أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في المعنيّ بـ﴿آزر﴾، هل هو اسم أم صفة؟ وإن كان اسمًا فمَن المسمّى به؟ على ثلاثة أقوال: الأول: هو اسم أبيه. وهو قول الضحاك، والسدي، وابن إسحاق، وسعيد بن عبدالعزيز. الثاني: أنه ليس بأبي إبراهيم. وهو قول ابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد، والسدي، وابن جريج. الثالث: هو سبٌّ وعيبٌ بكلامهم، ومعناه: مُعْوَجٌّ. كأنه تأوَّل أنه عابه بزَيْغِه واعْوِجاجِه عن الحقِّ. وهو قول سليمان التيمي. وقد ذكر ابنُ جرير (٩‏/‏٣٤٥) اختلاف القُرّاء في قراءة ﴿آزَرَ﴾، ورجَّح قراءة «من قرأ بفتح الراء من ﴿آزَرَ﴾ على إتْباعه إعراب الأبِ، وأنه في موضع خفضٍ، فَفُتِح إذ لم يكن جاريًا؛ لأنه اسمٌ أعجميٌّ». وبناءً على هذا الترجيح فقد جوَّز فَتْحَ ﴿آزَرَ﴾ مِن أحد وجهين: «إمّا أن يكون اسمًا لأبي إبراهيم عليه السلام، فيكون في موضع خفض ردًّا على الأبِ، أو يكون نعتًا له، فيكون أيضًا خفضًا، بمعنى تكرير اللام عليه، ولكنه لَمّا خَرَج مَخْرَج أحمر وأسود تُرِك إجراؤه، وفُعِل به كما يُفْعَل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: وإذ قال إبراهيم لأبيه الزائغ: أتَتَّخِذ أصنامًا آلهةً؟». وبناءً على هذين الوجهين، فقد رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، وأقوال السلف كون «آزر» اسما لأبي إبراهيم، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -تعالى ذِكْره- أخبر أنه أبوه، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم، دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعتٌ». ثم وجَّه (٩‏/‏٣٤٦) قولَ مَن يَنسِبون إبراهيم إلى «تارَح» لا إلى «آزر» استنادًا إلى التاريخ بأنّه: «غير مُحالٍ أن يكون كان له اسمان، كما لكثيرٍ من الناس في دهْرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثيرٍ منهم، وجائزٌ أن يكون لقبًا». وقوّى ابنُ كثير (٦‏/‏٩٤) توجيهه هذا، وقال: «وهذا الذي قاله جيِّد قَوِيٌّ»

اختُلف في عوْد الضمير في قوله: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ على أقوال: الأول: أنه عائد على القرآن، فهو علم للساعة لما فيه من البعث والجزاء. الثاني: أنه عائد على عيسى؛ إذ خروجه علم الساعة؛ لأنه من علامة القيامة وشروط الساعة. الثالث: أنه عائد على عيسى، والمعنى: أنّ ما أجراه الله على يديه من إحياء الموتى دليل على الساعة وبعْث الموتى. الرابع: أنه عائد على النبي ﷺ. ذكَره ابنُ عطية (٧‏/‏٥٥٩). وانتقد ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٢٣) القول الثالث الذي قاله ابن إسحاق، فقال: «وفي هذا نظر». وكذا انتقد القول الأول الذي قاله الحسن من طريق قتادة، وقتادة من طريق معمر، فقال: «وأبعد منه [أي: من قول ابن إسحاق] ما حكاه قتادة...: أي الضمير في ﴿وإنه﴾ عائد على القرآن». ثم رجَّح -مستندًا إلى دلالة السياق والقرآن والقراءات- القول الثاني الذي قاله ابن عباس، ومجاهد، والضَّحّاك، وأبو مالك، والحسن، وابن زيد، ومقاتل، والسُّدّي، فقال: «بل الصحيح أنه عائد على عيسى عليه السلام؛ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ أي: قبل موت عيسى ﷺ، ثم ﴿ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا﴾ [النساء:١٥٩]، ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: (وإنَّهُ لَعَلَمٌ لِّلسّاعَةِ) أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة». وساق ابنُ عطية الأقوال، ثم علَّق بقوله: «مَن قال: إن الإشارة إلى عيسى. حسن مع تأويله»علْم«، و»عَلَم«أي: هو إشعار بالساعة وشرط من أشراطها، يعني: خروجه في آخر الزمان، وكذلك من قال: الإشارة إلى محمد ﷺ، أي: هو آخر الأنبياء. فقد تميّزت الساعة به نوعًا وقدرًا من التمييز، وبقي التحديد التام الذي انفرد الله بعلمه، ومن قال: الإشارة إلى القرآن. حسُن قوله في قراءة من قرأ: ﴿لعلم﴾ بكسر العين وسكون اللام، أي: يعلمكم بها وبأهوالها وصفاتها، وفي قراءة من قرأ: (لَذِكْرٌ)»

اختُلف في معنى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ -بعد اتفاقهم على أنّ «المكنون»: المصون- على أقوال: الأول: أنه كتاب في السماء. الثاني: أنه التوراة والإنجيل. الثالث: اللوح المحفوظ. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٠) القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: إنه لكتابٌ كريمٌ، ذُكِر كرمه وشرفه فِي كتابٍ مكنونٍ، فمعنى الآية -على هذا-: الاستشهاد بالكتب المنزّلة، وهذا كقوله عز وجل: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٦]». ونقل عن بعض المتأوِّلين أنّ المراد: «مصاحف المسلمين، وكانت يوم نَزَلَتْ الآية لم تكن». ثم وجَّهه بقوله: «فهي -على هذا- إخبار بغيب، وكذلك هو كتاب مصون إلى يوم القيامة، ويؤيد هذا لفظة المَسِّ؛ فإنها تشير إلى المصاحف، وهي مستعارة من مسِّ الملائكة». ورجَّح ابنُ القيم (٣‏/‏١١٧) -مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية- أنّ «الكتاب المكنون»: هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة، فقال: «والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٦]، ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾، فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسّونه، وهذا هو الصحيح في معنى الآية». ثم بيَّن أوجه ترجيح هذا القول، وانتقد قول من قال: إنّ المراد مصاحف المسلمين مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «أحدها: أن ّالآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين، وأنّ محله لا يصل إليه فيمسّه إلا المطهّرون، فيستحيل على أخابث خلْق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسّوه، كما قال تعالى: ﴿وما تَنَزَلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهُمْ وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠-٢١١]، فنفى الفعل وتَأَتِّيه منهم، وقدرتهم عليه، فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم، ولا يقدرون عليه، فإنّ الفعل قد ينتفي عمّن يحسن منه، وقد يليق بمن لا يقدر عليه، فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس [١٣-١٦]: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾، فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أنّ الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به، وتقرير هذا المعنى أهمّ وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسّه إلا طاهر. الوجه الثاني: أنّ السورة مكية، والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين، من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنّة السور المدنية. الثالث: أنّ القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية، ولا في حياة رسول الله ﷺ، وإنما جُمع في المصحف في خلافة أبي بكر، وهذا وإن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار، يوضّحه الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ والمكنون: المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] وهكذا قال السلف، قال الكلبي: مكنون من الشياطين. وقال مقاتل: مستور. وقال مجاهد: لا يصيبه تراب ولا غبار. وقال أبو إسحاق: مصون في السماء. يوضّحه الوجه الخامس: أنّ وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا؛ فقوله: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] يوضحّه الوجه السادس: أنّ هذا أبلغ في الردّ على المكذّبين وأبلغ في تعظيم القرآن مِن كون المصحف لا يمسّه مُحدث. الوجه السابع: قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنًى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا، ومَن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كلٍّ منهما على حقيقته، وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي. الوجه الثامن: أنه قال: ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المتطهّرون، ولو أراد به منع المُحدث مِن مسّه لقال: إلا المتطهّرون، كما قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وفي الحديث: «اللهم، اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين». فالمتطهّر فاعل التطهير، والمطهّر الذي طهّره غيره، فالمتوضئ متطهّر، والملائكة مطهّرون. الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة؛ إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته، فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب، وهذا أمر مشترك، والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزلٌ من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان بوجهٍ ما، ولا يمسّ محله إلا المطهّرون وهم السّفرة الكرام البررة. الوجه العاشر: ما رواه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو الأحوص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، في قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، قال: ﴿المطهّرون﴾ الملائكة. وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع، وقال الحاكم: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع، ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصحّ من تفسير مَن بعد الصحابة، والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم. وقال حرب في مسائله: سمعت إسحاق في قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال: النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة». وذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏١٨٩) أن اللوح المحفوظ مراد من هذه الآية، فقال: «والصحيح اللوح المحفوظ الذي في السماء مراد من هذه الآية، وكذلك الملائكة مرادون مِن قوله: ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ لوجوه: أحدهما: إنّ هذا تفسير جماهير السلف من الصحابة ومَن بعدهم حتى الفقهاء الذين قالوا: لا يمس القرآن إلا طاهر، من أئمة المذاهب صرّحوا بذلك، وشبهوا هذه الآية بقوله: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١١-١٦]. وثانيها: أنه أخبر أن القرآن جميعه في كتاب، وحين نَزَلَتْ هذه الآية لم يكن نزل إلا بعض المكي منه، ولم يجمع جميعه في المصحف إلا بعد وفاة النبي ﷺ. وثالثها: أنه قال: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ والمكنون: المصون المحرّر الذي لا تناله أيدي المضلّين، فهذه صفة اللوح المحفوظ. ورابعها: أنّ قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ صفة للكتاب، ولو كان معناها الأمر لم يصح الوصف بها، وإنما يوصف بالجملة الخبرية. وخامسها: أنه لو كان معنى الكلام الأمر لقيل: فلا يمسه؛ لتوسط الأمر بما قبله. وسادسها: أنه قال: ﴿المُطَهَّرُونَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون تطهيرهم من غيرهم، ولو أريد طهارة بني آدم فقط لقيل: المتطهّرون، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، وقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وسابعها: أنّ هذا مسوق لبيان شرف القرآن، وعلوه، وحفظه»

سورة النساء — الآية ٢٣

عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وسليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط- قالوا: إنّما تحرم من الرضاعة ما كان من قِبَل النساء، ولا تحرم ما كان من قِبَل الرجال

سورة الأنعام — الآية ٩٥

عن أبي سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والضحاك بن مزاحم، وقتادة بن دعامة، وإسماعيل السُّدِّيّ، نحو ذلك

أفادت الآثارُ الاختلافَ في عقوبة الأذى المذكورة في الآية على ثلاثة أقوال: أولها: هي التعيير والتوبيخ باللسان. وهذا قول السديِّ، وقتادة. وثانيها: هو التَّعْيِيرُ باللسان، والسبِّ. وهذا قول مجاهد. وثالثها: التَّعْيِيرُ باللسان، والضرب بالنعال. وهذا قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٠٣-٥٠٤) إلى أنّ الأذى في الآية مُجْمَلٌ، أُخِذَ تفسيره في البكر مِن آية النور، وفي الثَّيِّبِ من السُّنَّةِ، مع دلالة الإجماع، فقال: «أوْلى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- كان أمَرَ المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتيا ذلك، وهما من أهل الإسلام. والأذى قد يقع لكل مكروهٍ نال الإنسانَ؛ مِن قول سَيِّءٍ باللسان، أو فعل، وليس في الآية بيانُ أيِّ ذلك كان أمَرَ به المؤمنين يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ مِن نَقْل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر، وأهلُ التأويل في ذلك مختلفون، وجائِزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان، أو اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما، وليس في العلم بأيِّ ذلك كان مِن أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة؛ إذْ كان الله -جل ثناؤه- قد نسخ ذلك من مُحْكَمه بما أوجب مِن الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب مِن الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة النور، بقوله: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وأمّا الذي أوْجَبَ في اللّاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد جعل لأهل الفاحشة مِن الزناة والزواني سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم». وقال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢١٤): «قوله تعالى: ﴿فآذوهما﴾ أمر بالأذى مطلقًا، ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره، بل ذكر أنّه يجب إيذاؤهما. ولفظ الأذى يستعمل في الأقوال كثيرًا؛ كقوله: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ [آل عمران:١١١]، وقوله: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ [الأحزاب:٥٧]، ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي﴾ [التوبة:٦١]، وقول النبي ﷺ: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله»، ونظائر ذلك كثيرة»

نقل ابنُ جرير (٢٤‏/‏٤٧٨) عن بعض أهل العربية أنّ معنى الآية: «وما لأحدٍ من خَلْقِ الله عند هذا الذي يؤتي ماله في سبيل الله يتزكى ﴿مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ يعني: من يدٍ يكافئه عليها، يقول: ليس يُنفِق ما يُنفِق من ذلك، ويُعطِي ما يُعطِي، مجازاة إنسانٍ يُجازيه على يدٍ له عنده، ولا مكافأةً له على نعمةٍ سلفتْ منه إليه أنعمها عليه، ولكن يؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجْه الله. قال: و﴿إلا﴾ في هذا الموضع بمعنى: لكن. وقال: يجوز أن يكون الفعل في المكافأة مستقبَلًا، فيكون معناه: ولم يُرِدْ بما أنفق مكافأةً من أحد، ويكون موقع اللام التي في»أحد"" في الهاء التي خفَضَتْها ﴿عِنْدَهُ﴾، فكأنك قلتَ: وما له عند أحدٍ فيما أنفق من نعمةٍ يلتمس ثوابها. قال: وقد تضعُ العربُ الحرفَ في غير موضعه إذا كان معروفًا، واستَشْهَدوا لِذلك ببيت النّابغة:وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ فِي ذِي المَطارَةِ عاقِلِ"". ثم رجَّحه ابن جرير (٢٤‏/‏٤٧٩) -مستندًا إلى اللغة، وأقوال السلف- قائلًا: «وهذا الذي قاله الذي حكينا قوله من أهل العربية، وزعم أنه مما يجوز هو الصحيحُ الذي جاءت به الآثار عن أهل التأويل، وقالوا: نزلت في أبي بكر بِعِتْقِه مَن أعتق من المماليك ابتغاء وجْه الله». ثم وجَّه قوله تعالى: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى﴾ على هذا المعنى، فقال: ""وعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن هؤلاء ينبغي أن يكون قوله: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلى﴾ نصبًا على الاستثناء من معنى قوله: ﴿وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾؛ لأنّ معنى الكلام: وما يُؤْتِي الذي يُؤْتِي من ماله ملتمسًا من أحدٍ ثوابه، إلا ابتغاء وجْه ربِّه. وجائزٌ أن يكون نصبُه على مخالفة ما بعد ﴿إلا﴾ ما قبلها، كما قال النّابِغةُ:وقَفْتُ فِيها أُصَيْلانًا أُسائِلُها عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدِإلّا الأَوارِيُّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ"". وعلَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٦٣٧) على ما رجَّحه ابن جرير قائلًا: «وذهب الطبري إلى أنّ المعنى: وليس يُعطي لِيُثاب نعمًا يُجزى بها يومًا وينتظر ثوابها. وحوَّم في هذا المعنى وحلَّق بتطويل غير مُغْنٍ، ويتَّجه المعنى الذي أراد بأيسر من قوله، وذلك أن يكون التقدير: وما لأحد عنده إعطاءٌ ليقع عليه من ذلك الأحد جزاءٌ بَعْدُ، بل هو لمجرد ثواب الله تعالى وجزائه»

سورة التوبة — الآية ٤٨

عن عروة، وموسى بن عقبة، قالا: ثُمَّ إنّ رسول الله - ﷺ - تجهَّزَ غازيًا الشامَ، فأذَّن في الناس بالخروج، وأمرهم به، وكان ذلك في حرٍّ شديدٍ لياليَ الخريف، والناس خارِفُونَ في نخيلهم، فأبطأ عنه ناسٌ كثيرٌ، وقالوا: الرومُ، ولا طاقة بهم. فخرج أهل الحَسَبِ، وتخلَّف المنافقون، وحدَّثوا أنفسهم أنّ رسول الله - ﷺ - لا يَرجعُ إليهم أبدًا، فاعتلُّوا، وثبَّطوا مَن أطاعه، وتخلَّف عنه رجال من المسلمين بأمرٍ كان لهم فيه عذرٌ؛ منهم السقيمُ، والمُعْسِرُ، وجاء سِتَّةُ نفرٍ كلُّهم مُعْسِرٌ يَسْتَحْمِلُونه، لا يُحِبُّون التَّخَلُّف عنه، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «لا أجد ما أحْمِلكم عليه». فتَولَّوا وأعينهم تفيض من الدمَّع حَزَنًا ألّا يجدُوا ما يُنفقون؛ منهم من بني سَلِمةَ عمرُو بنُ عَنَمَة، ومِن بني مازن بن النجار أبو ليلى عبدُ الرحمن بنُ كعب، ومِن بني حارثةَ عُلْبةُ بنُ زيدٍ، ومِن بني عمرو بن عوفٍ سالم بنُ عميرٍ، وهَرَمِيُّ بنُ عبد الله، وهم يُدْعَون: بني البكّاء، وعبدُ الله بنُ عمرٍو رجلٌ مِن بني مُزَينةَ، فهؤلاء الذين بَكَوْا، واطَّلع الله - عز وجل - أنّهم يُحِبُّون الجهادَ، وأنّه الجِدُّ من أنفسهم، فعذرهم في القرآن، فقال: ﴿ليسَ على الضُّعفاء ولا على المرضى ولا على الَّذين لا يجدُون ما يُنفقُون حرجٌ إذا نصحُوا لله ورسُوله﴾ الآية واللتين بعدها. وأتاه الجَدُّ بن قيس السَّلَمِيُّ وهو في المسجد، معه نفرٌ، فقال: يا رسول الله، ائْذَن لي في القعود؛ فإني ذو ضَيْعةٍ وعِلَّةٍ فيها عُذرٌ لي. فقال رسولُ الله - ﷺ -: «تجهَّز؛ فإنّك مُوسِرٌ، لعلَّك أن تُحْقِبَ بعضَ بناتِ بني الأصفر». فقال: يا رسول الله، ائْذن لي، ولا تَفْتِنِّي. فنزلت: ﴿ومنهُم من يقوُلُ ائذَن لي ولا تفتنِّي﴾ وخمسُ آياتٍ معها، يتبعُ بعضُها بعضًا. فخرَج رسولُ اللهِ - ﷺ - والمؤمنون معه، وكان مِمَّن تخلَّف عنه غَنْمَةُ بنُ وديعة من بني عمرو بن عوف، فقيل له: ما خلَّفك عن رسول الله - ﷺ -، وأنت مُوسِرٌ؟! فقال: الخوضُ واللعبُ. فأنزل الله فيه وفيمن تخلَّف من المنافقين: ﴿ولئن سألتهُم ليقُولُن إنمّاكُنّا نَخُوضُ ونلعبُ﴾ ثلاثَ آياتٍ متتابعاتٍ

سورة الأنفال — الآية ٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾، قال: أقبلَت عِيرُ أهل مكة من الشام، فبلَغ أهلَ المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله ﷺ يريدُ العِير، فبلغ أهلَ مكة ذلك، فأسرعوا السير إليها لكي لا يغلِبَ عليها رسول الله ﷺ وأصحابُه، فسبَقتِ العيرُ رسول الله ﷺ، وكان الله عز وجل وعَدَهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يلقَوُا العيرَ أحبَّ إليهم، وأيسرَ شوكة، وأخصرَ نفرًا، فلما سبقتِ العير وفاتتْ رسول الله ﷺ سار رسول الله ﷺ بالمسلمين يريدُ القوم، فكَرِه القومُ مسِيرَهم؛ لِشَوْكَة القوم، فنزل النبي ﷺ والمسلمون، بينَهم وبينَ الماء رَمْلَةٌ دِعْصَةٌ، فأصاب المسلمين ضعفٌ شديد، وألقى الشيطانُ في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينَهم يوسوسُهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسولُه وقد غلَبَكم المشركون على الماء وأنتم تُصَلُّون مُجْنِبين؟! فأمْطَر الله عليهم مطرًا شديدًا، فشَرِب المسلمون وتَطَهَّروا، فأذهب الله عنهم رِجْزَ الشيطان، وأشفَّ الرملُ من إصابة المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأمدَّ الله نبيه ﷺ والمؤمنين بأَلْف من الملائكة، فكان جبريل في خمسِمائة من الملائكة مُجَنِّبةً، وميكائيلُ في خمسِمائة من الملائكة مُجَنِّبةً، وجاء إبليس في جندٍ من الشياطين معه رايتُه، في صورة رجال من بني مُدْلِجٍ، والشيطان في صورة سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، فقال الشيطان للمشركين: ﴿لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم﴾ [الأنفال:٤٨]. فلما اصطَفَّ القوم قال أبو جهل: اللهم أوْلانا بالحقِّ فانصُرْه. ورفَع رسول الله ﷺ يدَيه فقال: «يا ربِّ، إن تَهْلِكْ هذه العِصابةُ في الأرض فلن تُعبَدَ في الأرض أبدًا». فقال له جبريل: خذْ قبضةً من التراب فارمِ به وجوههم. فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومَنخِرَيهِ وفمَه من تلك القبضة، فولَّوا مُدْبِرِين، وأقبَل جبريل إلى إبليس، فلما رآه -وكانت يده في يد رجل من المشركين- انتزَع إبليسُ يدَه، ثم ولّى مُدْبِرًا هو وشيعتُه، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعُمُ أنّك لنا جارٌ؟! فقال: ﴿إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾ [الأنفال:٤٨]. فذلك حين رأى الملائكة

سورة الأنفال — الآية ٧٠

قال مقاتل بن سليمان: كان النبي ﷺ جعل عمر بن الخطاب وخَبّاب بن الأَرَتِّ أولياءَ القبض يوم بدر، وقسمها النبي ﷺ بالمدينة، وانطلق بالأسارى فيهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وذلك أنّ العباس بن عبد المطلب يوم أُسر أُخذ منه عشرين أُوقِيَّة من ذهب، فلم تُحْسَب له من الفِداء، وكان فِداءُ كل أسير من المشركين أربعين أُوقِيَّة من ذهب، وكان أول من فدى نفسه أبو وديعة ضَمْرَة بن صُبَيْرَةَ السهمي، وسهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي القُرَشِيّان. فقال النبي ﷺ: «أضْعِفُوا الفداءَ على العباس». وكُلِّف أن يفتدي ابنَيْ أخيه، فأَدّى عنهما ثمانين أُوقِيَّة من ذهب، وكان فداء العباس بثمانين أوقية، وأخذ منه عشرون أُوقِيَّة، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية، فقال العباس للنبي ﷺ: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشًا بكَفِّي. وقال له ﷺ: «أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل». فقال العباس: أيُّ الذهب؟ فقال له رسول الله ﷺ: «إنك قلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي ما حدث فهو لك ولولدك». فقال: يا ابن أخي، من أخبرك؟ قال: «الله أخبرني». قال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول قط قبل اليوم، قد علمت أنه لم يُطْلِعْك عليه إلا عالمُ السَّرائر، وأشهد ألا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، وكفرت بما سواه. وأمر ابنَيْ أخيه فأسلما، ففيهما نزلت: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن فِي أيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى﴾، ... فقال العباس بعد ذلك: لقد أعطاني الله خصلتين ما من شيء هو أفضل منهما؛ أما أحدهما فالذهب الذي أخذ مني فآتاني الله خيرًا منه عشرين عبدًا، وأما الثانية فتنجيز موعود الله الصادق وهو المغفرة، فليس أحد أفضل من هذا. ومن كان من أسارى بدر وليس له فدًى فإنه يُدْفَع إليه عشرة غلمان يعلمهم الكتاب، فإذا حَذَقُوا بَرِئَ الأسير من الفِداء، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون