سورة آل عمران — الآية ١٤٤

عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- قال: لَمّا قُبِض رسولُ الله ﷺ كان أبو بكر في ناحية المدينة، قال: فدخل على رسول الله ﷺ، فوضع فاهُ على جبين رسول الله ﷺ، فجعل يُقَبِّلُه، ويقول: بأبي أنت وأمي، طِبتَ حيًّا وميِّتًا. فلما خرج مرَّ بعمر -رحمة الله عليه- وهو يقول: واللهِ، ما مات رسول الله ﷺ، ولا يموت حتى نقتل المنافقين. قال: وقد كانوا استبشروا بموت رسول الله ﷺ، ورفعوا رؤوسهم، فمرَّ به أبو بكر، فقال: أيها الرجل، ارْبَعْ على نفسِك؛ فإنّ رسول الله ﷺ قد مات، ألم تسمع الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر:٣٠]، ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإيْن مت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء:٣٤]؟! قال: وأتى المنبرَ، فصعِد، فحمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن كان محمدٌ إلهَكم الذي تعبدون فإنّ إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الله الذي في السماء فإنّ إلهكم حيٌّ لا يموت. قال: ثُمَّ تلا: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ حتى ختم الآية. قال: ثم نزل، وقد استبشر المؤمنون بذلك، واشتد فرحُهم، وأخذ المنافقين الكآبةُ، قال عبد الله بن عمر: والذي نفسي بيده، لكأنّما كانت على وجوهنا أغطيةٌ فكُشِفَتْ

سورة الرعد — الآية ٣١

عن الزبير بن العوام، قال: لَمّا نزلت: ﴿وأنذرْ عشيرتَكَ الأقربينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] صاح رسولُ الله ﷺ على أبي قُبَيْسٍ: «يا آل عبد منافٍ، إنِّي نذيرٌ». فجاءته قريشٌ، فحذَّرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعُمُ أنّك نبِيٌّ يُوحى إليك، وأنّ سليمان سُخِّرت له الريحُ والجبالُ، وأنّ موسى سُخّر له البحرُ، وأنّ عيسى كان يُحْيِي الموتى، فادعُ الله أن يُسَيِّر عنّا هذه الجبال، ويُفَجِّر لنا الأرضَ أنهارًا، فنتّخذها محارث، فنزرع ونأكل، وإلّا فادعُ اللهَ أن يُحْيِيَ لنا موتانا، فنُكَلِّمهم ويُكَلِّمونا، وإلّا فادعُ الله أن يجعل هذه الصخرةَ التي تحتك ذهبًا، فنَنْحَت منها، وتُغْنِينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنّك تزعُمُ أنّك كهيئتهم. فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلمّا سُرِّي عنه قال: «والَّذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئتُ لكان، ولكنَّه خيَّرني بين أن تدخلوا بابَ الرحمة فيُؤمنَ مؤمنكم، وبين أن يكِلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضِلُّوا عن باب الرحمة ولا يؤمنَ مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة ويؤمنُ مؤمنكم، وأخبَرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنّه معذِّبُكم عذابًا لا يعذِّبه أحدًا من العالمين». فنزلت: ﴿وما منعنا أن نُرسل بالآيات إلا إن كذَّب بها الأوَّلونَ﴾ [الإسراء:٥٩]. حتى قرأ ثلاث آياتٍ، ونزلت: ﴿ولو أنّ قرآنًا سيرتْ به الجبالُ﴾ الآية

سورة المائدة — الآية ١٠٦

عن تميم الداري، في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾، قال: برِئ الناسُ منها غيري وغيرَ عَدِيِّ بنِ بَدّاء. وكانا نصرانِيَّين يَختلفان إلى الشام قبلَ الإسلام، فأتَيا الشامَ لتجارتِهما، وقدِم عليهما مولًى لبني سهمٍ -يُقال له: بُدَيلُ بنُ أبي مريم- بتجارةٍ، ومعه جامٌ من فضةٍ يريدُ به الملكَ، وهو عُظمُ تجارتِه، فمرِض، فأوصى إليهما، وأمَرهما أن يُبلِغا ما ترَك أهلَه. قال تميم: فلمّا ماتَ أخَذنا ذلك الجامَ فبِعناه بألفِ دِرهم، ثم اقتَسمناه أنا وعَدِيُّ بنُ بَدّاء، فلما قدِمنا إلى أهلِه دفَعنا إليهم ما كان معنا، وفَقَدوا الجامَ، فسألونا عنه، فقُلنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا غيرَه. قال تميم: فلما أسلَمتُ بعدَ قدومِ رسول الله ﷺ المدينة تأثمَّتُ من ذلك، فأتَيتُ أهلَه، فأخبرتُهم الخبرَ، وأدَّيتُ إليهم خمَسمائةِ درهمٍ، وأخبرتُهم أن عندَ صاحبي مثلَها، فأتَوا به رسول الله ﷺ، فسألَهم البينةَ، فلم يَجِدوا، فأمَرهم أن يَستَحلِفوه بما يُعَظَّمُ به على أهلِ دينِه، فحلَف؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى قوله: ﴿أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾. فقام عمرو بن العاصي ورجلٌ آخر، فحَلَفا، فنُزِعَتِ الخمسُمائة دِرهمٍ من عَدِيِّ بن بَدّاء

رجَّحَ ابن جرير (٢‏/‏٤٥٦-٤٥٨ بتصرف) أن الآية غير منسوخة، وانتَقَدَ مَن ذهب إلى النسخ في الآية، بعدم وجود حجة دالَّةٍ على النسخ، فقال: «الصواب أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم والمراد الخاص، وذلك أن قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ محتمل: أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوع، وفي حال مسايفتكم عدوكم، في تطوعكم ومكتوبتكم، فثَمَّ وجه الله، ومحتمل: فأينما تولوا من أرض الله فتكونوا بها فثَمَّ قبلة الله التي تُوَجِّهُون وجوهَكم إليها؛ لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها، ومحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، فإذا كان قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ محتملًا ما ذكرنا من الأوجه؛ لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها، وقد دَلَّلْنا على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله ﷺ إلا ما نفى حكمًا ثابتًا، وأُلْزِم العبادُ فرضَه، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك، فأما إذا ما احتمل غيرَ ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم، أو المجمل، أو المفسر، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل، ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه، ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ بحجة يجب التسليم لها، فيقال فيه: هو ناسخ أو منسوخ»

ذكر ابنُ عطية (١‏/‏٥١١) أن قوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ يحتمل عدة احتمالات: الأول: أن يكون المعنى: والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا فلا تستعظموا ذلك ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان بأن يُحسب لهذا عمله ولهذا عمله فيُرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال ومجازاتها محاسبة ومعادَّة، إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المُجازى عليه، فالمعنى أن المؤمن -وإن لم يُرزق في الدنيا- فهو فوق يوم القيامة. الثاني: أن يكون المعنى: أن الله يرزق هؤلاء المستضعفين علو المنزلة بكونهم فوق، وما في ضمن ذلك من النعيم بغير حساب، فالآية تنبيه على عِظَم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب، حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد. الثالث: أن يكون ﴿بغير حساب﴾ صفة لرزق الله تعالى كيف تصرف، إذ هو جلَّت قدرته لا ينفق بعد، ففضله كله بغير حساب. الرابع: أن يكون المعنى في الآية من حيث لا يحتسب هذا الذي يشاؤه الله، كأنه قال بغير احتساب من المرزوقين، كما قال تعالى: ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق:٣]، ثم قال: «وإن اعترض مُعترض على هذه الآية بقوله تعالى: ﴿عطاء حسابا﴾ [النبأ:٣٦]، فالمعنى في ذلك: محسبًا، وأيضًا فلو كان عدًّا لكان الحساب في الجزاء والمثوبة؛ لأنها معادّة، وغير الحساب في التفضُّل والإنعام»

رجَّح ابن جرير (٥‏/‏٦٧٥) مستندًا إلى السنة، وابن عطية (٢‏/‏٣١٧) مستندًا إلى القرآن، والسنة، قول الحسن من طريق عباد، ومن طريق قتادة، بأن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾: خطاب للأمة بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فذكر ابن جرير بسنده: عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنكم وفَّيتم سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله». وزاد عليه ابن عطية استدلاله بقوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وبقوله ﷺ: «نحن الآخرون السابقون» الحديث. وكذا رجَّح ابن كثير (٣‏/‏١٤٢) مستندًا إلى دلالة العموم، والنظائر، بأن الآية عامة في جميع الأمة، فقال: ""والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا﴾، أي: خيارًا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]». ووجَّه ابن عطية (٢‏/‏٣١٦) قول الحسن من طريق عباد، فقال: «فلفظ ﴿أمة﴾ على هذا التأويل اسم جنس، كأنه قيل لهم: كنتم خير الأمم»

رجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏٩) قولَ ابن عباس رضي الله عنهما، وبيَّنَ أنه أوْلى الأقوال بالصواب، مستندًا إلى السياق، وقال: «وإنّما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال؛ لأن الله -جل ثناؤه- أتبع ذلك البيانَ عما أحَلَّ لعباده وحَرَّم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه، فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه»، ثم بيَّنَ أن العموم في الآية يشمل كل عقد مأذون فيه شرعًا دون تخصيص، فقال: «قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ أمر منه بالوفاء بكلِّ عقدٍ أذِن فيه، فغيرُ جائزٍ أن يُخَصَّ منه شيءٌ حتى تقوم حجةٌ بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول مَن وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمر الله -جل ثناؤه- بالوفاء بها دون بعض». وإلى العموم في الآية ذهب ابن عطية (٣‏/‏٨٢)، وابن تيمية (١‏/‏٣٩٤)، وقال ابن عطية: «وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تُعَمَّم ألفاظُها بغاية ما تتناول، فيعمّم لفظ المؤمنين جملةً، في مُظْهِر الإيمان -إن لم يبطنه- وفي المؤمنين حقيقة، ويُعَمَّم لفظُ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع»

اختُلِف في تفسير قوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾؛ فقال بعضهم: معناه: لرفعناه بعلمه بها. وقال آخرون: معناه: لرفعنا عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله بآياتنا. ورجَّح ابن جرير (١٠‏/‏٥٨٣) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله عم الخبر بقوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾ أنّه لو شاء رفعه بآياته التي آتاه إياها. والرفع يعم معانيَ كثيرة: منها الرفع في المنزلة عنده، ومنها الرفع في شرف الدنيا ومكارمها، ومنها الرفع في الذكر الجميل والثناء الرفيع. وجائز أن يكون الله عنى كل ذلك أنه لو شاء لرفعه، فأعطاه كل ذلك بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه. وإذ كان ذلك جائزًا فالصواب من القول فيه أن لا يخص منه شيء؛ إذ كان لا دلالة على خصوصه من خبر ولا عقل». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٩٠) قولًا آخر مفادهُ: أن رفعناه بمعنى: أخذناه. وذكر أنه كما تقول: «رفع الظالم إذا هلك» وأن الضمير في ﴿بها﴾ عائد على المعصية في الانسلاخ. وكذا نقل عن ابن أبي نجيح أنه قال بأن رفعناه معناه: لتوفيناه قبل أن يقع في المعصية ورفعناه عنها. وعلَّق عليه بقوله: «والضمير على هذا عائدٌ على الآيات». ورجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٤٢٨) مستندًا إلى ظاهر الآية أنّ القول الأول هو مراد الآية، وأنّ الثاني حقٌّ، وهو من لوازم المراد

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في المعنيين بأئمة الكفر على قولين: الأول: هم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم. والثاني: أنه لم يأتِ أهلها بعدُ. ورجَّح ابنُ عطية (٤‏/‏٢٧٠) مستندًا إلى دلالة العموم شمول الآية لهذه الأقوال، فقال: «وأَصْوَبُ ما في هذا أن يُقال: إنّه لا يُعنى بها مُعيَّن، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين بالعهود من الكَفَرة إلى يوم القيامة دون تعيين، واقتضت حال كفار العرب ومحاربي رسول الله ﷺ أن تكون الإشارة إليهم أولًا بقوله: ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾، وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة؛ إذ الذي يتولى قتال النبي ﷺ والدفع في صدر شريعته هو إمام مَن يَكْفُر بذلك الشرع إلى يوم القيامة، ثم تأتي في كل جيل من الكفار أئمة خاصة بجيلٍ جيل». ووافقه ابنُ كثير (٧‏/‏١٥٥) فقال: «الآية عامَّةٌ، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش، فهي عامَّة لهم ولغيرهم». وانتقد ابنُ عطية مستندًا إلى التاريخ قول قتادة بأنّه أبو جهل وأضرابه قائلًا: «وهذا -إن لم يُتَأَوَّل أنّه ذكرهم على جهة المثال- ضعيف؛ لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير». ووجَّه قول حذيفة رضي الله عنه بقوله: «يريد: لم ينقرضوا، فهم يحيون أبدًا ويُقاتلون»

اختلف السلف في السبب الذي من أجله أمر الله موسى بخلع نعليه على قولين: الأول: لنجاستهما؛ إذ كانتا من جلد حمار ميت. وقيل: مِن جلد خنزير. الثاني: أنّ الله أراد أن يطأ موسى الأرض بقدميه لينال من بركتها. وقد رجّح ابن جرير (١٦‏/‏٢٥) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلل ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب لأنّه لا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه أُمِر بخلعهما مِن أجل أنهما من جلد حمار ولا لنجاستهما، ولا خبر بذلك عمَّن تلزم بقوله الحجة، وإن في قوله: ﴿إنك بالواد المقدس﴾ بعَقِبه دليلًا واضحًا على أنه إنما أمره بخلعهما لما ذكرنا». ثم أورد حديث ابن مسعود المرفوع -الآتي في الآثار المتعلقة بالآية- وقال: «لو كان صحيحًا لم نعدُهُ إلى غيره». ثم انتقده، فقال: «لكنَّ في إسناده نظرًا يجب التثبت فيه». وقد ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٨٢) القولين، ثم بيّن أن الآية تحتمل وجهًا ثالثًا، ورجّحه مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وتحتمل الآية معنًى آخر، هو الأليق بها عندي، وذلك أنّ الله تعالى أمره أن يتواضع لِعِظم الحال التي حصل فيها، والعُرْف عند الملوك أن تُخلَع النعلان، ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأنّ موسى عليه السلام أُمر بذلك على هذا الوجه، ولا نبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها»