللهِ، يا عدوَّ الله، إنّ الذين عَدَدْتَ أحياءٌ كلُّهم، وقد بقي لك ما يسوءُك. قال: يوم بيوم بدر، والحربُ سِجالٌ، إنّكم ستجدون في القوم مُثْلَةً لم آمر بها ولم تَسُؤْني. ثم أخذ يرتجز: اعلُ، هُبَل. اعْلُ، هُبَلْ. فقال رسول الله ﷺ: «ألا تُجِيبونه؟». قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: «قولوا: اللهُ أعلى وأجلُّ». قال: إنّ لنا العُزّى، ولا عُزّى لكم. قال رسول الله ﷺ: «ألا تجيبونه؟». قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال:«قولوا: اللهُ مولانا، ولا مولى لكم»
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾، قال: كانوا عشرة رهطٍ تَخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلمّا حَضَر رجوعُ رسول الله ﷺ أوثَق سبعةٌ منهم أنفسَهم بسَواري المسجد، وكان مَمَرُّ النبيِّ ﷺ إذا رجع في المسجد عليهم، فلمّا رآهم قال: «مَن هؤلاء المُوثِقون أنفسَهم؟». قالوا: هذا أبو لُبابة وأصحابٌ له، تخلَّفوا عنك، يا رسول الله، أوثَقوا أنفسَهم، وحلَفوا أنهم لا يُطلِقُهم أحدٌ حتى يُطْلقهم النبيُّ ﷺ، ويَعْذِرَهم. قال: «وأنا أُقسِمُ بالله لا أُطلِقُهم ولا أعذِرُهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يُطلِقُهم، رَغِبوا عنِّي، وتخلَّفوا عن الغزو مع المسلمين». فلمّا بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نُطلِق أنفسَنا حتى يكون اللهُ هو الذي يُطلِقُنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم﴾. و«عسى» من الله واجبٌ، ﴿إن الله غفور رحيم﴾. فلمّا نزلت أرسل إليهم النبيُّ ﷺ، فأطلَقهم، وعَذرهم، فجاءوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالُنا فتَصدَّق بها عَنّا، واستغفِر لنا. قال: «ما أُمِرتُ أن آخُذ أموالَكم». فأنزل الله عز وجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ يقول: استغفِر لهم، ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ يقول: رحمةٌ لهم. فأخذ منهم الصَّدَقة، واسْتَغْفَر لهم. وكان ثلاثةُ نفرٍ منهم لم يُوثِقوا أنفسَهم بالسَّواري، فأُرجِئوا سَبْتَةً لا يدرون أيُعَذَّبون أو يُتابُ عليهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ إلى آخر الآية [التوبة:١١٧]. وقوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ إلى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾ [التوبة:١١٨]. يعني: إن استقاموا
عن محمد بن عمر، قال: حدَّثني يونس بن محمد بن فُضالة الظفري، عن أبيه، قال: وحدَّثني كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قالا: رأى رسولُ الله ﷺ من قومه كفًّا عنه، فجلس خاليًا، فتمنّى، فقال: ليته لا ينزل على شيء ينفرهم عني! وقارب رسول الله ﷺ قومه، ودنا منهم، ودنوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ مِن تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [سورة النجم:١٩-٢٠]. ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغرانيق العُلا، وإنّ شفاعتهن لتُرتجى. فتكلم رسول الله ﷺ بهما، ثم مضى، فقرأ السورة كلها، وسجد، وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود. ويُقال: إنّ أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا فسجد عليه، رفعه إلى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا، فبعض الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد. وبعضهم يقول: أبو أُحيحة. وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فعل ذلك. فرضوا بما تكلَّم به رسول الله ﷺ، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يُحيي ويُميت، ويخلُق ويرزُق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك. فكبُر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم حتى جلس في البيت، فلمّا أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله ﷺ: قلت على الله ما لم يقل. فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾