عَلَّقَ ابنُ كثير (١٣/٥٢٠) على هذه الرواية بقوله: «على هذه الرواية تكون هذه الآية مخصّصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك. وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإنّ الله عز وجل أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مُهاجرات أن يَمتَحِنوهن، فإنْ علموهنّ مؤمنات فلا يرجعوهنّ إلى الكفار، لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحلّون لهنّ»
انتقد ابنُ عطية (٨/٤٤٤) -مستندًا إلى دلالة السنة والتاريخ- ما جاء في هذا القول، فقال: «ويُروى أنه لم يكن بين نزول الآية وبين بدر إلا مدة يسيرة نحو عام، وليس الأمر كذلك، والتقدير الذي يَعْضُدُه الدليل مِن أخبار رسول الله ﷺ يقتضي أنّ بين الأمرين نحو العشرة الأعوام، ولكن ذلك قليل أُمهِلوه»
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على أقوال: الأول: لو أنا جئناهم بآية كما سألوا ما آمنوا، كما لم يؤمنوا بما قبلها أول مرة؛ لأنّ الله حال بينهم وبين ذلك. وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد، وابن زيد. الثاني: ونُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم لو رُدُّوا من الآخرة إلى الدنيا، فلا يؤمنون كما فعلنا بهم ذلك فلم يؤمنوا في الدنيا. قالوا: وذلك نظير قوله: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]. وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. الثالث: جاءهم محمد ﷺ بالبينات فلم يُؤمنوا به، فقلَّبْنا أبصارهم وأفئدتهم ولو جاءتهم كلُّ آية مثلَ ذلك لم يُؤْمنوا إلا أن يشاء الله. وهو قول عكرمة. ووجَّه ابنُ عطية (٣/٤٤١) القول الأول بقوله: «ومعنى الآية: أنّ هؤلاء الذين أقسموا أنهم يؤمنون إن جاءت آية نحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم أن لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لو يؤمنوا أول مرة بما دُعوا إليه من عبادة الله، فأخبر الله تعالى على هذا التأويل بصورة فِعْلِه بهم». وعلَّق ابنُ القيم (١/٣٦٣) على القول الثالث بقوله: «وهذا معنًى حسن، فإنّ كاف التشبيه تتضمن نوعًا من التعليل، كقوله: ﴿وأَحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]، وقوله: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتِنا ويُزَكِّيكُمْ ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُم﴾ [البقرة:١٥١-١٥٢]، والذي حسَّن اجتماعَ التعليلِ والتشبيهِ الإعلامُ بأنّ الجزاء من جنس العمل في الخير والشر». ورجَّح ابنُ جرير (٩/٤٩١) مستندًا إلى لغة العرب أنّ المعنى: ونُقَلِّبُ أفئدتهم فنُزيغُها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحُجَّة، وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، كما لم يؤمنوا بتقليبنا إيّاها قبل مجيئها مَرَّةً قبل ذلك. وذلك هو القول الأوّل، ثم قال: «إنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آيةٌ ليؤمنُنَّ بها، أنه يُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم ويُصَرِّفُها كيف شاء، وأنّ ذلك بيده، يُقِيمُه إذا شاء، ويُزِيغُه إذا أراد، وأن قوله: ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليلٌ على محذوفٍ من الكلام، وأنّ قوله: ﴿كَما﴾ تشبيهُ ما بعدَه بشيءٍ قبْلَه. وإذا كان ذلك تأويله كانت الهاء من قوله: ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ كنايةَ ذِكْرِ التَّقْلِيب». وزاد ابنُ عطية نقلًا عن فرقة أنّ المعنى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار وفي لهيبها في الآخرة لِما لم يؤمنوا في الدنيا، ثُمَّ استأنف على هذا: ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾»
أفادت الآثارُ الاختلاف في الإسراف الذي نهى الله عنه بهذه الآية، ومَن المنهيُّ عنه؟ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المنهيّ عنه: ربّ النخل والزرع والثمر، والسرف: مجاوزة القدر في العطِيّة إلى ما يجحف برب المال. وهذا قول أبي العالية، وابن جريج، وعطاء، وإياس بن معاوية، والسديّ. ثانيها: أنّ الإسراف: منعُ الصدقةِ والحقِّ الذي أمر الله ربَّ المال بإيتائه أهلَه بقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. وهذا قول سعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب. ثالثها: أنّ المخاطَبَ بهذا السلطان، نُهِي أن يأخذ مِن ربِّ المال فوق الذي ألزم الله ماله. وهذا قول ابن زيد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٩/٦١٧-٦١٨) أنّ الآية تشمل الأقوال الثلاثة استنادًا إلى اللغة، وعموم اللفظ، فقال: ""والصواب مِن القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- نهى بقوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنًى دون معنى. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الإسراف في كلام العرب: الإخطاءَ بإصابة الحق في العطية، إما بتجاوز حدِّه في الزيادة، وإما بتقصير عن حدّه الواجب؛ كان معلومًا أنّ المُفَرِّق مالَه مباراةً، والباذلَهُ للناس حتى أجحفت به عطيته؛ مُسْرِفٌ بتجاوزه حدَّ الله إلى ما ليس له. وكذلك المقصِّر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهلَ سُهْمان الصدقة إذا وجبت فيه، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها. وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه. كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون، داخلون في معنى مَن أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ في عطيتكم من أموالكم ما يُجْحِف بكم؛ إذ كان ما قبله من الكلام أمرًا من الله بإيتاء الواجب فيه أهلَه يوم حصاده؛ فإنّ الآية قد كانت تنزل على رسول الله ﷺ بسبب خاصٍّ من الأمور، والحكم بها على العامِّ، بل عامَّة آيِ القرآن كذلك، فكذلك قوله: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. ومن الدليل على صحة ما قلنا من معنى الإسراف أنّه على ما قلنا قولُ الشاعر:أعْطَوا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثَمانِيَةٌ ما فِي عَطائِهِمُ مَنٌّ ولا سَرَفُيعني بالسرف: الخطأ في العطيّة"". واسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٦/١٩٠) على اختيار ابن جرير استنادًا إلى السياق، والنظائر قائلًا: «اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نهيٌ عن الإسراف في كل شيء. ولا شك أنّه صحيح، لكن الظاهر -والله أعلم- من سياق الآية حيث قال تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا﴾ أن يكون عائدًا على الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل؛ لما فيه من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف:٣١]، وفي صحيح البخاري تعليقًا: «كلوا، واشربوا، والبسوا، وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة». وهذا من هذا». وقال ابنُ عطية (٣/٤٧٦ ط: دار الكتب العلمية) مُعَلِّقًا على تلك الأقوال: «مَن قال: إن الآية في الزكاة المفروضة. جعل هذا النهي عن الإسراف؛ إما للناس عن التمنُّع عن أدائها لأنّ ذلك إسراف من الفعل، وقاله سعيد بن المسيب. وإمّا للولاة عن التَشَطُّط على الناس والإذاية لهم، فذلك إسراف من الفعل، وقاله ابن زيد. ومَن جعل الآية على جهة الندب إلى حقوق غير الزكاة تَرَتَّب له النهي عن الإسراف في تلك الحقوق لِما في ذلك من الإجحاف بالمال وإضاعته»
عن أبي خالد البجلي، قال: بلغني: أنّ سليمان ركِب يومًا في موكبه، فوضع سريرُه، فقعد عليه، وأُلقيت كراسي يمينًا وشمالًا، فقعد الناس عليها يلونه، والجن وراءهم، ومردة الشياطين وراء الجن، فأرسل إلى الطير، فأظلَّتهم بأجنحتها، وقال للريح: احملينا. يريد بعضَ مسيره، فاحتملته الريحُ وهو على سريره، والناسُ على كراسيهم يُحَدّثهم ويحدثونه، لا يرتفع كرسي ولا يتَّضِعُ، والطير تظلهم. وكان موكب سليمان يُسمع من مكان بعيد، ورجل مِن بني إسرائيل معه مسحاته في زرع له قائم يهيِّئه إذ سمع الصوتَ، فقال: إنّ هذا الصوتَ ما هو إلا لموكب سليمان. فألقى ما في يده، وأخذ كِنفًا له، فجعله على عنقه، ثم جعل يشتد يُبادر الطريق، ومرت الريح بسليمان وبجنوده، فحانت مِن سليمان التفاتةٌ وهو على سريره، فإذا هو برجل يشتد يبادر الطريق، فقال سليمان في نفسه: إنّ هذا الرجلَ ملهوفٌ أو طالبُ حاجةٍ. فقال للريح حين حاذى به: قِفي بي. فوقفت به وبجنوده، وانتهى إليه الرجلُ وهو مُنبهر، فتركه سليمان حتى ذهب بعضُ بُهره، ثم أقبل عليه، فقال: ألكَ حاجةٌ؟ -وقد وقف عليه الخلق- فقال: الحاجةُ جاءت بي إلى هذا المكان، يا رسول الله؛ إني رأيت اللهَ أعطاك مُلكًا لم يعطِه أحدًا قبلك، ولا أراه يعطيه أحدًا بعدك، فكيف تجد ما مضى مِن مُلكك هذه الساعة؟ قال: أخبرك عن ذاك؛ إنِّي كنت نائمًا، فرأيت رؤيا، ثم انتبهتُ، ففقدتها. قال: ليس إلا ذاك. قال: فأخبِرني كيف تجد ما بقي مِن ملكك الساعة؟ قال: تسألني عن شيء لم أره؟! قال: فإنما هي هذه الساعة. ثم انصرف عنه مُوَلِّيًا، فجلس سليمان ينظر في قفاه، ويتفكر فيما قال له، ثم قال للريح: امضي بنا. فمضت به، قال الله: ﴿رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ قال: الرخاء التي ليست بالعاصف ولا باللينة؛ وسط. قال الله تعالى: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢]، ليست بالعاصف التي تؤذيه، ولا باللينة التي تشقُّ عليه
عن سَلَمَة بن سَلامَة بن وقْش -وكان من أهل بدر- قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأَشْهَل، فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث رسول الله ﷺ بيسير، حتى وقف على مجلس بني الأشهل -قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سِنًّا، عليَّ بُرْدَة مُضْطَجِعًا فيها بفِناء أهلي-، فذكر البعث، والقيامة، والحساب، والميزان، والجنة، والنار. قال: ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أنّ بعثًا كائنًا بعد الموت. فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنًا؛ أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يُجزون فيها بأعمالهم! فقال: نعم، والذي يُحلَف به، يَوَدّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تَنُّورٍ في الدنيا؛ يُحْمُونه، ثم يُدْخِلُونه إياه، فيُطَيِّونه عليه، وإن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن، فقالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلي -وأنا من أحدثهم سِنًّا- إن يَسْتَنفِد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فواللهِ، ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو بين أظهرنا، فآمنّا به، وكفر به بغيًا وحسدًا. فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا؟! قال: بلى، وليس به
عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول قال: لَمّا قتله سُقِط في يديه، ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان -فيما يزعمون- أول قتيل من بني آدم، وأول ميت، قال: ﴿فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي﴾ الآيةَ. قال: ويزعم أهل التوراة: أنّ قابيل حين قتل أخاه هابيل قال له -جلَّ ثناؤه-: يا قابيلُ، أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا. فقال الله -جل وعزَّ- له: إنّ صوت دمِ أخيك لَيُناديني من الأرض، الآن أنتَ ملعون من الأرض التي فتحت فاها فبَلَعَتْ دمَ أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزِعًا تائهًا في الأرض. قال قابيل: عَظُمت خطيئتي عن أن تغفرها، قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قُدّامك، وأكون فزِعًا تائهًا في الأرض، وكلُّ مَن لقيني قتلني. فقال الله جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كُلُّ مَن قتل قتيلًا يُجزى واحدًا، ولكن يجزي سبعة، ولكن من قتل قابيل يجزي سبعة. وجعل الله في قابيل آية، لئلا يقتله كُلُّ مَن وجده، وخرج قابيل من قُدّام الله عز وجل، من شرقي عدن الجنة
فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت، حين ذكر الله قوم نوح، فقال: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ [العنكبوت:١٤]؟! أرأيتَ لو ماتوا؛ إلى مَن جاء موسى عليه السلام بالآيات الأربع بعد الطوفان؟!. قال [سعيد بن جبير]: فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ ربِّ، خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عِظَةً، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية. قال: فبعث الله عليهم الجرادَ، فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِر كلها أكَل الخشب، حتى أكل الأبواب، وسقوف البيوت، وابتُلِي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع، غير أنّه لا يدخل بيوت بني إسرائيل، فعَجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى، هذه المرَّةَ ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لك، ولَنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيل. فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا لهم ربه، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا ربِّ، عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا موعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولق
انتَقَدَ ابنُ جرير (٤/٤٦٦) أن يكون بنو إسرائيل قد عرفوا ذلك التابوت، وقدَر نفعه وما فيه وهو عند موسى ويوشع، وأنّ يوشع خلَّفَه في التيه، حتى رُدَّ عليهم حين ملك طالوت، مستندًا في ذلك إلى دلالة العقل، والتاريخ، فقال: «إن ظَنَّ ذو غَفْلَةٍ أنهم كانوا قد عرفوا ذلك التابوت، وقَدْرَ نفْعِه وما فيه، وهو عند موسى ويوشع؛ فإنّ ذلك ما لا يخفى خَطَؤُه؛ وذلك أنّه لم يبلغنا أنّ موسى لاقى عَدُوًّا قطُّ بالتابوت، ولا فتاه يوشع، بل الذي يُعْرَفُ من أمر موسى وأمر فرعون ما قَصَّ اللهُ من شأنهما، وكذلك أمره وأمر الجَبّارين. وأمّا فتاه يوشع فإن الذين قالوا هذه المقالة زعموا أنّ يوشع خلَّفه في التيه، حتى رُدَّ عليهم حين مَلَكَ طالوتُ، فإن كان الأمرُ على ما وصفوه فأيّ الأحوال للتابوت الحال التي عرفوه فيها فجاز أن يُقال: إنّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه، وعرفتم أمره؟! وفي فساد هذا القول بالذي ذكرنا أبْيَنُ الدلالة على صحة القول الآخر، إذ لا قول في ذلك لأهل التأويل غيرهما». وعَلَّقَ ابنُ عطية (٢/٨) على الآثار الواردة في قصة التابوت بقوله: «وكَثَّرَ الرُّواةُ في قصص التابوت، وصُورَةِ حَمْلِه بما لم أرَ لإثباته وجهًا؛ لِلِين إسنادِه»
اختُلِف في التسبيح في قوله تعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ على أقوال: الأول: قوله تعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كلِّ حيٍّ ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة. الثاني: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيءٍ على العموم يُسَبِّح تسبيحًا لا يسمعه البشر ولا يفقهونه. ورجَّح ابنُ تيمية (٤/٢٢٠) القول الثاني، فقال: «والصواب أنّ لها تسبيحًا وسجودًا بحسبها». ولم يذكر مستندًا. وعلَّق ابنُ كثير (٩/١٩) على القول الثاني بقوله: «ويشهد لهذا القول آية السجدة في أول الحج». وزاد ابنُ عطية (٥/٤٨٦) قولًا ثالثًا عن فرقة: أن هذا التسبيح «تجوُّز، ومعناه: أن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدّالَّة عليه، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المُعتَبِر». ثم علَّق عليه بقوله: «ومِن حجة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ﴾ [ص:١٨]». واعترض أصحاب القول الثاني على هذا القول بقولهم: «ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنّه أثر الصنعة لكان أمرًا مفهومًا، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يُفْقَه». وعلَّق ابنُ عطية على اعتراضهم بقوله: «وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يريد بقوله سبحانه: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ الكفار والغَفَلة، أي: أنهم يُعرضون عن الاعتبار؛ فلا يفقهون حكمة الله -تبارك وتعالى- في الأشياء»