عن سعيد بن جبير أنّه كان مع أُناسٍ ليلًا، فقال: سَلُوني قبل ألّا تسألوني. فسأله القوم، فأكثروا، وكان فيما سُئِل عنه أن قيل له: أحقٌّ ما سمعنا في المقام؟ فقال سعيد: ماذا سمعتم؟ قالوا: سمعنا أنّ إبراهيم رسول الله حين جاء مِن الشام كان حلف لامرأته أن لا ينزل مكَّةَ حتى يرجع، فقُرِّب له المقام، فنزل عليه، فقال سعيد: ليس كذاك حدَّثنا ابن عباس، ولكنه حدَّثنا حين كان بين أمِّ إسماعيل وسارة ما كان أقبل بإسماعيل، ثم ذكر [القصة]... ، ثُمَّ حدَّث وقال: قال أبو القاسم ﷺ: «طلبوا النزول معها وقد أحبت أم إسماعيل الأُنْس، فنزلوا وبعثوا إلى أهلهم فقدموا، وطعامهم الصيد، يخرجون من الحرم، ويخرج إسماعيل معهم يتصيد، فلما بلغ أنكحوه، وقد توفيت أمه قبل ذلك». قال: وقال رسول الله ﷺ: «لَمّا دعا لهما أن يُبارك لهم في اللحم والماء، قال لها: هل مِن حَبٍّ أو غيره مِن الطعام؟ قالت: لا. ولو وُجِد يومئذ لها حبًّا لدعا لها بالبركة فيه». قال ابن عباس: ثم لبِث ما شاء الله أن يلبَث، ثُمَّ جاء فوجد إسماعيل قاعدًا تحت دوحة إلى ناحية البئر يَبْرِي نبلًا له، فسلَّم عليه، ونزل إليه، فقعد معه، وقال: يا إسماعيل، إنّ الله قد أمرني بأَمْر. قال إسماعيل: فأطِع ربَّك فيما أمَرَك. قال إبراهيم: أمَرَني أن أبني له بيتًا. قال إسماعيل: أين؟ قال ابنُ عباس: فأشار له إبراهيم إلى أكَمَةٍ بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السَّيْل مِن نواحيها، ولا يركبها. قال: فقاما يحفران عن القواعد يرفعانها، ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم﴾ [البقرة:١٢٧]، ربَّنا، تَقَبَّل منا، إنّك سميع الدعاء. وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ إبراهيم يبني، فلمّا ارتفع البنيان، وشَقَّ على الشيخ تناولُه؛ قَرُب إليه إسماعيل هذا الحجر، فجعل يقوم عليه، ويبني، ويحوله في نواحي البيت حتى انتهى. يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم، وقيامه عليه
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنّ أولَ مَلِكٍ مَلَك في الأرض شرقَها وغربَها نمرود بن كنعان بن كوشِ بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين مَلكُوا الأرضَ كلَّها أربعة؛ نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختُنَصَّر، مُسْلِمَيْن وكافِرَيْن، وإنّه اطَّلع كوكبٌ على نمرودَ ذهَب بضوء الشمس والقمر، ففزِع من ذلك، فدعا السحرةَ والكهنة والقافَةَ والحازَةَ، فسأَلهم عن ذلك، فقالوا: يَخرُجُ من مُلْكِكَ رجلٌ يكون على وجْهِهِ هلاكُكَ، وهلاكُ مُلْكِكَ. وكان مَسْكَنُه ببابِل الكوفة، فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرَج الرجال، وترك النساء، وأمرَ ألا يولَدَ مولود ذَكَر إلا ذبَحَه، فذَبَّح أولادَهم، ثم إنّه بدَت له حاجةٌ في المدينة لم يأْمَن عليها إلا آزرَ أبا إبراهيم، فدعاه، فأرسلَه، فقال له: انظُر، لا تُواقِعْ أهلَك. فقال له آزر: أنا أضَنُّ بدِيني من ذلك. فلمّا دخَل القرية نظَر إلى أهله، فلم يملِكْ نفسَه أن وقَع عليها، ففَرَّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يُقال لها: أُورٌ. فجعَلها في سَرَبٍ، فكان يتعاهدُها بالطعام وما يُصلِحُها، وإنّ الملِكَ لَمّا طال عليه الأمر قال: قولُ سحرةٍ كذّابين، ارجِعوا إلى بلدكم. فرجَعُوا، ووُلِد إبراهيم، فكان في كلِّ يومٍ يَمرُّ به كأنه جُمُعة، والجمعةُ كالشهر من سُرعة شبابه، ونسِي الملِك ذلك، وكبِر إبراهيم ولا يرى أنّ أحدًا من الخلق غيرُه وغيرُ أبيه وأمِّه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إنّ لي ابنًا وقد خبَّأتُه فتخافون عليه الملِك إن أنا جئتُ به؟ قالوا: لا، فأتِ به. فانطلق، فأَخرَجه، فلما خرَج الغلام من السَّرَب نظَر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعَل يسأل أباه، فيقول: ما هذا؟ فيُخبره عن البعير أنّه بعير، وعن البقرة أنّها بقرة، وعن الفرَس أنّها فرس، وعن الشاة أنّها شاة، فقال: ما لهؤلاء الخلق بُدٌّ مِن أن يكون لهم رَبٌّ. وكان خروجُه حينَ خرج من السَّرَب بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء، فإذا هو بالكوكب، وهو ال
عن عروة بن الزبير -من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان-: أنّ عظماء المستهزئين كانوا خمسة نفر مِن قومه، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم؛ من بني أسد بن عبد العُزّى بن قصي: الأسود بن المطلب أبو زمعة -وكان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه؛ لِما كان يبلغه مِن أذاه واستهزائه، فقال: «اللهُمَّ، أعْمِ بصرَه، وأثكله ولده»- ومن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، ومن بني سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد بن سهم، ومن خزاعة: الحارث بن الطُّلاطِلة بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن مَلْكان، فلمّا تَمادَوْا في الشَّرِّ، وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء؛ أنزل الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين﴾ إلى قوله: ﴿فسوف يعلمون﴾. قال محمد بن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أو غيره مِن العلماء: أنّ جبرئيل أتى رسولَ الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمَرَّ به الأسودُ بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي، ومَرَّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنُه، فمات منه حَبَنًا. ومَرَّ به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جُرح بأسفل كعب رجله كان أصابه قبل ذلك بسنتين، وهو يجر سَبَلَه -يعني: إزاره-، وذلك أنه مَرَّ برجل من خزاعة يَرِيش نَبْلًا له، فتَعَلَّق سهمٌ مِن نَبْلِه بإزاره، فخدش رجلَه ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به، فقتله. ومَرَّ به العاص بن وائل السهمي، فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فرَبَضَ على شِبْرِقة، فدخل في أخْمَصِ رجلِه منها شَوْكَة، فقتلته. ومَرَّ به الحارثُ بن الطُّلاطِلة، فأشار إلى رأسه، فامْتَخَضَ قيحًا، فقتله
قال ابنُ جرير (٣/٢٦٣): «وأما قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فإنّه -تعالى ذِكْرُه- حَدَّ الصومَ بأنّ آخر وقته إقبالُ الليل، فدلّ بذلك على أن لا صوم بالليل، كما لا فطر بالنهار، وعلى أنّ المُواصِل مُجَوِّعٌ نفسَه في غير طاعة ربه». وقال (٣/٢٦٥-٢٦٦ بتصرُّف): «فإن قال قائِلٌ: فما وجه وِصال مَن واصَل؟... قيل: وجْهُ مَن فعل ذلك -إن شاء الله تعالى- على طلب الخُموصة لنفسه والقوة، لا على طلب البِرِّ لله بفعله. وفعلُهم ذلك نظيرُ ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله: اخشَوشِنوا، وتمَعْددوا، وانزُوا على الخيل نَزْوًا، واقطعوا الرُّكُب، وامشوا حُفاة. وقد رَغِب -لِمَن واصل- عن الوصال كثيرٌ من أهل الفضل، حدَّثنا... عن أبي إسحاق: أنّ ابن أبي نُعم كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقومَ، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرَك هذا أصحابُ محمد ﷺ رَجمُوه. وقد رُوي عن النبي ﷺ الإذنُ بالوصال من السَّحر إلى السَّحر». وقال ابنُ كثير (٢/ ٢٠٦-٢٠٧ بتصرُّف) في الوِصال: ""هو أن يَصِل صوم يوم بيوم آخر، ولا يأكل بينهما شيئًا، وقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي ﷺ، وأنّه كان يُقَوّى على ذلك ويُعان، والأظهر أنّ ذلك الطعام والشراب في حقّه إنما كان معنويًّا لا حسيًّا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر:لها أحاديثُ من ذِكْراك تُشْغِلُها... عن الشراب وتُلْهِيها عن الزّاد"". وقال (٢/٢٠٧-٢٠٨) فيما رُوِي من وصال بعض السلف: «يحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنّه إرشاد، أي: من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم. فكان ابنُ الزبير وابنُه عامر ومَن سلك سبيلهم يَتَجَشَّمُون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قُوَّة عليه. وقد رُوِي عن ابن الزبير أنه كان يُواصِل سبعة أيام، ويُصْبِح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم. وقال أبو العالية: إنّما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء بالليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المخاطب بالنهي في قوله تعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾، وقد حكى ابنُ عطية (٢/١٢٢، ١٢٣) هذا الخلاف مُلَخَّصًا، ووجَّه أقوال المفسرين، فقال: «واختلف الناس في معنى قوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾، فقال الحسن، وقتادة، وطاووس، وابن زيد، وغيرهم: المعنى: ولا يضارَّ الكاتب بأن يكتب ما لم يُمْل عليه، ولا يضارَّ الشاهد بأن يزيد في الشهادة أو ينقص منها. وقال مثله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، إلا أنهم قالوا: لا يضار الكاتب والشاهد بأن يمتنعا. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الضرر يعم هذا والقول الأول، والأصل في ﴿يضار﴾ على هذين القولين: يُضارِر -بكسر الراء-، ثم وقع الإدغام، وفُتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة. وقال ابن عباس أيضًا، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وطاووس، وغيرهم: معنى الآية ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾: بأن يؤذيه طالب الكتبة أو الشهادة، فيقول: اكتب لي، أو اشهد لي. في وقتِ عُذْر أو شُغْلٍ للكاتب أو الشاهد، فإذا اعتذرا بعذرهما حرَّج وآذاهما، وقال: خالفْتَ أمر الله. ونحو هذا من القول، ولفظ المضارَّة إذ هو من اثنين يقتضي هذه المعاني كلها، والكاتب والشهيد على القول الأول رفع بفعلهما، وفي القول الثاني رفع على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله، وأصل: ﴿يضار﴾ على القول الثاني: يُضارَر، بفتح الراء». وبنحو توجيهه وجَّه ابنُ جرير (٥/١١٣-١١٤). ورجَّح ابنُ جرير (٥/١١٧، ١١٨) مستندًا إلى السياق، ولغة العرب، ورسم المصحف: أنّ المخاطَب: المُسْتكْتِب والمُستَشْهِد، وأنهما نُهِيا عن الإضرار بالكاتب أو الشاهد؛ لأنّ الخطاب بالأمر والنهي من أول الآية إلى آخرها خطاب لأهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتاب، وما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم جاء بصيغة الغائب غير المخاطب، كقوله تعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾، فتوجيه الكلام إلى ما كان نظيرًا له في سياق الآية أوْلى من توجيهه إلى ما كان مُنْعَدِلًا عنه، ولأنّ النهي لو كان للكاتب والشاهد لقيل: وإن يفْعلا فإنه فسوقٌ بهما؛ لأنهما اثنان""
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ على أقوال: الأول: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ذرية آدم في أرحام النساء. وهو قول ابن عباس، والربيع، والسدي، وقتادة، والضحاك. الثاني: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ في أصلاب آبائكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم. وهو قول عكرمة، والأعمش. الثالث: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ في ظهره. وهو قول مجاهد. الرابع: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ فيها. وهو قول الكلبي. ورجَّح ابن جرير (١٠/٨٠) مستندًا إلى السياق، ولغة العرب القولَ بأنّ المراد: خلقنا آدم، ثم صورنا آدم. وذلك قريب المعنى من القول الثالث، وبيَّن علَّة ذلك، فقال: «لأنّ الذي يتلو ذلك قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، ومعلوم أنّ الله -تبارك وتعالى- قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يُصَوِّر ذُرِّيَّته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم. و»ثم«في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمتُ ثم قعدتُ. لا يكون القعود إذا عُطِف به بـ»ثم«على قوله: قمت، إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمتُ وقعدتُ... فلِما وصفنا قلنا: إنّ قوله: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ لا يصح تأويله إلا على ما ذكرناه». وانتَقَد ابن كثير (٦/٢٦٤) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «وهذا فيه نظر؛ لأنّه قال بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾. فدلَّ على أن المراد بذلك آدم، وإنّما قيل ذلك بالجمع لأنّه أبو البشر، كما قال الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي ﷺ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأَنزلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة:٥٧]، والمراد: آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لَمّا كان ذلك مِنَّةً على الآباء الذين هم أصلٌ صار كأنه واقع على الأبناء». ووجَّه ابن عطية (٣/٥٢٠) قولَ مجاهد والقولَ الذي رجحه ابن جرير بأن تكون ﴿ثم﴾ على بابها في الترتيب والمهلة
اختُلِف في مقدار التعمير في قوله تعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مِن تَذَكَّرَ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أربعون سنة. الثاني: ستون سنة. الثالث: ثماني عشر سنة. الرابع: ست وأربعون. وعلَّق ابنُ عطية (٧/٢٢٤) على القول الأول بقوله: «وهذا قولٌ حسن، ورويت فيه آثار». وعلَّق على القول الثاني بقوله: «وهذا أيضًا قولٌ حسنٌ مُتَّجَه، وروي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة نودي: أين ابن الستين؟ وهو العمر الذي قال الله فيه: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مِن تَذَكَّرَ﴾». وقال عليه الصلاة والسلام: «مَن عمَّره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر»». ورجَّح ابنُ جرير (١٩/٣٨٦-٣٨٧ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق مجاهد، ومسروق، والحسن، فقال: «وأشبه القولين بتأويل الآية قولُ مَن قال: ذلك أربعون سنة؛ لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده مُنتَقَصٌ عن كماله في حال الأربعين». وانتقد الخبر المروي عن رسول الله ﷺ في القول الثاني بأن في إسناده بعض مَن يجب التثبت في نقله. ورجَّح ابنُ كثير (١١/٣٣٢) مستندًا إلى دلالة السنة القول الثاني، فقال بعد أن ذكر أثر ابن عباس من طريق مجاهد أن مقدار التعمير ستون سنة: «فهذه الرواية أصح عن ابن عباس، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضًا، لما ثبت في ذلك من الحديث كما سنورده...»، ثم أورد حديث أبي هريرة من عدة طرق، ثم علَّق مبيِّنًا صحته ومنتقدًا ابنَ جرير في تضعيفه للحديث بقوله: «فقد صح هذا الحديث من هذه الطرق، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت. وقول ابن جرير: إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره. لا يُلْتَفَت إليه مع تصحيح البخاري». ونقل ابنُ عطية (٧/٢٢٣-٢٢٤) في مقدار التعمير عن الحسن قوله: «البلوغ». وعلَّق عليه بقوله: «يريد: أنه أول حال التذكير». ونقل عن فرقة أنها «عشرون سنة، وحكى الزجاج سبع عشرة سنة»
عن عبد الله بن عباس -من طريق إسحاق بن بشر، عن ابن سمعان، عن عطاء- أنّ فرعون إنما سُمّي ﴿ذي الأوتاد﴾ لأنه كانت امرأة -وهي امرأة خازن فرعون حزبيل، وكان مؤمنًا كتم إيمانه مائة سنة، وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون- فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس مَن كفر بالله. فقالت بنت فرعون: وهل لك مِن إلهٍ غير أبي؟ فقالت: إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له. فقامت، فدخلت على أبيها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أنّ إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له. فأرسَل إليها، فسألها عن ذلك، فقالت: صدقتْ. فقال لها: ويحكِ، اكفري بإلهكِ وأقِرِّي بأني إلهكِ. قالت: لا أفعل. فمدَّها بين أربعة أوتاد، ثم أرسَل عليها الحيّات والعقارب، وقال لها: اكفري بإلهكِ، وإلا عذّبتُك بهذا العذاب شهرين. فقالت له: ولو عذَّبتني سبعين شهرًا ما كفرتُ بالله. وكان لها ابنتان، فجاء بابنتها الكبرى، فذبحها على قُربٍ منها، وقال لها: اكفري بالله، وإلا ذبحتُ الصغرى على قلبكِ. وكانت رضيعًا، فقالتْ: لو ذبحتَ مَن على وجه الأرض على فِيَّ ما كفرتُ بالله عز وجل. فأتى بابنتها الصغرى، فلما أُضجعتْ على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها، فتكلّمتْ، وهي مِن الأربعة الذين تَكلّموا أطفالًا، وقالت: يا أُمّاه، لا تجزعي؛ فإنّ الله قد بنى لكِ بيتًا في الجنة، اصبري فإنّك تُفْضِين إلى رحمة الله وكرامته. فذُبحتْ، فلم تلبث أن ماتتْ، فأسكنها الله الجنة. قال: وبعث في طلب زوجها حزبيل، فلم يقدروا عليه، فقيل لفرعون: إنّه قد رُئِي في موضع كذا وكذا في جبل كذا. فبعث رجلين في طلبه، فانتهيا إليه وهو يُصلّي، ويليه صفوف من الوحوش خلفه يُصلُّون، فلمّا رأيا ذلك انصرفا، فقال حزبيل: اللهم، إنّك تعلم أنّي كتمتُ إيماني مائة سنة، ولم يظهر عَلَيَّ أحد، فأيّما هذان الرجلين كتم عليَّ فاهدِه إلى دينك، وأَعْطِه مِن الدنيا سُؤْلَه، وأيّما هذين الرجلين أظهر عليَّ فعجِّل عقوبته في الدنيا، واجعل مصيره في الآخرة إلى النار. فانصرف الرجلان إلى فرعون، فأمّا أحدهما فاعتبر وآمن، وأمّا الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملأ، فقال له فرعون: وهل كان معك غيرك؟ قال: نعم، فلان. فدعا به، فقال: أحقٌّ ما يقول هذا؟ قال: لا، ما رأيتُ مما قال شيئًا. فأعطاه فرعون وأجزل، وأمّا الآخر فقتله، ثم صلبه. قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة مِن نساء بني إسرائيل يقال لها: آسية بنت مزاحم، فرأتْ ما صنع فرعونُ بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أنْ أصبر على ما يأتي به فرعون، وأنا مسلمة وهو كافر؟ فبينما هي كذلك تُؤامِر نفسها إذ دخل عليها فرعون، فجلس قريبًا منها، فقالت: يا فرعون، أنتَ شرُّ الخَلْق وأخبثهم، عمدتَ إلى الماشطة فقتلتَها! قال: فلعلّ بك الجنون الذي كان بها؟ قالت: ما بي مِن جنون، وإنّ إلهي وإلهها وإلهك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له. فمزَّق عليها ثيابها، وضربها، وأرسَل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا تريان أنّ الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟ قالت: أعوذ بالله مِن ذلك، إني أشهد أنّ ربي وربَّك وربّ السماوات والأرض واحدٌ لا شريك له. فقال لها أبوها: يا آسية، ألستِ مِن خير نساء العماليق، وزوجكِ إله العماليق؟ قالت: أعوذ بالله مِن ذلك، إن كان ما يقول حقًّا فقولا له أن يتوّجني تاجًا تكون الشمس أمامه، والقمر خلفه، والكواكب حوله. فقال لهما فرعون: اخرجا عني. فمدَّها بين أربعة أوتاد يُعذّبها، ففتح الله لها بابًا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك قالت: ﴿رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين﴾ [التحريم:١١]. فقبض الله روحها، وأسكنها الجنة
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَيْر- قال: كانت مدينتان في بني إسرائيل إحداهما حصينة ولها أبواب، والأخرى خَرِبة، فكان أهل المدينة الحصينة إذا أمْسَوا أغْلَقوا أبوابَها، فإذا أصبحوا قاموا على سور المدينة، فنظروا هل حدث فيما حولها حادث، فأصبحوا يومًا فإذا شيخ قتيل مطروح بأصل مدينتهم، فأقبل أهل المدينة الخَربِة، فقالوا: قتلتم صاحبنا. وابنُ أخ له شاب يبكي عنده، ويقول: قتلتم عمي. وقالوا: واللهِ، ما فتحنا مدينتنا منذ أغلقناها، وما نَدَيْنا من دم صاحبكم هذا بشيء. فأتوا موسى، فأوحى الله إلى موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، إلى قوله: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾، قال: وكان في بني إسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له، وكان له أب شيخ كبير، فأقبل رجل من بلد آخر يطلب سِلْعَة له عنده، فأعطاه بها ثمنًا، فانطلق معه ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب، والمفتاح مع أبيه، فإذا أبوه نائم في ظل الحانوت، فقال: أيقِظْه. قال ابنه: إنه نائم، وأنا أكره أن أُروِّعَه من نومه. فانصرفا، فأعطاه ضِعْف ما أعطاه على أن يوقظَه، فأبى، فذهب طالب السِّلْعَة، فاستيقظ الشيخ، فقال له ابنه: واللهِ، يا أبَه، لقد جاء ههنا رجل يطلب سِلْعَة كذا، فأعطى بها من الثمن كذا وكذا، فكرهت أن أروِّعَك من نومك. فلامه الشيخ، فعَوَّضه الله من برِّه بوالده أن نُتِجَت من بقره تلك البقرة التي يطلبها بنو إسرائيل، فأتوه، فقالوا له: بِعْناها. فقال: لا. قالوا: إذن نأخذها منك. فأتوا موسى، فقال: اذهبوا فأرضوه من سلعته. قالوا: حُكْمُك؟ قال: حكمي أن تضعوا البقرة في كفة الميزان، وتضعوا ذهبًا صامتًا في الكفة الأخرى، فإذا مال الذهب أخذتُه. ففعلوا، وأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ، واجتمع أهل المدينتين، فذبحوها، فضُرب ببضعةٍ من لحمها القبر، فقام الشيخ ينفض رأسه، يقول: قتلني ابنُ أخي؛ طال عليه عُمُري، وأراد أخذ مالي. ومات
ذَهَبَ ابن جرير (٢/٥٠٦-٥٠٨ بتصرف) إلى أنّ الكلمات التي ابتُلي بها إبراهيم عليه السلام تشمل جميع ما ذُكِرَ؛ لدلالةِ سيرةِ إبراهيم عليه السلام، وشهادةِ أقوالِ السّلفِ بذلك، ولم يَرِد دليلٌ قاطع بتعيين شيء منها بعينه دون شيء، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله عز وجل أخبر عباده أنّه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهُنَّ إليه، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن، وجائزٌ أن تكون تلك الكلمات جميعَ ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل الكلمات، وجائز أن تكون بعضه؛ لأن إبراهيم -صلوات الله عليه- قد كان امْتُحِنَ فيما بَلَغَنا بكل ذلك، فعَمِل به، وقام فيه بطاعة الله وأَمْرِه الواجب عليه فيه، وإذ كان ذلك كذلك فغيرُ جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئًا من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم لها؛ من خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من الحجة، ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لِما نقلته». ثم جوَّز ابنُ جرير (٢/٥٠٨) قولَ مَن قال: إنّ الله عز وجل ابتلى إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾، وبمناسك الحج. لدلالة النّظائر القرآنيّة، فقال: «ولو قال قائل في ذلك: إنّ الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس أوْلى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم؛ كان مذهبًا؛ لأن قوله: ﴿إني جاعلك للناس إماما﴾، وقوله: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين﴾ وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم». وذَهَبَ ابنُ كثير (٢/٥٥) إلى ما ذهب إليه ابن جرير من ترجيح العموم، واسْتَدْرَكَ عليه ترجيحَه قول مجاهد ومَن وافقه؛ لمخالفته السياق، فقال: «الذي قاله أوَّلًا مِن أنّ الكلمات تشمل جميع ما ذُكِرَ أقوى مِن هذا الذي جوَّزه من قول مجاهد ومَن قال مثله؛ لأنّ السياق يعطي غير ما قالوه»