عن عبد الله بن عباس -من طريق عطيَّة العوفي- في قوله: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ الآية، قال: إنّ أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خَلَوْنَ مِن شوال حتى نزل أُحُدًا، وخرج رسول الله ﷺ فأذَّنَ في الناس فاجتمعوا، وأمَّر على الخيل الزبيرَ بن العوام، ومعه يومئذٍ المقدادُ بن الأسود الكِندِيُّ، وأعطى رسولُ الله ﷺ اللواءَ رجلًا من قريش يُقال له: مصعب بن عمير. وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحُسَّرِ، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله ﷺ الزبير، وقال: «استقبل خالد بن الوليد، فكُن بإزائه حتى أُوذِنَك». وأمر بخيلٍ أخرى فكانوا من جانب آخر، فقال: «لا تبرحوا حتى أُوذِنكم». وأقبل أبو سفيان يحملُ اللاتَ والعُزّى، فأرسل النبيُّ ﷺ إلى الزبير أن يحمِل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمَه ومن معه، فقال: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾. وإنّ الله وعد المؤمنين أن ينصرهم، وأنّه معهم. وإنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس فكانوا مِن ورائهم، فقال رسول الله ﷺ: «كونوا ههنا، فرُدُّوا وجهَ مَن نَدَّ مِنّا، وكونوا حرسًا لنا مِن قِبَل ظهورنا». وإنّ رسول الله ﷺ لَمّا هزم القوم هو وأصحابه الذين كانوا جُعِلوا من ورائهم، فقال بعضُهم لبعض لَمّا رَأَوُا النساءَ مُصْعِداتٍ في الجبل، ورَأَوُا الغنائمَ: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ، فأدرِكُوا الغنيمة قبل أن تُسْبَقُوا إليها. وقالت طائفة أخرى: بل نُطِيع رسول الله ﷺ، فنثبت مكاننا. فذلك قوله: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ للذين أرادوا الغنيمة، ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ للذين قالوا: نطيعُ رسولَ الله ﷺ، ونثبت مكاننا. فأتَوْا محمدًا ﷺ، فكان فشلًا حين تنازعوا بينهم، يقول: ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة
عن رجل من بني سليم، قال: جاورتُ أبا ذر بالرَّبَذَة، وله فيها قطيع إبل، له فيها راعٍ ضعيف، فقلت: يا أبا ذر، ألا أكون لك صاحبًا؛ أكْنُف راعِيَك، وأقتبس منك بعض ما عندك، لعل الله أن ينفعني به؟ فقال أبو ذر: إن صاحبي من أطاعني، فإما أنت مطيعي فأنت لي صاحب، وإلا فلا. قلت: ما الذي تسألني فيه الطاعة؟ قال: لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضله. قال: فلبثت معه ما شاء الله، ثم ذكر له في الماء حاجة، فقال: ائْتِنِي ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل، فإذا أفضلها فحلها ذَلُول، فهممت بأخذه، ثم ذكرت حاجتهم إليه، فتركته، وأخذت ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها، فحانت منه نظرة. فقال: يا أخا بني سليم، خُنتَني. فلما فهمتها منه خَلَّيْت سبيل الناقة، ورجعت إلى الإبل، فأخذت الفحل، فجئت به، فقال لجلسائه: مَن رجلان يحتسبان عملهما؟ قال رجلان: نحن. قال: أما لا فأَنيخاه، ثم اعْقِلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء فجَزِّئُوا لحمه على عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتًا منها. ففعلوا، فلما فَرَّق اللحم دعاني، فقال: ما أدري، أحفظت وصيتي فظهرت بها، أم نسيت فأعذرك؟ قلت: ما نسيت وصيتك، ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها، فهممت بأخذه، فذكرت حاجتكم إليه، فتركته. فقال: ما تركته إلا لحاجتي إليه. قلت: ما تركته إلا لذلك. قال: أفلا أخبرك بيوم حاجتي؟! إنّ يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي، إن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها، والوارث ينتظر متى تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث، فإن استطعت أن لا تكونن أعجز الثلاثة فلا تكونن، مع أنّ الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وإن هذا الجمل كان مما أُحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّ رجلا مِن بني عبس يُقال له: خالد بن سِنان. قال لقومه: إنِّي أُطْفِئُ عنكم نار الحَدَثان. فقال له عمارة بن زياد -رجل من قومه-: واللهِ، ما قلتَ لنا يا خالدُ قطُّ إلا حقًّا، فما شأنُك وشأنُ نارِ الحَدَثان، تزعم أنّك تُطْفِئُها؟ قال: فانطلق، وانطلق معه عمارة في ثلاثين من قومه، حتى أتوها وهي تخرج مِن شِقِّ جبلٍ مِن حَرَّةٍ يُقال لها: حَرَّة أشجع. فخطَّ لهم خالد خِطَّة، فأجلسهم فيها، فقال: إن أبطأتُ عليكم فلا تَدْعوني باسمي. فخرجتْ كأنها خيل شقر، يتبع بعضُها بعضًا، فاستقبلها خالد، فجعل يضربها بعصاه وهو يقول: بدا بدا بدا كل هُدى، زعم ابن راعية المعزى أنِّي لا أخرج منها وثيابي تندى. حتى دخل معها الشق، فأبطأ عليهم، فقال عمارة: واللهِ، لو كان صاحبكم حيًّا لقد خرج إليكم. فقالوا: إنّه قد نهانا أن ندعوه باسمه. قال: فقال: فادعوه باسمه؛ فواللهِ، لو كان صاحبكم حيًّا لقد خرج إليكم. فدعوه باسمه، فخرج إليهم وقد أخذ برأسه، فقال: ألم أنهكم أن تدعوني باسمي؟ قد واللهِ قتلتموني، فادفنوني، فإذا مرَّت بكم الحُمُر فيها حمارٌ أبْتَر فانبشوني؛ فإنّكم ستجدوني حيًّا. فدفنوه، فمرَّت بهم الحُمُر فيها حمار أبتر، فقالوا: انبشوه، فإنّه أمرنا أن ننبشه. فقال لهم عمارة: لا تَحَدَّثُ مُضَرُ أنّا ننبش موتانا، واللهِ، لا تنبشوه أبدًا. وقد كان خالد أخبرهم أن في عِكْم امرأته لوحين، فإذا أشْكَل عليكم أمرٌ فانظروا فيهما، فإنّكم سترون ما تسألون عنه. وقال: لا تَمَسّها حائض. فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما، فأخرجتهما وهي حائض، فذهب ما كان فيهما من علم. وقال أبو يونس: قال سماك بن حرب: سُئِل عنه النبي ﷺ، فقال: «ذاك نبي أضاعه قومُه». وإنّ ابنه أتى النبي ﷺ، فقال: «مرحبًا بابن أخي»
عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عمر- في قوله: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ﴾ الآية، قال: أقبلتْ قريشُ إلى النبي ﷺ، فقال لهم: «ما يمنعكم من الإسلام؛ فتسُودوا العرب؟». فقالوا: يا محمد، ما نفقه ما تقول، ولا نسمعه، وإنّ على قلوبنا لغُلْفًا. وأخذ أبو جهل ثوبًا، فمدّه فيما بينه وبين النبي ﷺ، فقال: يا محمد، ﴿قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفِي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾. فقال لهم النبيُّ ﷺ: «أدعوكم إلى خَصلتين: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله». فلما سمعوا شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦]، وقالوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص:٥]. وقال بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهَذا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص:٦-٨]. فهبط جبريل، فقال: يا محمد، إنّ الله يقرئك السلام، ويقول: أليس يزعم هؤلاء أن على قلوبهم أكِنّة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقْر، فليس يسمعون قولك؟! كيف ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦]، لو كان كما زعموا لم ينفروا، ولكنهم كاذبون، يسمعون ولا ينتفعون بذلك كراهية له. فلما كان من الغَد أقبل منهم سبعون رجلًا إلى النَّبِيّ ﷺ، فقالوا: يا محمد، اعْرض علينا الإسلام. فلما عرض عليهم الإسلام أسلموا عن آخرهم، فتبسم النبيُّ ﷺ، فقال: «الحمد الله، بالأمس تزعمون أنّ على قلوبكم غُلفًا، وقلوبكم في أكِنّة مما ندعوكم إليه، وفي آذانكم وقْرًا، وأصبحتم اليوم مسلمين». فقالوا: يا رسول الله، كذبنا -واللهِ- بالأمس، لو كان كذلك ما اهتدينا أبدًا، ولكن الله الصادق، والعباد الكاذبون عليه، وهو الغني، ونحن الفقراء إليه
أفادت الآثار الاختلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْناقِ﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ معناه: فاضربوا الأعناق، و﴿فوق﴾ صلة زائدة في الكلام. والثاني: أنّ معناه: واضربوا الرؤوس. والثالث: فاضربوا على الأعناق. وذَهَبَ ابنُ جرير (١١/٧١) إلى أنّ الآية تحتمل الأقوال الثلاثة؛ لعدم الدليل على تخصيص أحدها، فقال: «الصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين، مُعَلِّمَهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف: أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل. وقوله: ﴿فوق الأعناق﴾ محتمل أن يكون مرادًا به: الرؤوس، ومحتمل أن يكون مرادًا به: من فوق جلدة الأعناق، فيكون معناه: على الأعناق. وإذا احتمل ذلك، صح قول من قال: معناه: الأعناق. وإذا كان الأمر محتملًا ما ذكرنا من التأويل، لم يكن لنا أن نوجِّهه إلى بعض معانيه دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة تدلّ على خصوصه، فالواجب أن يقال: إن الله أمر بضرب رؤوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم، أصحابَ نبيه ﷺ الذين شهدوا معه بدرًا». وزاد ابنُ عطية (٤/١٥٠-١٥١) قولين آخرين، فقال: «ويحتمل عندي أن يريد بقوله: ﴿فوق الأعناق﴾ وصف أبلغ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس في المفصل، وينظر إلى هذا المعنى قول دُريد بن الصِّمَّة الجُشَمَيّ لابن الدُّغُنَّة السُّلَمي، حين قال له: خذ سيفي، وارفع به عن العظم، واخفض عن الدماغ، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال.... فيجيء على هذا ﴿فوق الأعناق﴾ متمكنًا. وقال ابن قتيبة: ﴿فوق﴾ في هذه الآية بمعنى (دون)». ثم اسْتَدْرَكَ على قول ابن قتيبة قائلًا: «وهذا خَطَأٌ بيِّنٌ، وإنما دخل عليه اللبس من قوله تعالى: ﴿ما بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة:٢٦] أي: فما دونها. قال القاضي أبو محمد: وليست ﴿فوق﴾ هنا بمعنى: دون، وإنما المراد فما فوقها في القلة والصغر، فأشبه المعنى دون»
وجّه ابنُ جرير (٢١/٥٤٤-٥٤٥) هذه القراءة، فقال: «وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة: ﴿وقومِ نوح﴾ بخفض القوم على معنى: وفي قوم نوح عطفًا بالقوم على موسى في قوله: ﴿وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون﴾». ووجّه معنى الآية عليها، فقال: «وتأويل ذلك في قراءة مَن قرأه خفضًا: وفي قوم نوح لهم أيضًا عبرة إذ أهلكناهم من قبل ثمود لمّا كذبوا رسولنا نوحًا؛ ﴿إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ يقول: إنهم كانوا مخالفين أمر الله، خارجين عن طاعته». وجعلها ابنُ عطية (٨/٧٩-٨٠) على هذه القراءة معطوفة على قوله: ﴿وفي ثمود﴾. وذكر ابنُ جرير قراءة مَن قرأ ذلك بنصب: ﴿وقوم﴾، وذكر فيها عدة احتمالات رتّب عليها معنى الآية، فقال: «ولنَصْب ذلك وجوه: أحدها: أن يكون القوم عطفًا على الهاء والميم في قوله: ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾؛ إذ كان كل عذاب مُهلك تسمّيه العرب: صاعقة، فيكون معنى الكلام حينئذ: فأخذتهم الصاعقة وأخذتْ قوم نوح من قبل. والثاني: أن يكون منصوبًا بمعنى الكلام، إذ كان فيما مضى من أخبار الأمم قبل دلالة على المراد من الكلام، وأن معناه: أهلكنا هذه الأمم وأهلكنا قوم نوح من قبل. والثالث: أن يضمر له فعلًا ناصبًا، فيكون معنى الكلام: واذكر لهم قوم نوح، كما قال: ﴿وإبراهيم إذ قال لقومه﴾ [العنكبوت:١٦] ونحو ذلك، بمعنى: أخبِرهم واذكر لهم». وعلى هذه القراءة ففي عطفها احتمالين ذكرهما ابنُ عطية، فقال: «وهو عطف إما على الضمير في قوله: ﴿فأخذتهم﴾ إذ هو بمنزلة: أهلكناهم، وإما على الضمير في قوله: ﴿نبذناهم﴾». ثم رجّح ابنُ جرير: أنهما «قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار؛ فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب». وزاد ابنُ عطية أن ذلك قُرأ بالرفع، ووجّهه، فقال: «وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث: (وقَوْمُ نُوحٍ) بالرفع، وذلك على الابتداء وإضمار الخبر»
اختُلف في تكرار قوله: ﴿ثم كل سوف تعلمون﴾ على أقوال: الأول: أنّ العلم الأول عند دخول القبر، والعلم الثاني عند الخروج منه. الثاني: أنّ العلم الأول للكفار، والثاني للمؤمنين. الثالث: أنّ العلم الأول عند نزول الموت، والثاني عند دخول القبر. ورجّح ابنُ القيم (٣/٣٥٦-٣٥٧ بتصرف) -مستندًا إلى الدلالة العقلية، وآثار السلف، والسياق- ما جاء في قول مقاتل والحسن قبله أنّ قوله: ﴿كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف يعلمون﴾ ليس تأكيدًا لحصول العلم، وإنما العلم الأول عند نزول الموت، والعلم الثاني في القبر، فقال: «ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه: أحدها: أنّ الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته وعدم الإخلال بالفصاحة. الثانى: توسُّط ﴿ثم﴾ بين العِلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبتين زمانًا وخطرًا. الثالث: أنّ هذا القول مطابق للواقع؛ فإنّ المحتَضَر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك عِلمًا هو فوق الأول. الرابع: أنّ عليَّ بن أبى طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر، قال الترمذي: حدثنا أبو كُريب... عن علي رضى الله عنه قال: ما زلنا نشُكّ في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿الهاكم التكاثر﴾. قال الواحدي: يعني: أنّ معنى قوله: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في القبر. الخامس: أنّ هذا مطابق لما بعده من قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾، فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدّم الأولى، وتراخى الثانية عنها». وقال ابنُ عطية (٨/٦٨١): «وقوله تعالى: ﴿كلا سوف تعلمون﴾ زجر ووعيد، ثم كرّر تعالى:﴿كلا﴾ تأكيدًا، ويأخذ الناس من هذا الزجر والوعيد المكررين كلُّ أحد على قدْر حظّه مِن التوغل فيما يكره. هذا تأويل جمهور المفسرين»
عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس وكنا عنده، فقال القوم: إنّ نوفًا الشامي يزعم: أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل. فكان ابن عباس مُتَّكئًا فاستوى جالسًا، فقال: كذب نوف، حدثني أُبَيّ بن كعب أنه سمع النبي ﷺ يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل واستحيا وأخذته ذِمامَةٌ من صاحبه، فقال له: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾؛ لَرأى من صاحبه عجبًا». قال: وكان النبي ﷺ إذا ذكر نبيًّا من الأنبياء بدأ بنفسه، فقال: «رحمة الله علينا وعلى صالح، ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد». ثم قال: «إنّ موسى بينا هو يخطب قومَه ذات يوم إذ قال لهم: ما في الأرض أحدٌ أعلم مني. فأوحى الله إليه: أن في الأرض مَن هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزود حوتًا مالحًا، فإذا فقدته فهو حيت تفقده. فتَزَوَّد حوتًا مالحًا، فانطلق هو وفتاه، حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة، فاضطرب، ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾. قال فتاه: إذا جاء نبيُّ الله حدَّثته. فأنساه الشيطان، فانطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر مِن النصب والكلال، ولم يكن يصيبه ما يصيب المسافر من النصب والكلال حتى جاوز ما أمر به، فقال موسى لفتاه: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال له فتاه: يا نبيَّ الله، ﴿أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت﴾ أن أُحَدِّثك، ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا﴾. قال: ﴿ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا﴾ يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فأطاف بها، فإذا هو برجل مسجًّى بثوب، فسَلَّم، فرفع رأسه، فقال له: مَن أنت؟ قال: موسى. قال: مَن موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل. قال: فما لك؟ قال: أُخبِرْتُ أنّ عندك علمًا؛ فأردتُ أن أصحبك. ﴿قال إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾. ﴿قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا﴾. قال: ﴿كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا﴾. قال: قد أمرت أن أفعله، ﴿ستجدني إن شاء الله صابرا﴾. ﴿قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا، فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة﴾، فخرج مَن كان فيها، وتخلَّف ليخرقها، فقال له موسى: تخرقها ﴿لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا. فانطلقا حتى﴾ إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر، وفيهم غلام، ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه، فأخذه، فقتله، فنفر موسى عند ذلك، وقال: ﴿أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. قال: فأخذته ذمامة مِن صاحبه، واستحيا، فقال: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية﴾ وقد أصاب موسى جهد شديد، ﴿فلم يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال﴾ له موسى مما نزل به من الجهد: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال: هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾. فأخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدِّثني. فقال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾. فإذا مرَّ عليها فرآها منخرِقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة من خشب، فانتفعوا بها. وأما الغلام فإنه كان طبع يوم طبع كافرًا، وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه شيئًا لأرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأراد ربك أن يبدلهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا، فوقع أبوه على أمه فعلقت ﴿خيرا منه زكاة وأقرب رحما، وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين﴾ إلى آخر الآية»
اختُلِف فيمن عُنِي بهذه الآية؛ فقال قوم: المهاجرون والأنصار. وقال آخرون: رجال من المهاجرين بأعيانهم. وقال غيرهم: بل عني بذلك كلّ شارٍ نفسَه في طاعة الله، أو أمر بمعروف. ورجَّح ابنُ جرير (٣/٥٩٤) القول الأخير الذي قاله عمر، وعلي، وابن عباس الذي أخرجه الحاكم، وأبو هريرة، والحسن، مستندًا إلى دلالة العقل في ظاهر الآية، فقال: «وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- وصف صفة فريقين: أحدهما: منافق يقول بلسانه خلاف ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رامها، وإذا نُهِي أخذته العزة بالإثم بما هو به آثم. والآخر منهما: بائعٌ نفسَه، طالِبٌ من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويل أنّ الفريق الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه إنّما شراها للوثوب بالفريق الفاجر طلب رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية. وأمّا ما رُوِي من نزول الآية في أمر صهيب فإنّ ذلك غيرُ مستنكر، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نزول آية من عند الله على رسوله ﷺ بسبب من الأسباب والمعنيُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٥٠٢)، وكذا ابنُ تيمية (١/٤٨٦). وذكر ابنُ عطية (١/٥٠٢-٥٠٣) أنّ من قال بنزول الآيات السابقة في الأخنس جعل هذه في المهاجرين والأنصار، ومن جعلها عامَّة جعل هذه كذلك. وبيَّن أن ﴿يشري﴾ معناه: يبيع، ومنه قوله:﴿وشروه بثمن بخس﴾ [يوسف:٢٠]، ثم نقل عن قوم أنهم قالوا: شرى بمعنى: اشترى، ثم عَلَّق، بقوله: «ويحتاج إلى هذا من تأوَّل الآية في صُهيب، لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال: إن عزْم صُهيب على قتالهم بيْعٌ لنفسه من الله تعالى فتستقيم اللفظة على معنى باع»
بيَّن ابنُ كثير (٣/٤٤١ بتصرف) القولَ في حكم الأَمَة إذا زنت، فقال: «ملخص الآية: أنها إذا زنت أقوال: أحدها: أنها تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده، وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: أولها: أنها تنفى عنه. وثانيها: لا تنفى عنه مطلقًا. وثالثها: أنها تنفى نصف سنة، وهو نصف نفي الحرة. وهذا الخلاف في مذهب الشافعي. وأما أبو حنيفة فعنده أنّ النفي تعزيرٌ ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام؛ إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء. وعند مالك أنّ النفي إنما هو على الرجال، وأما النساء فلا؛ لأن ذلك مضاد لصيانتهن. والله أعلم. والثاني: أنّ الأَمَة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان، وتضرب قبله تأديبًا غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير: أنها لا تضرب قبل الإحصان. وإن أراد نفيَه فيكون مذهبًا بالتأويل، وإلا فهو كالقول الثاني. والثالث: أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود، وهو أضعف الأقوال. والرابع: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين وترجم بعده، وهو قول أبي ثور، وهو ضعيف أيضًا». وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٦١٢-٦١٣) استنادًا إلى ظاهر الآية، وأقوال السلف إلى أنّ على الأمة إذا زنت نصف المائة، ونصف المدة، فقال في تأويل قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾: «يقول: فعليهن نصف ما على الحرائر من الحدِّ إذا هُنَّ زَنين قبل الإحصان بالأزواج. والعذاب الذي ذكره الله -تبارك وتعالى- في هذا الموضع هو الحدُّ، وذلك النصف الذي جعله الله عذابًا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هُنَّ أحصن: خمسون جلدة، ونَفي ستة أشهر، وذلك نصف عام؛ لأنّ الواجب على الحرة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج جلد مائة، ونفي حَوْلٍ؛ فالنصف من ذلك خمسون جلدة، ونفي نصف سنة، وذلك الذي جعله الله عذابًا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة»