ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٢١٦) في معنى: ﴿كذلك﴾ احتمالين: الأول: «أن يكون من الكلام الأول». وعلَّق عليه بقوله: «فيجيء الوقف عليه حسنًا، وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين». والثاني: «أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب». ووجَّهه بقوله: «كأنه قال: كما جاءت القدرة في هذا كله ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾، أي: المحصلون لهذه العِبَر، الناظرون فيها»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٨٣) أنّ قوله تعالى: ﴿الزوجين﴾ يحتمل احتمالين: الأول: النوعين. الثاني: المُزدوجين من البشر. وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٠٣) أنّ تَناوُل القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة، وإما مساوية على القولين في قوله: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم:٢٧]. ثم ذكر أنّ الأول أشهر

أفادت الآثارُ الاختلافَ في حدّ المعروفِ المذكور في الآية على أقوال: أولها: أن يأكل مِن طعام اليتيم عند الحاجة إليه على وجه الاستقراض، ثم يقضيه. وهذا قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وجمهور التابعين. وثانيها: أن يأكل من طعام اليتيم بأطراف أصابعه، ولا يكتسي، ولا قضاء عليه فيما أكل. وهذا قول السديّ، وعكرمة، وعطاء، وقول لابن عباس من طريق السديّ. وثالثها: أن يأكل ما يسد جوعَه، ويلبس ما يواري عورتَه، ولا قضاء عليه. وهذا قول إبراهيم النخعيّ، ومكحول. ورابعها: أن يأكل من ثمره، ويشرب من ألبان ماشيته؛ بقيامه على ذلك، وليس له أن يأخذ ما سوى ذلك من ذهب وفضَّة إلا على وجه القَرْض. وهذا قول أبي العالية، والحسن، وقتادة، والضحاك، والشعبيّ، وقول لابن عباس من طريق القاسم بن محمد. وخامسها: له أن يأكل من جميع المال إذا كان يلي ذلك، وإن أتى على المال، ولا قضاء عليه. وهذا قول عائشة، وابن زيد، وقول ثان لعمر من طريق القاسم بن محمد، وعكرمة والحسن من طريق يزيد النحويّ. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٢٦) القولَ الأولَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، والإجماع، وعلَّلَ ذلك بإجماع الجميع على «أنّ والي اليتيمِ لا يملك من مال يتيمه إلا القيام بمصلحته»، وذلك يقتضي ضمانَه ما يستهلكه مِن مال اليتيم، كما «يضمن ما يستهلكه من مال غيره -إن تعدّى- إجماعًا». غير أنّ لوالي اليتيم الاستقراضَ منه عند الحاجة إليه، كما له الاستقراض عليه عند الحاجة؛ إذ كان قيِّمًا بما فيه مصلحته. وانتَقَدَ قولَ مَن قال: إنما عنى بالمعروف في هذا الموضع أكْلَ والي اليتيم من مال اليتيم؛ لقيامه عليه، على وجه الاعتياض على عمله وسعيه له. بأنه قولٌ لا معنى له؛ لدلالة العقل، لأنه يجوز لوليِّ اليتيم ذلك دون تقيِّدٌ بغنى الوليِّ أو فقره؛ فله أن يؤاجر نفسه أو غيره بأجرة معلومة للقيام بأمور اليتيم عند الحاجة. وإنما أباحت الآية للوليِّ أن يأكل من مال اليتيم في حال فقره. فالمعنى الذي يجوز في كل حال غير المعنى الذي يجوز في حال دون حال

سورة النمل — الآية ٢٠

عن يوسف بن ماهَك، أنّه حدثهم: أن نافع بن الأزرق صاحب الأزارِقة كان يأتي عبد الله بن عباس، فإذا أفتى ابنُ عباس يرى هو أنّه ليس بمستقيم، يقول له: قِف، مِن أين أفتيت بكذا وكذا، ومِن أين كان؟ فيقول ابن عباس: أومأت مِن كذا وكذا. حتى ذكر يومًا الهدهد، فقال: يعرف بعد مسافة الماء في الأرض. فقال له ابن الأزرق: قِف قف، يا ابن العباس، كيف تزعم أنّ الهدهد يرى مسافة الماء من تحت الأرض، وهو يُنصَب له الفخ، فيذر عليه التراب، فيصطاد؟ فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: كذا وكذا؛ لم أقل له شيئًا، إنّ البصر ينفع ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر حال دون البصر. فقال ابن الأزرق: لا أُجادِلُك بعدها في شيء

سورة القدر — الآية ١

عن مالك بن مرثد، عن أبيه، قال: سألتُ أبا ذرٍّ، فقلتُ: أسألتَ رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنتُ أسألَ الناس عنها، قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن ليلة القدر؛ أفي رمضان أو في غيره؟ فقال: «بل هي في رمضان». قلتُ: يا رسول الله، تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قُبض الأنبياء رُفعتْ، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة». فقلتُ: يا رسول الله، في أي رمضان هي؟ قال: «التمِسُوها في العشر الأُوَل، وفي العشر الأواخر». قال: ثم حدّث رسول الله ﷺ وحدّث، فاهتبلتُ غفْلته، فقلتُ: يا رسول الله، أقسمتُ عليك لتخبرني أو لما أخبرتني في أيِّ العشر هي؟ فغضب عَلَيَّ غضبًا ما غضِب عليّ مثله لا قبله ولا بعده. فقال: «إنّ الله لو شاء لأَطلعكم عليها، التمِسُوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها»

اختُلف في الذين عُنوا بهذه الآية على قولين: الأول: أنهم أهل القدر. الثاني: أنهم أهل الشرك. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٦٢) مستندًا إلى السياق القول الثاني الذي قاله ابن زيد، ومقاتل، فقال: «والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد؛ وقد بيّن الله حقيقة ذلك بقوله: ﴿الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا﴾». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٧‏/‏٤٥٦) مستندًا إلى السياق، فقال: «ظاهر الآية أنها في الكفار المجادلين في رسالة محمد ﷺ والكتاب الذي جاء به، بدليل قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾، وهذا قول ابن زيد والجمهور من المفسرين». وعلَّق على القول الثاني بقوله: «ويلزم قائلي هذه المقالة أن يجعلوا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ الآية... كلامًا مقطوعًا مستأنفًا في الكفار». وذكر أنهم رووا حديثًا في نحو ما قالوا من أنّهم أهل القدر

لم يذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٤٨-٥٤٩) غير قول ابن زيد، وقتادة، ومجاهد من طريق جابر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وذكر ابن كثير (٨‏/‏٤٤٥) قول عبد الرحمن بن زيد، ثم علّق قائلًا: «ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد:... أن رسول الله ﷺ قال: «ليلة القدر في العشر البواقي، مَن قامهنّ ابتغاء حِسبتهنّ فإنّ الله يغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر؛ تسع، أو سبع، أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة». وقال رسول الله ﷺ: «إنّ أمارة ليلة القدر أنها صافية بَلجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة سجيّة، لا برد فيها ولا حر، ولا يحلّ لكوكب يُرمى به فيها حتى تُصبح. وأنّ أمارتها أنّ الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحلّ للشيطان أن يخرج معها يومئذ»»

سبق الخلاف في قوله: ﴿فأعرض﴾، وهل الخطاب للنبي وحده، أم للنبي والمؤمنين. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٨٥) أنّ قوله:﴿يتقون﴾ المعني بهم: المؤمنون. وبيَّن أنّ من قال بأنّ الخطاب للنبي والمؤمنين قال بدخول النبي عليه السلام في هذا القصد بـ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وأنّ المعنى يكون على ما روي أنّ المؤمنين قالوا لَمّا نزلت فلا تقعد معهم قالوا: إذا كنا لا نضرب المشركين، ولا نسمع أقوالهم؛ فما يمكننا طواف، ولا قضاء عبادة في الحرم. فنزلت لذلك: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. ثم علَّق (٣‏/‏٣٨٦) بقوله: «فالإباحة في هذا هي في القَدْر الذي يُحتاج إليه مِن التصرف بين المشركين في عبادة ونحوها». ثم ذكر أيضًا أنّ بعض مَن قالوا بهذا القول ذهبوا إلى أن هذه الآية الأخيرة ليست إباحة بوجه، وإنما معناها: لا تقعدوا ولا تقربوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأنّ عليكم شيئًا من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم. وأنّ المعنى يحتمل أن يكون لهم: لعلهم إذا جانبتموهم يتقون بالإمساك عن الاستهزاء. ثم ذكر أنّ مَن قال بالقول الأول فإنه قال في هذه الآية الثانية إنها مختصة بالمؤمنين، ومعناها الإباحة، فكأنه قال: فلا تقعد معهم يا محمد، وأما المؤمنون فلا شيء عليهم من حسابهم، فإن قعدوا فليذكروهم، لعلهم يتقون الله في ترك ما هم فيه. وانتقده بقوله: «وفيه عندي نظر»

سورة البقرة — الآية ٢١٦

عن ابن عباس، قال: كنتُ رَدِيفَ رسول الله ﷺ، فقال: «يا ابن عباس، ارضَ عن الله بما قَدَّر وإن كان خِلاف هواك، فإنّه مُثْبَتٌ في كتاب الله». قلتُ: يا رسول الله، فأين وقد قرأتُ القرآن؟ قال: «﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾»

سورة البقرة — الآية ٢٤٩

عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد-: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾، فشرب القوم على قدر يقينهم، أمّا الكفار فجعلوا يشربون فلا يَرْوَوْن، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتَجْزيه وتَرْوِيه