عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك﴾ الآية، قال: ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ كان يقول: «بادِروا بالأعمال سِتًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدَّجّال، والدُّخان، ودابة الأرض، وخُوَيْصَّةَ أحدِكم، وأمرَ العامة؛ القيامة». ذُكِر لنا: أنّ قائلًا قال: يا نبي الله، ما آيةُ طلوع الشمس من مغربها؟ قال: «تطولُ تلك الليلة حتى تكون قدْرَ ليلتين، فيقوم المتهَجِّدون لحينِهم الذي كانوا يُصَلُّون فيه، فيُصَلُّون حتى يقضوا صلاتَهم والنجومُ مكانها لا تَسْرِى، ثم يأتون فُرُشَهم، فيرقُدون حتى تَكِلَّ جُنوبُهم، ثم يقومون فيُصَلُّون حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزَعُ الناس، ثم يُصْبِحون، ولا يُصْبِحون إلا عصرًا عصرًا، فبينما هم ينتظِرونها من مشرقها إذ فجِئَتْهم من مغربها»
عن عطاء الخراساني -من طريق عثمان بن عطاء- قال: إنما أُنزِل القرآن على قَدْرِ معرفةِ العرب، ألا تَرى إلى قوله: ﴿ومن أصوافها وأوبارها﴾! وما جعَل الله لهم مِن غيرِ ذلك أعظمُ منه وأكثرُ، ولكنهم كانوا أصحابَ وبَرٍ وشَعَرٍ. ألا تَرى إلى قوله: ﴿والله جعل لكم مما خلق ظِلالًا وجعل لكم من الجبال أكنانًا﴾! وما جعَل مِن السهلِ أعظمُ وأكثر، ولكنهم كانوا أصحابَ جبال. ألا تَرى إلى قوله: ﴿وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر﴾! وما يَقِي البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحابَ حَرٍّ. ألا ترى إلى قوله: ﴿من جبال فيها من برد﴾! [النور:٤٣] يُعَجِّبُهم من ذلك، وما أنزَل لهم مِن الثلج أعظمُ وأكثر، ولكنهم كانوا لا يَعْرِفونه
عن الحسن البصري -من طريق معمر- أنّه تلا: ﴿وذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أرْداكُمْ﴾، فقال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله: عبدي أنا عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني». ثم نطق الحسن، فقال: إنّما عملُ ابنِ آدم على قدْر ظنِّه بربه؛ فأما المؤمن فأحسنَ بالله الظّن؛ فأحسنَ العمل، وأما الكافر والمنافق فأساء الظّن؛ فأساء العمل، قال ربكم: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ حتى بلغ: ﴿الخاسِرِينَ﴾. قال معمر: وحدّثني رجلٌ: إنه يُؤمر برجل إلى النار، فيلتفتُ، فيقول: يا ربِّ، ما كان هذا ظنّي بك. قال: «وما كان ظنّك بي؟». قال: كان ظنّي أن تغفر لي ولا تعذّبني. قال: «فإني عند ظنّك بي»
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- في قوله: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾، قال: انظر ماذا أعطى الله عبده مِن النور في عينيه، أن لو جَعل نور أعيُن جميع خَلْق الله؛ من الإنس والجنّ والدوابّ وكلّ شيء خَلَق الله، فجَعل نور أعينهم في عيني عبد من عباده، ثم كَشف عن الشمس سِتْرًا واحدًا، ودونها سبعون سِترًا، ما قَدر على أن يَنظر إلى الشمس، والشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءًا من نور السّتر. قال عكرمة: انظروا ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه؛ أن نَظر إلى وجه ربّه الكريم عِيانًا
عن أبي هريرة -من طريق البختري بن عبيد، عن أبيه- قال: قال رجل: يا رسول الله، ما العاديات ضَبْحًا؟ فأَعرض عنه، ثم رجع إليه من الغد، فقال: ما المُوريات قَدْحًا؟ فأَعرض عنه، ثم رجع الثالثة، فقال: ما المُغيرات صُبْحًا؟ فرفع العمامة والقلنسوة عن رأسه بمِخصَرته، فوجده مُفْرَعًا رأسه، فقال: «لو وجدتُه طامًّا رأسه لوضعتُ الذي فيه عيناه». ففزع الملأ مِن قوله، فقالوا: يا نبي الله، ولم؟ قال: «إنه سيكون أناس من أمتي يَضربون القرآن بعضه ببعض ليُبطلوه، ويتَّبعون ما تشابه منه، ويزعمون أنّ لهم في أمر ربّهم سبيلًا، ولكلّ دين مجوس، وهم مجوس أُمّتي وكلاب النار». فكأنه يقول: هم القدرية
أفاد هذا القول أنّ قوله: ﴿بآخرين﴾ يعني: من نوعكم. وذكر ابنُ عطية (٣/٤١) هذا القول، وساق بعده حديث سلمان، ثم ذكر احتمالًا آخر، وهو أن تكون الآية وعيدًا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما روي أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل آدم. ثم قال: «وقدرة الله على ما ذكر تقضي العقول بداهتها». وذكر ابنُ جرير (٧/٥٨١) أنّ هذا الوعيد والتوبيخ في الآية هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق، وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق. وانتقده ابنُ عطية (٣/٤١) مستندًا لدلالة العموم، فقال: «هذا تأويل بعيد، واللفظ إنما يظهر حُسْن رَصْفه بعمومه، وانسحابه على العالم جملة، أو العالم الحاضر»
قال ابنُ جرير (١٣/٦٥-٦٦): «وقوله: ﴿والله غالب على أمره﴾ يقول -تعالى ذِكْرُه-: واللهُ مستولٍ على أمر يوسف؛ يَسُوسُه، ويُدَبِّره، ويَحُوطه. والهاء في قوله: ﴿على أمره﴾ عائدة على يوسف». ثم ذكر قول سعيد، ولم يُعَلِّق عليه. وذكر ابنُ عطية (٥/٦٢) في عود الضمير من قوله: ﴿أمره﴾ احتمالين: الأول: أن يعود على يوسف. كما ذهب إليه الطبري. الثاني: أن يعود على الله تعالى. حكاه عن ابن جبير. وعلّق عليه قائلًا: ""فيكون إخبارًا مُنَبِّهًا على قدرة الله عز وجل، ليس في شأن يوسف خاصة، بل عامًّا في كل أمر. وكذلك الاحتمال في قول الشاعر:رأيت أبا بكر وربك غالب... على أمره يبغي الخلافة بالتمر""
لم يذكر ابنُ جرير (١٧/٣٤٤) في معنى: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ سوى قول مجاهد. وذكر ابنُ عطية (٦/٤٠٣-٤٠٤) في معنى الآية عدة احتمالات: «أحدها: النهي عن القسم الكاذب، إذ عرف أنّ طاعتهم دَغْلَةٌ رديَّة». ووجَّهه بقوله: «فكأنّه يقول: لا تُغالِطوا؛ فقد عُرِف ما أنتم عليه». «والثاني: أن يكون المعنى: لا تتكلفوا القسم، طاعة عرف متوسطة على قدر الاستطاعة أمْثل وأَجْدى عليكم». ووجَّهه بقوله: «وفي هذا الوجْه إبقاءٌ عليهم». «والثالث: أن يكون المعنى: لا تقنعوا بالقسم، طاعة تُعْرَف منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم». «والرابع: أن يكون المعنى: لا تقنعوا لأنفسكم بإرضائنا بالقسم، طاعة الله معروفة، وشرعه وجهاد عدُوِّه مهيع لائح»
بيَّن ابنُ عطية (٧/١١٩) أن اتصال هذه الآية بالتي قبلها يعطي أن ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ نساؤه، وأنها على قول الجمهور ابتداء مخاطبة لأزواج النبي ﷺ، وذكر أن لفظ «الذكر» هنا يحتمل مقصدين كلاهما موعظة وتعديد نعمة: الأول: أن يريد: ﴿واذكرن﴾ أي: تذكّرْنه واقدرنه قدْره وفكّرْن في أن من هذه حاله ينبغي أن يحسّن أفعاله. الثاني: أن يريد: ﴿واذْكُرْنَ﴾ بمعنى: احفظن واقرأن وأَلزِمْنه الألسنة، فكأنه يقول: واحفظن أوامر الله ونواهيه، وذلك هو الذي يتلى في بيوتكن من آيات الله، وذلك مؤديكن إلى الاستقامة. وبيَّن أن الحكمة: هي سنة الله على لسان نبيه ﷺ دون أن تكون في قرآن متلوٍّ. ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن تكون وصفًا للآيات»
ذكر ابنُ عطية (٧/٤١١) هذا الأثر، ثم علّق عليه قائلًا: «فرسول الله ﷺ تمثّل بالآية، وقد كانت نزلت. وقوله في الحديث: «تصديقًا له». أي: في أنه لم يقل إلا ما رأى في كتب اليهود، ولكن النبي ﷺ أنكر المعنى؛ لأن التجسيم فيه ظاهر، واليهود معروفون باعتقاده، ولا يحسنون حمله على تأويله من أن الأصبع عبارة عن القدرة، أو من أنها أصبع خلق يخلق لذلك، ويعضّدها تنكير الأصبع». وما قاله ابن عطيه باطل، والحق إثبات صفه الأصابع لله تعالى على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم. ينظر: الشريعة ٣/١١٤٧-١١٧٧، والإبانة ٣/٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٥١-٤٨٠