علَّق ابنُ جرير (١٥/١٤٠-١٤١) على قول ابن عباس بقوله: «فأخبر ابنُ عباس بقوله هذا مع بيانه معنى: القيّم، أن القيم مؤخَّر بعد قوله: ﴿ولم يجعل له عوجا﴾، ومعناه التقديم، بمعنى: أنزل الكتاب على عبده قيمًا»
ذكر ابنُ جرير في ﴿لعله﴾ وجهين من التأويل: الأول: أنها بمعنى: هل. كما في قول ابن عباس. والثاني: أنها بمعنى: كي. وعلّق ابنُ جرير (١٦/٧٥) على القولين، فقال: «ولِكِلا هذين القولين وجهٌ حَسَنٌ، ومذهب صحيح»
عن عبد الله بن مسعود، أنّه استُفْتِي وهو بالكوفة عن نكاح الأُمِّ بعد الابنة، إذا لم تَكُنِ الابنةُ مُسَّت، فأرخص في ذلك. ثُمَّ إنّ ابن مسعود قدِم المدينة، فسأل عن ذلك، فأُخبِر أنّه ليس كما قال، وإنما الشَّرْطُ في الرَّبائب، فرجَع ابنُ مسعود إلى الكوفة، فلم يصِل إلى منزله حتى أتى الرجلَ الذي أفتاه بذلك فأمره أن يُفارِق امرأتَه
انتَقَد ابنُ جرير (١٣/١٢١) قول ابن زيد مستندًا لِلُّغة، فقال: «وهذا الذي قاله ابن زيد لا معنى له؛ لأنّ الشعف في كلام العرب بمعنى عموم الحب أشهرُ مِن أن يجهله ذو علم بكلامهم». وانتقد ابنُ عطية (٥/٧٦) هذا القول، وكذا قول الشعبي، بقوله: «هذان القولان ضعيفان»
اختُلف في معنى: ﴿والنَّجْمِ﴾ على أقوال: الأول: والثريّا. الثاني: والقرآن. الثالث: النجم اسم جنس، والمعنى: والنجوم إذا هوت. الرابع: أنه محمد ﷺ إذا نزل من السماء ليلة المعراج. ووجَّه ابنُ عطية (٨/١٠٤) القول الأول بقوله: «و﴿هَوى﴾ -على هذا القول- يحتمل الغروب، ويحتمل الانكدار». ووجَّه القول الثاني بقوله: «ويجيء ﴿هَوى﴾ -على هذا التأويل- بمعنى: نزل». ثم انتقده -مستندًا إلى اللغة- قائلًا: «وفي هذا الهُوِىِّ بُعْدٌ وتحاملٌ على اللغة». ووجَّه ابنُ القيم (٣/٦٤) القول الثاني بقوله: «وعلى هذا فسُمّي القرآن نجمًا لتفرقه في النزول، والعرب تُسمي التفرّق: تنجّمًا، والمفرَّق: نجمًا، ونجوم الكتاب: أقساطها... وقوله: ﴿هَوى﴾ على هذا القول، أي: نزل من علوّ إلى سفل». ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٧) -مستندًا إلى لغة العرب- القول الأول، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وسفيان، وأحد أقوال ابن عباس، وعلَّل ذلك بأن «العرب تدعوها النجم». ونقل قولًا عن بعض أهل البصرة أن معنى: ﴿والنَّجْمِ﴾: «والنجوم، ذهب إلى لفظ الواحد وهو في معنى الجميع». ثم انتقده -مستندًا إلى أقوال السلف- قائلًا: «والقول الذي قاله مَن حكينا عنه مِن أهل البصرة قولٌ لا نعلم أحدًا من أهل التأويل قاله، وإن كان له وجْهٌ، فلذلك تركنا القول به». ونقل ابنُ عطية (٨/١٠٥) اختلاف المفسرين في معنى «الهُوِيِّ» على القول الثالث، وأنه عند جمهور المفسرين: هوى للغروب. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا هو السابق إلى الفهم من كلام العرب». وعند أبي حمزة اليماني: هوى عند الانكدار في القيامة. ثم وجَّهه بقوله: «فهي بمعنى قوله تعالى: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:٢]». ونقل عن ابن عباس -في كتاب الثعلبي-: «هوى في الانقضاض في أثر العفْرِية»، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا القول تساعده اللغة». ثم علَّق على ما سبق بقوله: «والتأويلات في ﴿هَوى﴾ محتملة كلُّها قويةٌ». ونقل ابنُ عطية (٨/١٠٤) عن الزهراوي أن المعنى: «وربّ النَّجم». ثم انتقده -مستندًا إلى مخالفة لفظ الآية- قائلًا: «وفي هذا قلق مع لفظ الآية». ونقل ابنُ كثير (١٣/٢٤٦) عن الضَّحّاك قوله: «﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ إذا رُمي به الشياطين». ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا القول له اتجاه». ونقل ابنُ القيم (٣/٦٥) هذا القول عن ابن عباس، فقال: «يعني: النجوم التي تُرمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع». ثم رجَّحه -مستندًا إلى دلالة العقل- قائلًا: «وهذا قول الحسن، وهو أظهر الأقوال. ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله -سبحانه- آية وحفظًا للوحي مِن استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسوله حقٌّ وصِدق، لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد أُحرس بالنجم إذا هوى رصدًا بين يدي الوحي، وحرسًا له، وعلى هذا فالارتباط بين المُقسم به والمُقسم عليه في غاية الظهور، وفي المُقسم به دليل على المُقسم عليه». وانتقد القول الأول والثاني والثالث -مستندًا إلى المعهود من اللغة، والدلالة العقلية- قائلًا: «وليس بالبيِّن تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله هويًا، ولا عُهد في القرآن ذلك فيُحمل هذا اللفظ عليه، وليس بالبيِّن تخصيص هذا القَسم بالثُّريّا وحدها إذا غابت، وليس بالبيِّن أيضًا القَسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة، بل هذا مما يُقسم الرّبّ عليه ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلًا؛ لعدم ظهوره للمخاطبين، ولا سيما منكرو البعث، فإنه سبحانه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه»
قال يحيى بن سلّام: وذلك أن موسى كان واعدهم أربعين ليلة، فعدُّوا عشرين يومًا وعشرين ليلة، فقالوا: هذه أربعون، قد أخلف موسى الوعد. وكانوا استعاروا مِن آل فرعون حليًّا لهم، كان نساء بني إسرائيل استعاروا مِن نساء آل فرعون ليوم الزينة، يعني: يوم العيد الذي واعدهم موسى. وكان الله أمر موسى أن يَسْرِي بهم ليلًا، فكره القومُ أن يَرُدُّوا العواري على آل فرعون فيفطن بهم آل فرعون، فأسروا مِن الليل والعواري معهم. فقال لهم السامريُّ بعد ما مضت عشرون يومًا وعشرون ليلة في غيبة موسى -في تفسير الكلبي، وقال قتادة: بعد ما مضى الثلاثون-: إنما ابتليتم بهذا الحلي، فهاتوه. وألقى ما معه مِن الحلي، وألقى القوم ما معهم، وهو قوله: ﴿فقذفناها فكذلك ألقى السامري﴾ ما معه كما ألقينا ما معنا. فصاغه عِجْلًا، ثم ألقى في فيه التراب الذي كان أخذه مِن تحت حافر فرس جبريل
عن عبد الله بن محمد بن أبي الوضاح، عن الحسن، في تفسير هذه الآية: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال﴾، فقال الحسن: إنّ أقوامًا غدوا في المطارف العتاق، والعمائم الرقاق، يطلبون الإمارات، يتعرضون للبلاء، وهم مِنه في عافية، حتى إذا أصابوها خافوا مَن فوقهم مِن أهل العقد، وظلموا بها مَن تحتهم مِن أهل العهد، هزلوا بها دينهم، وسمَّنوا بها براذينهم، ووسَّعوا بها دورهم، وضيَّقوا بها قبورهم، ألم ترهم قد جدَّدوا الثياب، وأخلقوا الدِّين؟ يتكئ أحدهم على يمينه فيأكل مِن غير طعامه؛ طعامه غصب، وخدمه سخَرَة، يدعو بحلوٍ بعد حامض، ورطب بعد يابس، حتى إذا أخذته الكظة تجشأ من البَشَم، ثم قال: يا جارية هاتي حاطومًا، هاتي ما يهضم الطعام. يا أحمق، لا والله، إن تهضم إلا دينك، أين جارك؟ أين يتيمك؟ أين مسكينك؟ أين ما أوصى الله به؟
عن أُبَيّ بن كعب -من طريق ابن عباس- قال: لما قدم تُبّع المدينة، ونزل بقناة؛ بعث إلى أحبار يهود، فقال: إنِّي مُخَرِّبٌ هذا البلد، حتى لا تقوم به يهودية، ويرجع الأمر إلى دين العرب. فقال له سامول اليهودي، وهو يومئذ أعلمهم: أيّها الملك، إنّ هذا بلدٌ يكون إليه مُهاجَر نبيٍّ من بني إسماعيل، مولده بمكة، اسمه أحمد، وهذه دار هِجرته، إنّ منزلك هذا الذي نزلتَ به يكون من القتل والجراح أمر كثير في أصحابه وفي عدوّهم. قال تُبّع: ومَن يقاتله يومئذ وهو نبيٌّ كما تزعم؟ قال: يسير إليه قومه، فيقتتلون ههنا. قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد. قال: فإذا قُوتل لمن تكون الدَّبَرة؟ قال: تكون عليه مرّة وله مرّة، وبهذا المكان الذي أنتَ به يكون عليه، يُقتل به أصحابه مقتلة عظيمة لم تُقتل في موطن، ثم تكون العاقبة له ويظهر، فلا ينازعه هذا الأمر أحد. قال: وما صفتُه؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حُمرة، يركب البعير، ويلبس الشَّملة، سيفه على عاتِقه، لا يبالي مَن لاقى حتى يَظهر أمره. قال تُبّع: ما إلى هذا البلد مِن سبيل، وما كان ليكون خرابها على يدَيَّ. فخرج تُبّع منصرفًا إلى اليمن
اختُلف في المراد بالزكاة على أقوال: الأول: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهّرهم، وتزكّي أبدانهم، ولا يوحِّدونه. الثاني: النفقة في الطاعات. الثالث: زكاة المال. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٣٨٠) -مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وكونه الأشهر في معنى الزكاة- القولَ الأخير الذي قاله الحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومجاهد، والربيع، فقال: «وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ دليلًا على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عُنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ مرادًا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله؛ لم يكن لقوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ معنى؛ لأنه معلوم أنّ مَن لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ قولَه: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ ما ينبئ عن أنّ الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال». ورجَّح ابنُ عطية (٧/٤٦٤) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «ويرجِّح هذا التأويل أنّ الآية من أوَّل المكيّ، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيرهما من الشرك والمعاصي». ورجَّح ابنُ تيمية (٥/٤٥٦) -مستندًا إلى النظائر- أن الآية تتناول كل ما يتزكّى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة، كقوله: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات:١٨]، وقوله: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى:١٤]. وانتقد ابنُ كثير (١٢/٢١٩) القول الأخير مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥/٤٥٦)، ثم وجَّهه بقوله: «اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصلُ الزكاة الصدقة كان مأمورًا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١]، فأما الزكاة ذات النُّصب والمقادير فإنما بُيّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله على رسوله ﷺ الصلوات الخمس، وفصّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئًا فشيئًا»
علّق ابن عطية (٨/٤٤٢) على قول ابن عباس وابن الزُّبير، فقال: «وقال ابن عباس وابن الزُّبير: الليل كله ناشِئَةٌ. و﴿أشَدُّ وطْئًا﴾ على هذا يحتمل أنْ يكون أشد ثبوتًا، فيكون نسب الثبوت إليها من حيث هو القائم فيها. ويحتمل أن يريد أنها صعبة القيام لمنعها النوم، كما قال: «اللهم، اشدد وطأتك على مُضر». فذكرها تعالى بالصعوبة ليُعلم عِظم الأجر فيها كما وُعِدَ عليه الصلاة والسلام على الوضوء على المكاره، والمشي في الظلام إلى المساجد، ونحوه»