أصل الإحصان: المنع والحِفظ، وتستعمله العرب في أربعة أشياء: في الزواج، وفي الحرية، وفي الإسلام، وفي العفة. وعلى ذلك تصرفت اللفظة في كتاب الله عز وجل. وبناء على الاستعمال اللغوي اختلف المفسِّرون في المراد بالمحصنات في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ على ثمانية أقوال: أولها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ومعنى الآية: وذوات الأزواج حرام على غير أزواجهن، إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي. وهذا قول عليٍّ، وابن عباس، وأبي قلابة، والزهري، ومكحول، وابن زيد. وثانيها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ومعنى الآية: وذوات الأزواج حرامٌ على غير أزواجهن، إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء بالشراء؛ فبيعُ الأَمَةِ طلاقُها. وهذا قول ابن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن عباس من طريق عكرمة. وثالثها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. غير أنّ الذي حرّم منهن في هذه الآية الزِّنا بِهِنَّ، ولا يُبحْنَ إلا بخُلُوٍّ من زوج أو بملك يمين. وهذا قول ابن عباس من طريق عليّ بن أبي طلحة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح. ورابعها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ونزلت هذه الآية في نساءٍ كُنَّ هاجَرن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواج، فتزوجهن المسلمون، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن. وهذا قول أبي سعيد الخدريِّ. وخامسها: أنّ المراد بهن: العفائف. ومعنى الآية: والعفائف من النساء حرام عليكم أيضًا، إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو ملك اليمين. وهذا قول عمر، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، وعبيدة السلمانيِّ، وعطاء، والسديِّ. وسادسها: أنّ المراد بهن: العفائف، وذوات الأزواج. ومعنى الآية: والعفائف وذوات الأزواج حرامٌ كلٌّ من الصنفين، إلا ما ملكت أيمانكم بنكاح، أو ملك يمين. وهذا قول الزهريّ. وسابعها: أنّ المراد بهن: الحرائر. وهذا قول عَزْرة. وثامنها: أنّ المراد بهن: نساء أهل الكتاب. وهذا قول أبي مجلز. وذَهَبَ ابنُ كثير (٣‏/‏٤٢٤) إلى القول الأول مستندًا إلى سبب النزول، حيث بَيَّنَ أنّ معناها: «وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات، وهنّ المزوَّجات، ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي؛ فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن؛ فإنّ الآية نزلت في ذلك». وذَهَبَ ابنُ عطية (٢‏/‏٥١٤) إلى القول السادس، وهو أنّ المراد بهن: العفائف وذوات الأزواج، مستندًا إلى العمومِ، حيث قال: «هذا قول حسنٌ، عمَّمَ لفظَ الإحصان، ولفظ ملك اليمين». ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٧٥-٥٧٦) أنّ الآية تَعُمُّ كُلَّ ما ذُكِرَ مستندًا إلى العمومِ، وعدم المخصّص. وانتَقَدَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٧٥-٥٧٦ بتصرف) القولَ بأنّ بيع الأمة طلاقها، الذي يفيده القول الثاني؛ استنادًا إلى السُّنَّة، والدلالة العقلية، فقال: «وأما الأَمَة التي لها زوجٌ، فإنها لا تَحِلُّ لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه. فأمّا بيعُ سيِّدها إيّاها فغيرُ موجِبٍ بينها وبين زوجها فِراقًا ولا تحليلًا لمشتريها؛ لِصِحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ: أنه خَيَّرَ بَرِيرة إذ أعتقتها عائشةُ بين المُقام مع زوجها الذي كان سادَتُها زوَّجوها منه في حال رِقِّها، وبين فراقه، ولو كان عِتقُها وزوالُ مِلك عائشة إيّاها لها طلاقًا لم يكن لتخيير النبيِّ ﷺ إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنًى». وزاد ابنُ القيم (١‏/‏٢٧٠-٢٧١): «أنّه لو كان صحيحًا لكان وطؤها حلالًا لسيِّدها إذا زوَّجها؛ لأنها ملك يمينه، فكما اجتمع مِلك سيدها لها وحِلُّها للزوج فكذلك يجتمع مِلْكُ مشتريها لها وحِلُّها للزوج، وتناول اللفظ لهما واحدٌ ما دامت مُزَوَّجة. الثاني: أنّ المشتريَ خليفةُ البائع، فانتقل إليه بعقد الشراء ما كان يملكه بائعُها، وهو كان يملك رقبتها مسلوبةً مَنفَعَة البضع»

سورة المائدة — الآية ٩٠

عن سعيد بن جبير، قال: لَمّا نزَلت في البقرة [٢١٩]: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ شَرِبها قومٌ لقوله: ﴿ومنافع للناس﴾، وتركها قوم لقوله: ﴿إثم كبير﴾، منهم عثمان بن مظعون، حتى نزَلتِ الآية التي في النساء [٤٣]: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾. فترَكها قومٌ، وشَرِبها قومٌ، يترُكونها بالنهار حين الصلاة، ويَشربونَها بالليل، حتى نزَلتِ الآية التي في المائدة: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية. قال عمر: أقُرِنتِ بالميسِر والأنصاب والأزلام؟! بُعدًا لكِ وسُحقًا. فترَكها الناس، ووقَع في صدور أُناسٍ مِن الناس منها، فجعَل قومٌ يُمرُّ بالراوية من الخمر فتُخرَقُ، فيمُرُّ بها أصحابُها فيقولون: قد كنا نُكرِمُك عن هذا المصرع. وقالوا: ما حُرِّم علينا شيءٌ أشدُّ من الخمر. حتى جعَل الرجلُ يَلقى صاحبَه فيقول: إنّ في نفسي شيئًا. فيقولُ له صاحبُه: لعلك تذكُرُ الخمر؟ فيقول: نعم. فيقول: إنّ في نفسي مثلَ ما في نفسِك. حتى ذكَر ذلك قومٌ، واجتَمعوا فيه، فقالوا: كيف نتكلمُ ورسول الله ﷺ شاهدٌ؟ وخافوا أن يَنزِل فيهم، فأتَوْا رسول الله ﷺ وقد أعدُّوا له حُجَّةً، فقالوا: أرأيتَ حمزةَ بن عبد المطلب، ومصعبَ بن عمير، وعبدَ الله بن جحش، أليسوا في الجنة؟ قال: «بلى». قالوا: أليسوا قد مَضَوا وهم يشربون الخمر؟ فحُرِّم علينا شيءٌ دخَلوا الجنة وهم يشربونه؟ فقال: «قد سمِع الله ما قلتُم، فإن شاء أجابَكم». فأنزل الله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. قالوا: انتَهينا. ونزَل في الذين ذكَروا حمزة وأصحابَه: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية

أفادت الآثارُ أيضًا الاختلافَ في المراد بالأموال في قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ على قولين: أحدهما: المراد بها: مال المخاطَبين. وهذا قول ابن عباس، وأبي موسى الأشعريِّ، والحسن، وقتادة. والآخر: المراد بها: أموال السفهاء، وأضافها للمخاطبين لأنّهم قُوّامُها ومُدَبِّرُوها. وهذا قول سعيد بن جبير، والسديّ. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٩٦-٣٩٧) أنّ الآية تشمل جميع ما ذُكِرَ استنادًا إلى اللغة، ودلالة العموم، فقال: «وأَوْلى الأقوال بتأويل ذلك أن يُقال: إنّ الله عز وجل نهى المؤمنين أن يُؤْتُوا السفهاءَ أموالَهم، وقد يدخل في قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ أموالُ المَنهِيِّين عن أن يؤتوهم ذلك وأموالُ السفهاء؛ لأنّ قوله: ﴿أموالكم﴾ غير مخصوص منها بعضُ الأموال دون بعض. ولا تمنع العربُ أن تخاطب قومًا خِطابًا، فيخرج الكلام بعضه خبر عنهم، وبعضه عن غَيَبٍ، وذلك نحو أن يقولوا: أكلتم يا فلان أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد خطاب الجمع، بمعنى: أنك وأصحابك وقومك أكلتم أموالكم. فكذلك قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾ معناه: ولا تؤتوا أيها الناس سفهاءكم أموالكم التي بعضها لكم وبعضها لهم، فيضيعوها. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله عز وجل قد عمَّ بالنهي عن إيتاء السفهاء الأموال كلَّها، ولم يخصص منها شيئا دون شيء؛ كان بيِّنًا بذلك أنّ معنى قوله: ﴿التي جعل الله لكم قيامًا﴾ إنّما هو: التي جعل الله لكم ولهم قيامًا. ولكن السفهاء دخل ذكرهم في ذكر المخاطبين بقوله: ﴿لكم﴾». وإلى ذلك ذَهَبَ ابنُ تيمية (٢‏/‏١٩٩)، مستندًا لظاهر الآية، حيث قال: «الآية تدلُّ على النَوْعَيْن كليهما، فقد نهى اللّهُ أن يجعل السفيه متصرفًا لنفسه، أو لغيره بالوكالة، أو الولاية. وصرفُ المالِ فيما لا ينفع في الدين ولا الدنيا من أعظم السَّفَه؛ فيكون ذلك منهِيًّا عنه في الشرع»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى قوله تعالى: ﴿فإذا أحصنّ﴾ على قولين: أحدهما: أنّ معناه: فإذا أسلمْنَ. وهذا قول عمر، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والسدي، وسالم، والقاسم. والآخر: أنّ معناه: فإذا تزوجْنَ. وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم. ورجَّحَ ابنُ كثير (٣‏/‏٤٣٤) القولَ الثاني استنادًا إلى السياق، فقال: «الأظهر -والله أعلم- أنّ المراد بالإحصان هاهنا: التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أنّ المراد بقوله: ﴿فإذا أحصن﴾ أي: تزوجن». ثم أورد على كلٍّ من القولين إشكالًا على مذهب الجمهور، فقال: «يقولون: إنّ الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرًا. مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حدَّ على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك». وذكر أجوبة يطول ذكرها هنا، فلتراجع. وانتَقَدَ ابنُ جرير (٦‏/‏٦٠٧-٦٠٨) قولَ مَن قصرها على التزويج؛ لأنها في سياق الفتيات المؤمنات، وبيّنَ أنّ الآية تحتمل التأويلين استنادًا إلى صحته لغةً وعقلًا، فقال: «غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك: ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فإذا هنَّ آمنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب. فيكون الخبرُ مبتدأ عما يجب عليهنّ من الحدّ إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهن، بعد البيان عما لا يجوز لناكحهن من المؤمنين من نكاحهن، وعمن يجوز نكاحه له منهن. فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام، فغيرُ جائز لأحد صَرْف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدّم من وصف الله إيّاهن بالإيمان»

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين فيمن نزل قوله تعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ على أقوال: الأول: أنها نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح، ومسيلمة. الثاني: أنها نزلت في عبدالله بن سعد خاصة. الثالث: أنّ قائل: ﴿أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ مسيلمة الكذاب. وهو قول قتادة. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٤٠٧-٤٠٨) العمومَ، وأنّ كُلَّ من ذكر داخل في معنى الآية، مستندًا إلى دلالة الإجماعِ، والتاريخِ، فقال: «ولا تَمانُعَ بين علماء الأمة أنّ ابن أبي سَرْحٍ كان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمدٌ. وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعَنْسِيَّ الكذابَيْن ادَّعَيا على الله كذبًا أنه بعثهما نبيَّيْن. فإذ كان ذلك كذلك فقد دخل في هذه الآية كل مَن كان مُخْتَلِقًا على الله كذبًا، وقائلًا في ذلك الزمان وفي غيره: أوحى الله إليَّ. وهو في قِيلِه كاذبٌ، لم يوحِ الله إليه شيئًا. فأما التنزيل فإنه جائزٌ أن يكون نزل بسبب بعضهم، وجائزٌ أن يكون نزل بسبب جميعهم، وجائزٌ أن يكون عُنِيَ به جميع المشركين من العرب، إذ كان قائلو ذلك منهم، فلم يُغَيِّروه، فعيَّرهم الله بذلك، وتوعدهم بالعقوبة على تركهم نكير ذلك». ووافقه ابنُ عطية (٣‏/‏٤١٩-٤٢٠)، فقال: «هذه ألفاظ عامة، فكلُّ من واقع شيئًا مما يدخل تحت هذه الألفاظ فهو داخل في الظلم الذي قد عظمه الله تعالى بقوله: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾». ثم علَّق على أقوال المفسرين في الآية، فقال: «فخصص المتأولون في هذه الآيات ذِكْرَ قومٍ قد يمكن أن كانوا أسباب نزولها، ثم هي إلى يوم القيامة تتناول من تعرض شيئًا من معانيها كَطُلَيْحَة الأسدي، والمختار بن أبي عبيد، وسواهما»

أفادت الآثارُ الاختلاف في الحال التي أمر الله بالاستماع، والإنصات لقارئ القرآن فيها على ثلاثة أقوال: أولها: حال كون المصلي مُؤْتَمًّا في الصلاة، وهو يسمع قراءة الإمام. ثانيها: حال قراءة الإمام للقرآن في خطبة الجمعة. ثالثها: حال القراءة في الصلاة، وفي الخطبة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٠‏/‏٦٤٢) القولَ الثالثَ، وهو قول مجاهد من طريق إبراهيم بن أبي حرّة، وجابر، والحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير؛ استنادًا إلى السُّنَّة، والإجماع، فقال: «إنّما قلنا ذلك أولى بالصواب لِصِحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إذا قرأ الإمامُ فأنصتوا». وإجماع الجميع على أنّ مَن سمع خطبة الإمام مِمَّن عليه الجمعة؛ الاستماعُ والإنصاتُ لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله ﷺ، وأنّه لا وقت يجب على أحد استماعُ القرآن والإنصات لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين، على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا من قوله: «إذا قرأ الإمامُ فأنصِتوا». فالإنصات خلفه لقراءته واجبٌ على مَن كان به مُؤْتَمًّا سامعًا قراءته، بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٣‏/‏٢٤٢). وقال ابنُ عطية (٤‏/‏١٢٤): «هذه الآيةُ واجبةُ الحكم في الصلاة أن يُنصِت عن الحديث وما عدا القراءة، واجبةُ الحكم أيضًا في الخطبة من السّنّة لا من هذه الآية، ويجب من الآية الإنصاتُ إذا قرأ الخطيب القرآن أثناء الخطبة». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٤‏/‏١٢٣) القولَ الثاني، وهو قول مجاهد من طريق سعيد بن مسروق، والعوّام مستندًا إلى زمن النزول، فقال: «ضعيف؛ لأنّ الآية مكية، والخطبة لم تكن إلا بعد هجرة النبي ﷺ من مكة». وذكر (٤‏/‏١٢٤) أنّ الزجاج قال: «ويجوز أن يكون ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾: اعملوا بما فيه، ولا تُجاوِزوه»

نقل ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٧٥) اختلافًا عن السلف في تفسير قوله: ﴿وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا﴾ على قولين: الأول: أنّه جعل بينهما يبسًا. الثاني: أنّه جعل بينهما حاجِزًا مِن قدرته سبحانه؛ فلا يُغَيِّر أحدُهما الآخر ولا يفسده. وقد رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى ظاهر الآية القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر في أول الآية أنّه مرج البحرين، والمرج: هو الخلط في كلام العرب. على ما بينتُ قبلُ، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا لم يكن هناك مَرْجٌ للبحرين، وقد أخبر -جلَّ ثناؤه- أنّه مرجهما، وإنّما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه، فأمّا إذا كان كل واحد منهما في حيِّز عن حيِّز صاحبه فليس هناك مَرْجٌ، ولا هناك مِن الأعجوبة ما يُنَبَّه عليه أهلُ الجهل به من الناس ويذكرون به، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيبًا، وفيه أعظم العبر، والمواعظ، والحجج البوالغ». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤٤٦) في الآية أقوالًا، ثم علّق بقوله: «والذي أقول به في الآية: إنّ المقصد بها التنبيه على قدرة الله تعالى، وإتقان خلقه للأشياء في أن بثَّ في الأرض مياهًا عذبة كثيرة مِن أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج، وجعل الأجاج خلالها، فتلقّى البحر قد اكْتَنَفَتْه المياهُ العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج فبثها هكذا في الأرض هو خلطها، وهو قوله: ﴿مَرَجَ﴾، ومنه: مريج، أي: مختلط مشتبك، ومنه: ﴿في أمر مريج﴾ [ق:٥]. والبحران يريد بهما: جميع الماء العذب، وجميع الماء الأجاج، كأنه قال: مرج نوعي الماء. والبرزخ والحجر: هو ما بين البحرين من الأرض واليبس. قاله الحسن. ومنه القدرة التي تمسكها مع قرب ما بينهما في بعض المواضع»

اختلف السلف في معنى اللهو على أقوال: الأول: أنه الغناء. الثاني: أنه الطبل. الثالث: أنه الشرك. الرابع: أنه أخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٣٩) صحّةَ جميع ذلك؛ للعموم في معنى ذلك، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: عنى به كل ما كان من الحديث ملهيًا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله: ﴿لهو الحديث﴾ ولم يخصص بعضًا دون بعض، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٢) هذه الأقوال وبعض روايات النزول، ثم رجّح مستندًا إلى ظاهر سياق الآية بقوله: «والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث مضاف إلى كفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾، وبالتوعد بالعذاب المهين، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا، ولهو الحديث: كل ما يلهي من غناء وخنا ونحوه». وعلّق ابنُ القيم (٢‏/‏٣١٧-٣١٨) على القول الأول والرابع، فقال: «ولا تعارض بين تفسير ﴿لهو الحديث﴾ بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يُحَدِّث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: لهو الحديث: الباطل والغناء. فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما». ثم قال: «والغناء أشد لهوًا، وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم؛ فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان... إذا عرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإنّ الآيات تضمنت ذمَّ من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا»

سورة آل عمران — الآية ١٠٣

عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: لقي النبي ﷺ نفرًا من الأنصار، فآمنوا به، وصَدَّقوا، وأراد أن يذهب معهم، فقالوا: يا رسول الله، إنّ بين قومنا حربًا، وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد. فواعدوه العام المقبل، فقالوا: نذهب برسول الله ﷺ، فلعل الله أن يصلح تلك الحرب، وكانوا يرون أنها لا تصلح -وهي يوم بُعاث-، فلقوه من العام المقبل سبعين رجلًا قد آمنوا به، فأخذ منهم النقباء اثني عشر رجلًا، فذلك حين يقول: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم﴾. وفي لفظ لابن جرير: فلما كان من أمر عائشة ما كان، فتثاور الحيان، قال بعضهم لبعض: موعدكم الحرة. فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآية: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم﴾ الآية. (٣‏/‏٧١٤)

سورة النساء — الآية ٦٥

عن الزبير بن العوام أنّه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ، في شِراجٍ من الحَرَّة كانا يسقيان به كلاهما النخلَ، فقال الأنصاريُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرّ. فأبى عليه، فقال رسول الله ﷺ: «اسقِ، يا زبيرُ، ثم أرسل الماءَ إلى جارك». فغضِب الأنصاريُّ، وقال: يا رسول الله، أن كان ابنَ عمَّتِك؟ فتلوَّن وجهُ رسول الله ﷺ، ثُمَّ قال: «اسقِ، يا زبيرُ، ثُمَّ احبس الماءَ حتى يرجع إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك». واسْتَرْعى رسول الله ﷺ للزبير حقَّه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزُّبَيْر برأيٍ أراد فيه السَّعَةَ له وللأنصاري، فلمّا أحْفَظَ رسول الله ﷺ الأنصاريُّ اسْتَرْعى للزُّبَيْر حقَّه في صريح الحكم. فقال الزبير: ما أحسبُ هذه الآيةَ نزلت إلا في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية