عَلَّقَ ابن جرير (١/٤٨٥-٤٨٦) على هذه الرواية بقوله: «وهذه الرواية عن ابن عباس تُنبِئ عن أنّ قول الله -جل ثناؤه-: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرص خليفة﴾ خِطابٌ من الله -جل ثناؤه- لخاصٍّ من الملائكة دون الجميع، وأنّ الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصة، وأنّ الله إنّما خَصَّهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاء؛ لِيُعَرِّفهم قصورَ علمهم، وفضل كثير مِمَّن هو أضعف خلقًا منهم من خلقه عليهم، وأنّ كرامته لا تنال بقُوى الأبدان وشِدَّة الأجسام، كما ظنه إبليس عدو الله، ومصرح بأن قيلهم لربهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ كانت هفوة منهم، ورجمًا بالغيب، وأنّ الله -جل ثناؤه- أطْلَعَهم على مكروهِ ما نطقوا به من ذلك، ووَقَفَهم عليه، حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رجم الغيب بالظنون، وتَبَرَّءُوا إليه أن يعلم الغيب غيره، وأظهر لهم من إبليس ما كان منطويًا عليه من الكبر الذي قد كان عنهم مُسْتَخْفِيًا». وبَيَّنَ (١/٥٠٠) أيضًا أنّ الرواية تحتمل ورود قول الملائكة: «على وجه الاستعلام منهم لربهم، لا على وجه الإيجاب أنّ ذلك كائن كذلك، فيكون ذلك منها إخبارًا عما لم تَطَّلِع عليه من علم الغيب». وانتَقَد ابنُ كثير (١/٣٥٥) هذا الأثر بقوله: «هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها»
اختُلِفَ هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ ووجَّه ابنُ عطية (١/٤٦٥) القولَ بالنسخ الذي قاله مجاهد، وقتادة من طريق مَعْمَر، وابن زيد بأنّ قوله تعالى: ﴿وقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أمرٌ بالقتال لِكُلِّ مُشْرِك في كل موضع. ووجَّه القولَ بعدم النسخ بأنّ المعنى: قاتِلُوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾. ثُمَّ رَجَّح (١/٤٦٥) القولَ الأولَ مُسْتَنِدًا إلى سياق الآية، فقال: «والأَوَّلُ أظهرُ، وهو أمرٌ بقتال مطلقٍ، لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾». وحكى ابنُ جرير الخلافَ في قراءة هذه الآية بَيْنَ مَن قرأها: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ بمعنى: ولا تَبْتَدِؤوا -أيها المؤمنون- المشركين بالقتال عند المسجد الحرام حتى يبدءوكم به. وبَين مَن قرأها: ›ولا تَقْتُلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ‹ بمعنى: ولا تبدؤوهم بقتلٍ حتى يبدءوكم به. ورجَّح (٣/٢٩٨) القراءةَ الأولى مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يأمر نبيَّه ﷺ وأصحابه في حال إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يقتلوا منهم قتيلًا بعد ما أذن له ولهم بقتالهم». ثم قال: «وقد نَسَخَ الله -تعالى ذِكْرُه- هذه الآية بقوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، وقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]، ونحو ذلك من الآيات»
ذكر ابنُ جرير (٧/٣٦) في نزول الآية قولين: الأول: أنّها عامة في كل مؤمن. الثاني: أنها في المهاجرين خاصة دون أهل البوادي والأعراب. ورَجّح ابنُ جرير نزول الآية في المهاجرين كما جاء في أثر ابن عمر، مستندًا إلى دلالة العقل، ولزوم الجمع بين الخبرين الثابتين، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى بهذه الآية: المهاجرين دون الأعراب. وذلك أنّه غيرُ جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسول الله ﷺ شيءٌ يدفع بعضُه بعضًا، فإذا كان صحيحًا وعد الله مَن جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له، وكان الخبران اللذان ذكرناهما عنه ﷺ صحيحين، كان غيرُ جائز إلا أن يكون أحدهما مجملًا والآخر مُفَسِّرًا، إذ كانت أخباره ﷺ يُصَدِّق بعضُها بعضًا. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ أن خبر أبي هريرة معناه: إنّ الحسنة لَتُضاعَف للمهاجرين مِن أهل الإيمان ألفي ألف حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما روى ابن عمر عن النبي ﷺ، وأنّ قوله: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام:١٦٠] يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يضاعف له، ويؤته الله من لدنه أجرًا. يعني: يُعْطِه من عنده أجرًا عظيمًا، يعني: عِوَضًا من حسنته عظيمًا. وذلك العوض العظيم: الجنة». وذكر ابنُ عطية (٢/٥٥٦) الأقوال في نزول الآية، ثم رَجَّح أنها عامة في المؤمنين والكافرين: «فأمّا المؤمنون فيُجازَوْن في الآخرة على مثاقيل الذَرِّ فما زاد، وأما الكافرون فما يفعلون من خيرٍ فتقع المكافأة عليه بنِعَم الدنيا، ويجيئون يوم القيامة ولا حسنة لهم»
علَّق ابنُ عطية (٣/٥٠٣) على قول ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير من طريق سالم، والضحاك، والحسن، وأبي وائل، والقاسم بن أبي بزة، والنخعي من طريق أبي المحجل، وأبي صالح، وعطاء، والقرظي، فقال: «وهذه هي الغاية من الطرفين». واستدل ابنُ تيمية (٣/١٢١ بتصرف) لقولهم من القرآن، فقال: «دليله: قوله تعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهُمْ مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩-٩٠]، وذلك لأنّ جميع أعمال البر هي داخلة في التوحيد، فجميع الأعمال الحسنة تضاعف لصاحبها، وجميعها من عبادة الله وحده، وهي من فروع قول: لا إله إلا الله». ثم وجَّه قولهم بقوله: ""فمَن قال: الحسنة لا إله إلا الله. لم يُرِد أنّ هذه الكلمة وحدها هي الحسنة دون العمل بمقتضاها، بل هي عنده الشجرة الجامعة، والأعمال داخلة فيها وفروع لها. وكذلك السيئة هي العمل لغير الله، وهذا هو الشرك. والذنوب كلها جزء من الشرك، وهي من فروعه، فإنها جميعها طاعة للشيطان واتباع لخطواته، قال الله تعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وأَنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠-٦١]. لكن إذا كان الإنسان موحدًا وقد فعل بعض الذنوب نقص إيمانه وتوحيده بحسب ذلك، كما قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٥٠٣) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ الظاهر هو أنّ الحسنة والسيئة لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات
عن هُزَيل بن شُرَحبيل، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى، وسلمان بن ربيعة، فسألهما عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ، وأخت. فقالا: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائتِ عبدَ الله [بن مسعود]، فإنّه سيُتابعُنا. فأتى عبدَ الله، فأخبَره، فقال: ﴿قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين﴾، لأقضِيَنَّ فيها بقضاء رسول الله ﷺ؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بَقِيَ فللأخت
انتَقَدَ ابنُ جرير (٦/٤٦٩)، وابنُ عطية (٢/٤٨٢)، وابنُ كثير (٣/٣٧٥) قولَ ابن عباس هذا؛ لشذوذه عما عليه الأمة، ولورود خلافه عنه أيضًا. قال ابنُ جرير: «وأمّا الذي رُوِي عن طاووس عن ابن عباس فقولٌ لِما عليه الأمة مخالفٌ، وذلك أنّه لا خلاف بين الجميع ألّا ميراث لأخي ميِّتٍ مع والده، فكفى إجماعُهم على خلافِه شاهِدًا على فساده»
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٧٢) أنّ الضمير في قوله: ﴿أمامه﴾ عائد على الإنسان على هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق أبي الخير، وابن جُبَير، والعَوفيّ، وقاله مجاهد، والحسن، وعكرمة، وابن جُبَير، والضَّحّاك، والسُّدِّيّ
عن خالد بن إلياس، عن أُمِّ أبيه: أنّها حلفت أن لا تُكَلِّم ابنة ابنها -ا
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح، وابن جُرَيْج-، مثلَه
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: النافلة ابن ابنه يعقوب