كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ؛ أي ولا تكونُوا كاليهودِ والنصارى الذين اختلفُوا فيما بينَهم وصارُوا فِرَقاً وشِيَعاً، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الكتابُ في أمرِ مُحمَّدٍ ﷺ ؛ ﴿وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ على تفرِيقِهم واختلافِهم. قالَ بعضُهم : لاَ تَكُونُوا كالَّذِيْنَ تفرَّقوا واختلفُوا، قال : وهُمُ الْمُبْتَدِعَةُ من هذه الأُمَّة.
ثم بَيَّنَ اللهُ تعالى وقتَ العذاب العظيم الذي يصيبُهم ؛ فقالَ تعالى :﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ؛ معناهُ :(وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) وهو يومُ القيامةِ، وانتصبَ على الظَّرف أي فِي يومِ. قرأ يحيى بن وثَّاب :(تِبْيَضُّ) (وَتِسْوَدُّ) بكسرِ التَّاء على لُغة تَميم. وقرأ الزهريُّ (تَبْيَاضُّ) و (تَسْوَادُّ).
ومعنى الآيةِ : تَبْيَضُّ وجوهُ المخلصينَ للهِ بالتوحيدِ ؛ أي تُشْرِقُ فتصيرُ كالثَّلج بَيَاضاً والشَّمس ضياءً، وَتَسْوَدُّ وجوهُ الكفَّار والمنافقين من الْحُزْنِ حين يُدْعَوْنَ إلى السُّجودِ فلا يستطيعونَ. وعن ابنِ عبَّاس قال :(مَعْنَاهُ : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ أهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أهْلِ الْبدْعَةِ). وقال بعضُهم : البياضُ مِنَ الوجوهِ إشْرَاقُهَا وَاسْتِبْشَارُهَا وسُرُورُهَا بعمَلِها وبثواب الله، وَاسْوِدَادُهَا لِحُزْنِهَا وَكَآبَتِهَا وكُسُوفِهَا بعمَلِهَا وبعقاب ربها.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ؛ جوابهُ محذوفٌ ؛ أي يقالُ لَهُم :﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيْمَانِكُمْ﴾ قيلَ : هم قومٌ من أهلِ الكتاب كانوا مصدِّقين بأنبيائِهم مصدِّقينَ بمُحَمَّدٍ ﷺ قبلَ أن يُبعث، فلما بُعِثَ كَفَرُوا به، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وقيلَ : هم مَن كفرَ باللهِ يومَ الميثاقِ حين أْخُرِجُواْ من صُلْب آدَمَ عليه السلام. وقيل : هُمُ الخوارجُ وأهلُ البدَعِ كلِّها، وقيل : هم أهْلُ الرَّدَّةِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى