أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ على أقوال: الأول: أن الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله. والإقتار: المنع من حقوق الله. الثاني: أن السرف: هو مجاوزة الحد في النفقة. والإقتار: التقصير عن الحدِّ الذي لا بُدَّ منه. الثالث: أنّ الإسراف هو أكل مال الغير بغير حق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٠١) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك قولُ مَن قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدَّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به. والقوام: بين ذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لأنّ المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصًا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذمومًا؛ لأنّ ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم». وانتقد ابنُ عطية (٦/٤٥٧-٤٥٨ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، وقول مَن قال: الإسراف: أن تنفق مال غيرك، فقال: «هذه الأقوال غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر. والوجه أن يُقال: إنّ النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليلَه وكثيرَه، وكذلك التعدِّي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون مُنَزَّهون عن ذلك». ثم رجّح أن «التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدبُ الشرع فيها أن لا يُفَرِّط الإنسان حتى يضيع حقًّا آخر أو عيالًا ونحو هذا، وأن لا يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشُّحّ، والحسن في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخِفَّة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها»
اختلف في معنى العذاب الأدنى في قوله تعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذابِ الأَدْنى﴾ في هذه الآية على خمسة أقوال: الأول: أنه مصائب الدنيا في الأنفس والأموال. الثاني: أنه الحدود. الثالث: أنه القتل بالسيف؛ كيوم بدر. الرابع: أنه سنون أصابتهم. الخامس: أنه عذاب القبر. السادس: أنه عذاب الدنيا. ووجَّه ابنُ عطية (٧/٧٩) القول الثالث بقوله: «فيكون -على هذا التأويل- الرّاجعُ غير الذي يذوق، بل الذي يبقى بعده». ووجَّه القولَ الثاني بقوله: «ويتَّجه -على هذا التأويل- أن يكون في فسقة المؤمنين». ووجَّه ابنُ القيم (٢/٣٢٣) القول الخامس بقوله: «وقد احتج بهذه الآية جماعةٌ -منهم: عبد الله بن عباس- على عذاب القبر، وفي الاحتجاج بها شيء؛ لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعي به رجوعهم عن الكفر، ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن، لكن مِن فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه فهم منها عذاب القبر؛ فإنه سبحانه أخبر أن له فيه عذابين أدنى وأكبر، فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا، فدلَّ على أنه بقي لهم مِن الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا، ولهذا قال: ﴿مِنَ العَذابِ الأَدْنى﴾، ولم يقل: ولنذيقنَّهم العذاب الأدنى. فتأمَّله». ورجَّح ابنُ جرير (١٨/٦٣٢) مستندًا إلى دلالة العموم شمول معنى الآية لكل عذاب وقع للكفار في الدنيا، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك أن يُقال: إنّ الله وعد هؤلاء الفسقة المكذبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى، أن يذيقَهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاءٍ أصابهم؛ إما شدةٌ من مجاعة، أو قَتْلٌ، أو مصائب يصابون بها، فكلُّ ذلك من العذاب الأدنى، ولم يَخْصُصْ الله -تعالى ذِكْرُه- إذ وعدهم ذلك أن يعذِّبهم بنوعٍ من ذلك دون نوعٍ، وقد عذَّبهم بكلِّ ذلك في الدنيا؛ بالقتل، والجوع، والشدائد، والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم»
اختلف السلف في نزول الآية على أقوال: الأول: أنها نزلت في قوم من أهل الشرك، قالوا لما دُعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يَعِد فاعلَ ذلك النار؟! الثاني: نزلت في قوم من أهل الإسلام، وقالوا: تأويل الكلام: إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء، قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم صدّهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم، فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة. الثالث: نزلت في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٢٣٠) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى -تعالى ذكره- بذلك جميعَ مَن أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم َّبقوله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ جميع المسرفين، فلم يخصّص به مسرفًا دون مسرف. فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم، إذا تاب منه المشرك، وإنما عنى بقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ لمن يشاء، كما قد ذكرنا قبل أن ابن مسعود كان يقرؤه، وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال: إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه؛ إن شاء تفضّل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به». وبنحوه ابنُ عطية (٧/٤٠٣)، قال: «هذه الآيةُ عامةٌ في جميع الناس إلى يوم القيامة؛ في كل كافر ومؤمن، أي: إنّ توبة الكافر تمحو ذنوبه، وتوبة العاصي تمحو ذنبه»
اختُلف هل علم النبي ﷺ بقدوم الجن عليه أم لا؟ وساق ابنُ عطية (٧/٦٣١) القولين، ثم رجَّح أنّ الوفد الوارد ذكره هنا غير الوفد المشار إليه في سورة الجن، فقال: «والتحرير في هذا أن النبي ﷺ جاءه جنٌّ دون أن يعرف بهم، وهم المتفرّقون من أجل الرّجم، وهذا هو قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي﴾ [الجن:١]، ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرْفه في هذه الآية». ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ كثير (١٣/٣١-٣٢) آثارًا تدل على عدم علم النبي بهم حال قراءته، وبيّن أنّ ما يعارضها مِن آثار تقتضي علمه، فيُحتمل أنه كان في مرة أخرى؛ إذ تكاثر الروايات يدل على تكرار توافد الجن عليه، فقال: «فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا، [وهو حديث ابن مسعود الآتي في الآثار المتعلقة بالآيات أن شجرة آذنت الني ﷺ بالجن] فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدمًا على نفي ابن عباس المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذَنَته بهم الشجرة، أي: أعلمته باستماعهم». وعلَّق (١٣/٤٢) على ما جاء عن ابن مسعود من اختلاف في الروايات بأنه يحتمل الآتي: أنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته الجنّ ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة. الثاني: أن يكون أول مرّة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى. وعلَّق ابن عطية (٧/٦٣٢) على ما روي عن ابن مسعود بقوله: «واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود... فاختصرتُ هذه الروايات وتطويلها؛ لعدم صحتها»
اختُلف في معنى العَوْد لِما قال المُظاهر في هذه الآية على قولين: الأول: أنّ المظاهر يعود إلى تحليل ما حرَّم على نفسه من وطء الزوجة بالعزم على الوطء. الثاني: أنّ العَوْد لِما قال هو إمساكه إيّاها، وتَرْكُه فِراقَها بعد تظهُّره منها، سواء عزم على الوطء أم لم يَعزِم. ونقل ابنُ جرير (٢٢/٤٥٩) عن أهل العربية معنيين آخرَين: أحدهما: أنّ «المعنى: فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا، فمن لم يجد فصيامٌ، فإطعامُ ستين مسكينًا، ثم يعودون لما قالوا: إنا لا نفعله، فيفعلونه...». ثم وجَّهه بقوله: «وكأن قائل هذا القول كان يرى أنّ هذا من المُقدّم الذي معناه التأخير». والآخر: أنه «يصلح فيها في العربية: ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالُوا. يريد: يرجعون عمّا قالُوا». ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٤٦٠) مستندًا إلى اللغة «أن يُقال: معنى اللام في قوله: ﴿لِما قالُوا﴾ بمعنى»إلى«أو»في«؛ لأنّ معنى الكلام: ثم يعودون لنقْض ما قالوا مِن التحريم فيحلِّلونه. وإن قيل: معناه: ثم يعودون إلى تحليل ما حرَّموا، أو: في تحليل ما حرَّموا، فصوابٌ؛ لأن كل ذلك عَوْدٌ له». ونقل ابنُ عطية (٨/٢٤٦) قولين آخرين: أحدهما: أنّ «المعنى: والذين يظاهَرون من نسائهم في الجاهلية». ثم وجَّهه بقوله: «كأنه تعالى قال: والذين كان الظِّهار عادتهم ثم يعودون إلى ذلك في الإسلام». والآخر: أنّ «المعنى: والذين يُظاهِرون ثم يُظاهِرون ثانية، فلا تلزم عندهم كفارة إلا بأن يعيد الرجل التظاهُر». ووجَّهه بقوله: «وحينئذ هو عائد إلى القول الذي هو منكر وزور». ثم انتقده قائلًا: «وهذا قول ضعيف». ونحوه قال ابنُ كثير (١٣/٤٤٨). وانتقد ابنُ عطية -مستندًا إلى السياق- القول الذي حكاه ابنُ جرير بأنّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا قائلًا: «وهذا أيضًا قول يُفسِد نظم الآية، وحُكي عن الأخفش، لكنه غير قوي»
اختُلف هل هذه الآية من الصفات أم لا؟ ورجَّح ابنُ تيمية (٦/٣٨٢) -مستندًا إلى اللغة- أنها ليست من آيات الصفات، فقال: «لا ريب أنّ ظاهر القرآن لا يدلّ على أنّ هذه من الصفات؛ فإنه قال: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ نكرة في الإثبات، لم يُضفها إلى الله، ولم يَقلْ: عن ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل». وذكر (٦/٣٨٣) «أنّ أصل الخلاف راجع لعدم الإضافة، وأنّ مَن يجعلها من الصفات يقول فيها كقوله: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص:٧٥] ونحو ذلك، فإنه مع الصفات تُثبتُ، ويجب تنزيه الرّبّ تعالى عن التمثيل». وذكر ابنُ عطية (٨/٣٧٨) أنّ ما جاء من أمر الكشف عن الساق في الآية فإنما هو عبارة عن شِدّة الهول، ثم علَّق بقوله (٨/٣٧٨-٣٧٩): ""ومن هذا المعنى قول الشاعر في صفة الحرب:كَشَفَتْ لهم عن ساقها وبَدا عن الشّرّ البراحوأصل ذلك: أنه مّن أراد الجدّ في أمر يحاوله فإنه يَكشف عن ساقه تشميرًا وجِدًّا، وقد مدح الشعراء بهذا المعنى فمنه قول دريد:كَمِيشُ الإزار خارج نصف ساقه صبور على الضراء طلاّع أنجُدوعلى هذا من إرادة الجِدّ والتشمير في طاعة الله تعالى، قال ﷺ: «إزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف ساقيه»"". وبيّن أنّ قوله تعالى: ﴿ويُدعون﴾ ظاهره أنّ ثمّ دعاء إلى السجود، وانتقده بقوله: «وهذا يَردّه ما قد تقرّر في الشرع من أنّ الآخرة ليست بدار عمل، وأنها لا تكليف فيها». ثم علَّق بقوله: «فإذا كان هذا فإنما الداعي ما يَرونه من سجود المؤمنين فيريدون أن يسجدوا عند ذلك فلا يستطيعون». وذكر أنّ البعض ذهب إلى أنهم يُدعَون إلى السجود على جهة التوبيخ، وأنّ البعض خرج من قوله: ﴿فلا يستطيعون﴾ أنهم كانوا يستطيعونه قبل ذلك، وعلَّق عليه بقوله: «وذلك غير لازم»
اختُلف في قوله: ﴿والعاديات ضبحا﴾ على قولين: الأول: أنها الخيل. الثاني: أنها الإبل. وقد بيّن ابنُ القيم أنّ قوله: ﴿ضبحا﴾ على القول الأول يكون حالًا، وعلى الثاني يكون مصدرًا. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٥٧٤ بتصرف) القول الأول -مستندًا إلى دلالة الواقع، واللغة، وأقوال السلف- وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنّ الإبل لا تَضبح، وإنما تَضبح الخيل، وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضبحًا، وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وذكر أقوال السلف على أنّ الضبح هو الحَمْحَمة. وذكر ابنُ عطية (٨/٦٧٣) القولين، ثم قال: «والظاهر في الآية أنّ القسم بالخيل، أو بالإبل، أو بهما». وبيّن ابنُ القيم أنّ ذكر خيل المجاهدين أخصّ ما دخل في هذا الوصف على سبيل التمثيل، وليس الاختصاص، فقال: وذكر خيل المجاهدين أحقّ ما دخل في هذا الوصف، فذكره على وجه التمثيل لا الاختصاص؛ فإنّ هذا شأن خيل المقاتلة، وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين، والقَسم إنما وقع بما تضمّنه شأن هذه العاديات مِن الآيات البيّنات مِن خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه، وهو الذي يحصل به العِزّ والظفر والنصر على الأعداء، فتعدو طالبة للعدو وهاربة منه، فيُثير عَدْوها الغبار لشدته، وتُوري حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عَدْوها، فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمْع الأعداء، فهذا من أعظم آيات الرّبّ تعالى وأدلة قدرته وحكمته، فذكّرهم بنعمة عليهم في خَلْق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم، ويُدركون به ثأرهم، كما ذكّرهم سبحانه بنِعمه عليهم في خَلْق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد، فالإبل أخصّ بحمل الأثقال، والخيل أخص بنُصرة الرجال، فذكّرهم بنِعمه بهذا وهذا""
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾، وذلك أنّ الله عز وجل أنزَل في أموال اليتامى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. فلَمّا نزلت هذه الآيةُ أشفق المسلمون من خُلْطَة اليتامى، فعَزَلُوا بيتَ اليتيم وطعامَه وخُدّامه على حِدَةٍ؛ مخافة العُذْرِ، فشَقَّ ذلك على المسلمين وعلى اليتامى اعتزالهم، فقال ثابت بن رِفاعَة للنبي ﷺ: قد سمِعْنا ما أنزل الله عز وجل في اليتامى فعَزَلْناهم والذي لهم، وعزَلْنا الذي لنا، فشَقَّ ذلك علينا وعليهم، وليس كلُّنا يَجِدُ سَعَةً في عَزْلِ اليتيمِ وطعامِه وخادمِه، فهل يصلح لنا خُلْطَتُهم، فيكون البيتُ والطعامُ [واحدًا] والخدمةُ وركوبُ الدّابَّةِ، ولا نَرْزَأَهُم شيئًا إلّا أن نعود عليهم بأفضل منه. فأنزل الله عز وجل فى قول ثابت بن رِفاعَة الأنصارى: ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: أقبل الحُطَمُ بن هند البَكْرِيّ، حتى أتى النبي ﷺ، فدعاه، فقال: إلامَ تدعو؟ فأخبره، وقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه: «يدخل اليومَ عليكم رجلٌ من رَبِيعة، يتكلم بلسان شيطان». فلما أخبره النبي ﷺ قال: انظروا، لَعَلِّي أُسْلِم، ولي من أُشاوِرُه. فخرج من عنده، فقال رسول الله ﷺ: «لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعَقِب غادر». فمَرَّ بِسَرْحٍ من سَرْح المدينة، فساقه وهو يرتجز: قد لفها الليل بسَوّاقٍ حُطَم ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّار على ظَهْر الوَضَمْ باتوا نيامًا وابنُ هند لم يَنَمْ بات يُقاسِيها غلام كالزُّلَمْ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ ثم أقبل من عامِ قابلٍ حاجًّا، قد قلَّد وأهدى، فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية حتى بلغ: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾. فقال الناس من أصحابه: يا رسول الله، خلِّ بيننا وبينه؛ فإنّه صاحبنا. قال: «إنّه قد قَلَّد». قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية. فأبى عليهم، فنزلت هذه الآية
عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أخي عبد الله بن سلام، قال: لَمّا أُريد عثمان جاء عبد الله بن سلام، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نُصرتكَ. قال: اخرج إلى الناس، فاطردهم عنِّي، فإنّك خارج خيرٌ لي منك داخل، فخرج عبد الله إلى الناس، فقال: أيها الناس، إنّه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسمّاني رسول الله ﷺ: عبد الله، ونزلت فِيَّ آيات مِن كتاب الله، نزلت فِيَّ: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فأمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [الأحقاف:١٠]، ونزلت فِيَّ: ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾، إنّ لله سيفًا مغمودًا عنكم، وإنّ الملائكة قد جاوَرَتْكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيُّكم، فاللهَ اللهَ في هذا الرجل أن تقتلوه، فواللهِ، إن قتلتموه لتطرُدُن جيرانكم الملائكة، ولتسلنّ سيف الله المغمود عنكم، فلا يُغمد إلى يوم القيامة، قال: فقالوا: اقتلوا اليهوديَّ، واقتلوا عثمان