ذهب ابنُ تيمية (٢‏/‏٥٠١ بتصرف) في تفسير قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ مستندًا إلى دلالة العموم إلى عدم التَّخصيصِ، وقال: «قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ لفظ مطلق، ليس فيه تعيين، وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائنًا من كان، لا يختص ذلك بأبي بكر ولا بعلي، بل هذه الآية تدُلُّ على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قومًا يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون هؤلاء المرتدين»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٤٨٤): «﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهذا اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد به الوعيد الذي توعدهم الله عز وجل على الكفر، وتأويله -على هذا- يراد به ما يؤول إليه أمره، كما هو في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، والآية بجملتها على هذا التأويل تتضمن وعيدًا. والمعنى الثاني: أنّه أراد: بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المُنبِئ بالغيوب الذي لم تَتَقَدَّم لهم به معرفة، ولا أحاطوا بعلم غيوبه، وحسن نظمه، ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿لفيفا﴾ على قولين: الأول: مختلطين. الثاني: جميعًا. وقد رجح ابنُ جرير (١٥‏/‏١١١) القول الأول مستندًا إلى اللغة، فقال: «﴿فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا﴾، يقول: فإذا جاءت الساعة -وهي وعد الآخرة- جئنا بكم لفيفًا، يقول: حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة لفيفًا، أي: مختلطين قد التف بعضكم على بعض، لا تتعارفون، ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحَيِّه، من قولك: لففت الجيوش، إذا ضربت بعضها ببعض، فاختلط الجميع، وكذلك كل شيء خلط بشيء فقد لفَّ به»

للسلف في تفسير قوله: ﴿بيوت﴾ ثلاثة أقوال: الأول: أنها المساجد. الثاني: أنها كل البيوت. الثالث: أنها بيوت النبي ﷺ. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٣١٨) مستندًا إلى السياق القولَ الأول، معللًا ذلك بقوله: «إنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لدلالة قوله: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ على أنها بيوت بُنِيَت للصلاة؛ فلذلك قلنا: هي المساجد». وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٣٩٠)، حيث قال: «وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ يقوّي أنها المساجد»

علَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٤٢١-٤٢٢) على هذا الأثر بقوله: «كذا رواه مسلم في آخر الكتاب. وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية، عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، به. وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي حازم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، مثله، فجعله من مسند ابن الزبير. لكن رواه البزّار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن عامر، عن ابن الزبير، عن ابن مسعود، فذكره»

استدرك ابنُ جرير (٢١‏/‏١٤١) -من جهة اللغة- على قول ابن زيد بقوله: «وهذا الذي قاله ابن زيد في قوله: ﴿رب أوزعني﴾ وإن كان يؤول إليه معنى الكلمة، فليس بمعنى الإيزاع على الصحة». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٦١٩-٦٢٠) أن قوله: ﴿أوزعني﴾ يحتمل احتمالين: الأول: ادفعني عن الموانع، وازجرني عن القواطع؛ لأجل أن أشكر نعمتك. الثاني: أن يكون بمعنى: اجعل حظّي ونصيبي. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا من التّوزيع، والقوم الأوزاع، ومن قولك: توزعوا المال؛ فـ﴿أن﴾ على هذا مفعول صريح». وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٤٥٠) القول بأن معنى ﴿أوزعني﴾: ألْهِمني. ثم نقل عن أبي إسحاق تفسيره بـ: كفّني عن الأشياء إلا نفس شكر نعمتك. وعلَّق عليه بقوله: «ولهذا يقال في تفسير الموزع: المولع، ومنه الحديث: «كان رسول الله ﷺ مُوزعًا بالسؤال». أي: مُولعًا به، كأنه كفّ ومُنع إلا منه. ونقل عن أهل اللغة أن الوزع له معنيان: الأول: أنه بمعنى الكفّ. وهو قول أبي إسحاق. الثاني: الإغراء، فأوزعته بالشيء: أغريته به، واستوزعتُ الله شكره فأوزعني: استلهمتُه فألهمني. ثم قال:»فقد دار معنى اللفظة على معنى: ألْهِمني ذلك، واجعلني مغرًى به، وكفّني عما سواه""

سورة البقرة — الآية ١٥٢

عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن أُعْطِي أربعًا أُعْطِي أربعًا، وتفسير ذلك في كتاب الله: من أُعْطِي الذِّكْرَ ذَكَره الله؛ لأنّ الله يقول: ﴿فاذكروني أذكروكم﴾. ومن أُعْطِي الدعاء أُعْطِي الإجابة؛ لأنّ الله يقول: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ [غافر:٦٠]. ومن أُعْطِي الشكر أُعْطِي الزيادة؛ لأن الله يقول: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم:٧]. ومن أُعْطِي الاستغفار أُعْطِي المغفرة؛ لأن الله يقول: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ [نوح:١٠]»

سورة القصص — الآية ٢٦

قال يحيى بن سلّام: ﴿قالت إحداهما﴾ إحدى المرأتين: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾... وكان الذي رأت مِن قوته في تفسير الحسن: أنّه لم تلبث ماشيتهما أن أرواها، وأن الأمانة التي رأت منه أنها حين جاءته تدعوه قال لها: كوني ورائي. وكره أن يستدبرها. وبعضهم يقول في قولها: ﴿القوي﴾: أنّه كان على تلك البئر التي سقى منها صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلًا، فرفعها موسى وحده، وذلك أنه سألهما: هل هاهنا بئر غير هذه؟ فقالتا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلًا

سورة فاطر — الآية ٢٣

قال يحيى بن سلّام: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ تُنذِرُ الناسَ، والله يهدي من يشاء، ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ بالقرآن ﴿بَشِيرًا﴾ بالجنة، ﴿ونَذِيرًا﴾ من النار، ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ يعني: الأمم الخالية كلها قد خلت فيهم النذر، وتفسير السُّدِّيّ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾، أي: وإن مِن أُمَّة مِمَّن أهلكنا إلا خلا فيها نذير، يعني: يُحَذِّرُ المشركين أن ينزل بهم ما نزل بهم إن كذّبوا النبي - ﷺ - كما كذبت الأممُ رسلَها

ذَهَبَ ابنُ عطية (٢‏/‏٢١٥) إلى العموم، وعدم تخصيص الرَّمز بمعنى دون غيره، حيث إنّه قال: «والرَّمز في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرّامِز، بأيِّ شيء كانت الحركة؛ من عين، أو حاجب، أو شفة، أو يد، أو عود، أو غير ذلك. وقد قيل للكلام المُحَرَّف عن ظاهره: رموز؛ لأنّها علاماتٌ بغير اللفظ الموضوع للمعنى المقصود الإعلامِ به. وقد يُقالُ للتصويت الدالِّ على معنًى: رمز». ثم قال: «وأمّا المفسرون فخصَّص كُلُّ واحدٍ منهم نوعًا من الرَّمز في تفسيره هذه الآية»