عن مُجَمّع بن جارية الأنصاري، قال: شهدنا الحُدَيبية، فلمّا انصرفنا عنها حتى بلغنا كُراع الغميم إذا الناس يُوجِفُون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أُوحي إلى رسول الله ﷺ. فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله ﷺ عند راحلته على كُراع الغميم، فاجتمع الناس عليه، فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. فقال رجل: أي رسول الله، وفتح هو؟ قال: «إي، والذي نفس محمد بيده، إنّه لَفتح». فقُسِمت خَيْبَر على أهل الحُدَيبية، لم يدخل معهم فيها أحد، إلا مَن شهد الحُدَيبية، فقَسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، منهم ثلثمائة فارس، فأَعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا

سورة الفتح — الآية ٤

عن ابن لهيعة، عن غير واحد، أنّ رسول الله ﷺ قال يومًا: «قد أُنزِلَتْ آيةٌ عظيمةٌ». فقالوا: وكيف، يا رسول الله؟ فقال: «ما كنت بدعًا من الرسل، وما كنت أدري ما يُفعل بي ولا بكم». فبكَوا، وقالوا: لا تدري؟ فقال: «لا، واللهِ». فأنزل الله: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ حتى بلغ: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قالوا: قد بيّن الله لك، يا رسول الله، فكيف بنا؟ فبكَوا بكاءً شديدًا، فقال: إنّ لكم ربًّا رحيمًا. فأتمّها الله رحمة منه: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٤-٥]، فكبرّوا الله وحمدوه

سورة الحجرات — الآية ١٠

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكر لنا: أنّ هذه الآية ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ نَزَلتْ في رجلين من الأنصار كانت بينهما مُدارأة في حقٍّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخُذنّ عُنوة لكثرة عشيرته، وأنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبي الله ﷺ، فأَبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضًا بالأيدي والنّعال، ولم يكن قتال بالسيوف، فأمر الله أن تُقاتَل حتى تفيء إلى كتاب الله، وإلى حُكم نبيّه ﷺ، وليست كما تأوّلها أهل الشبهات، وأهل البدع، وأهل الفِرى على الله وعلى كتابه: أنّه المؤمن يحل لك قتْله، فواللهِ، لقد عظّم اللهُ حُرمة المؤمن حتى نهاك أن تظنّ بأخيك إلا خيرًا، فقال: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾

سورة الممتحنة — الآية ٨

عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا * إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ إلى قوله: ﴿وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا﴾ [النساء: ٨٩ - ٩١]، وقال في الممتحنة: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾، وقال فيها: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم﴾ إلى: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين، فقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ [التوبة: ١ - ٢]

سورة المنافقون — الآية ٥

عن سعيد بن جُبَير: أنّ النبيَّ ﷺ كان إذا نزل منزلًا في السّفر لم يرتحل منه حتى يُصلّي فيه، فلمّا كان غزوة تبوك نَزل منزلًا، فقال عبد الله بن أُبيّ: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. فبَلغ ذلك رسول الله ﷺ، فارتحل ولم يُصلِّ، فذَكروا ذلك له، فذَكر قصة ابن أُبيّ، ونَزل القرآن، قال: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. وجاء عبد الله بن أُبيّ إلى النبيِّ ﷺ، فجَعل يَعتَذر ويَحلِف ما قال، ورسول الله ﷺ يقول له: «تُبْ». فجعل يَلوي رأسه؛ فأنزل الله: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ الآية

سورة الطلاق — الآية ٢

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، قال: يُطلِّق للسُنَّة، ويُراجع للسُنَّة. زعم أنّ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: الأَشْجعيّ، كان له ابن، وأنّ المشركين أسَرُوه، فكان فيهم، فكان أبوه يأتي النبي ﷺ، فيشكو إليه مكان ابنه، وحالتَه التي هو بها، وحاجتَه، فكان رسول الله ﷺ يأمره بالصبر، ويقول له: «إنّ الله سيجعل لك مخرجًا». فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا أنِ انفَلتَ ابنه من أيدي العدوّ، فمرّ بغنمٍ مِن أغنام العدوِّ، فاستاقها، فجاء بها إلى أبيه، وجاء معه بغِنًى قد أصابه من الغنم، فنَزلت هذه الآية: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا*ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾

سورة المعارج — الآية ٤

عن عكرمة، قال: سأل رجلٌ ابنَ عباس: ما هؤلاء الآيات: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾، و﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]؟ قال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة، وخلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، كل يوم ألف سنة، و﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥]، قال: ذلك مقدار المسير

عن أُبيّ بن كعب، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إنّ الله أمرني أنْ أقرأ عليك». فقرأ عليّ: «﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، إن الدّين عِند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليَهُودِيَّة ولا النَّصْرانِيَّة، ومن يفعل خيرًا فَلَنْ يُكفره». قال شعبة: ثم قرأ آيات بعدها، ثم قرأ: (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن مّالٍ لَّسَأَلَ وادِيًا ثانِيًا ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ). قال: ثم ختم بما بقي من السورة

سورة الزلزلة — الآية ٧

عن سعيد بن جُبَير -من طريق عطاء- في قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآية، قال: لما نزلت: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٨] كان المسلمون يرون أنهم لا يُؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم، فيستقلُّون أن يُعطوه التمرة والكسرة، فيردُّونه، ويقولون: ما هذا بشيء، إنما نُؤجر على ما نُعطي ونحن نُحبّه. وكان آخرون يرون أنهم لا يُلامون على الذَّنب اليسير؛ الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباه ذلك، ويقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر. فرغّبهم في القليل مِن الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذَّرهم اليسير من الشرّ، فإنه يوشك أن يَكثر، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: وزن أصغر النمل، ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يعني: في كتابه، ويسُرُّه ذلك

رجَّحَ ابن جرير (٢‏/‏٤٨٦-٤٨٧) أنّ المراد من التلاوة في هذه الآية الاتِّباع؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، فقال: «والصواب من القول في تأويل ذلك أنّه بمعنى: يتبعونه حق اتباعه؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله، وإذ كان ذلك تأويله فمعنى الكلام: الذين آتيناهم الكتاب -يا محمد- من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي؛ يَتَّبِعُون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى، فيؤمنون به، ويُقِرُّون بما فيه من نعتك وصفتك، وأنّك رسولي، فرضٌ عليهم طاعتي في الإيمان بك والتصديق بما جئتهم به من عندي، ويعملون بما أحللت لهم، ويجتنبون ما حرمت عليهم فيه، ولا يحرفونه عن مواضعه، ولا يبدلونه، ولا يغيرونه -كما أنزلته عليهم- بتأويل ولا غيره». وبنحوه قال ابن تيمية (١‏/‏٣٣٩)