الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ : في هذه الكافِ وجهان، أحدُهما : أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ مضمرٍ تقديرُه : دَأْبُهم في ذلك كدأبِ آلِ فرعون، وبه بدأ الزمخشري وابن عطية.
والثاني : أنها في محلِّ نصبٍ وفي الناصب لها تسعةُ أقوال : أحدها : أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والعاملُ فيه " كفروا " تقديره :" إنَّ الذين كفروا كفراً كدأبِ آل فرعون "، أي : كعادَتِهم في الكفر، وهو رأيُ الفراء. وهذا القولُ مردودٌ بأنه قد أَخْبَرَ عن الموصول قبل تمام صلتِه، فَلَزِمَ الفصلَ بين أبعاضِ الصلةِ بالأجنبي، وهو لا يجوزُ. والثاني : أنه منصوبٌ بكفروا، لكنْ مقدَّراً لدلالةِ هذا الملفوظِ به عليه. الثالث : أن الناصبَ مقدرٌ مدلولٌ عليه بقوله :" لَنْ تُغني " أي بَطَلَ انتفاعُهم بالأموال والأولادِ كعادةِ آل فرعون، في ذلك. الرابع : أنه منصوبٌ بلفظ " وقود " أي : تُوقد النارُ بهم كما توقد بآل فرعون، كما تقول :" إنك لتظلم الناس كدأبِ أبيك " تريد : كظلمِ أبيك، قاله الزمخشري. وفيه نظرٌ لأن الوَقودَ على القراءةِ المشهورةِ الأظهرُ فيه أنه اسمٌ لما يُوْقَدُ به، وإذا كان اسماً فلا عملَ له. فإنْ قيل : إنه مصدرٌ أو على قراءةِ الحسن صَحَّ. الخامس : أنه منصوبٌ بنفس " لن تُغْني " أي : لن تُغْنِي عنهم مثلَ ما لم تَغْنِ عن أولئك، ذَكَره الزمخشري، وضَعَّفه الشيخ بلزوم الفصلِ بين العامل ومعمولِه بالجملةِ التي هي قوله :﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، قال :" على أيّ التقديرين اللذين قَدَّرْناهما فيها من أن تكونَ معطوفةً على خبر " إنَّ " أو على الجملةِ المؤكَّدةِ بإنَّ. قال :" فإنْ جَعَلْتهَا اعتراضيةً وهو بعيدٌ جاز ما قاله الزمخشري، السادس : أن يكونَ العاملُ فيها فعلاً مقدراً مدلولاً عليه بلفظِ الوقودِ تقديرُه : يُوقد بهم كعادةِ آل فِرعون، ويكون التشبيهُ في نفسِ الاحتراق، قاله ابن عطية. السابع : أَنَّ العاملَ " يُعَذَّبون " كعادة آل فرعون، يَدُلُّ عليه سياقُ اكلام. الثامن : أنه منصوبٌ ب :" كَذَّبوا بآياتنا "، والضميرُ في " كَذَّبوا " على هذا لكفار مكة وغيرِهم من معاصري رسول الله ﷺ أي : كَذَّبوا تكذيباً كعادةِ آل فِرعون في ذلك التكذيبِ. التاسع : أنَّ العاملَ فيه قوله ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي : فأخذهم الله أَخْذاً كأخذِه آلَ فرعون، وهذا مردودٌ، فإنَّ ما بعد الفاءِ العاطفةِ لا يَعْمل فيها قبلها، لا يجوزُ :" قُمْتُ زيداً فضربْتُ " وأما " زيداً فاضربْ " فقد تقدَّم الكلامُ عليه في البقرة. وقد حكى بعض النحويين عن الكوفيين أنهم يُجيزون تقديمَ المعمولِ على حرف العطف فعلى هذا يجوز هذا القول.
وفي كلام الزمخشري سهوٌ فإنه قال :" ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ مَحَلُّ الكاف ب " لن تُغْني " أو " بخالدون " أي : لن تُغْنيَ عنهم مثلَ ما لم تُغْنِ عن أولئك، أو هم فيها خالدون كما يَخْلُدون "، وليس في لفظ الآية الكريمة " خالدون " إنما نظْمُ القرآن :﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ ويَبْعُدُ أَنْ يُقال أراد " خالدون " مقدَّراً يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام.
قوله :﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يجوزُ أن يكونَ مجروراً نَسَقَاً على آل فرعون وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء، والخبرُ قولُه بعدَ ذلك :﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً. وخَصَّ أبو البقاء جوازَ الرفعِ بكونِ الكافِ في محلِّ الرفعِ فقال :" فعلى هذا أي على كونِها مرفوعةَ المحلِّ خبراً لمبتدأٍ مضمرٍ يجوزُ في ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وجهان أحدُهما : هو جرُّ بالعطفِ/ أيضاً، و " كَذَّبوا " في موضعِ الحالِ، و " قد " معه مضمرةٌ، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً لا موضعَ له، ذُكِر لشَرْحِ حالِهم، والوجهُ الآخرُ أن يكونَ الكلامُ تَمَّ على فرعون و " الذين مِنْ قبلِهم مبتدأُ، وكَذَبوا خبرُه ".
والدَّأْبُ : العادَةُ، يقال : دَأَبَ يَدْأَبُ أي : واظبَ ولازَم، ومنه :" دَأَبا " أي : مداومةً. وقال امرؤ القيس :
ويقال : دَأَبَ يدأَبُ دؤُوبا، قال زهير :
وقال الواحدي : الدأَبُ : الإِجهاد والتعبُ، يقال : سار فلان يومه كلَّه يدأَبُ فيه فهو دائِبٌ، أي : أُجْهِدَ في سيره، هذا أصلُه في اللغة، ثم يصير الدأبُ عبارةً عن الحالِ والشأن والعادةِ، لاشتمالِ العمل والجُهْدِ على هذا كله، ولذا قال الزمخشري قال :" [ الدأب ] : مصدرُ دَأَب في العملِ إذا كَدَحَ فيه، فَوُضِعَ مََوْضِعَ ما عليه الإِنسان من شأنِه وحاله " ويقال : دَأْب ودَأَب، بسكون الهمزة وفتحها، وهما لغتان في المصدر كالضَّأْن والضَّأَن، والمَعْز والمَعَز. وقرأ حفص " سَبْعَ سنينَ دَأَبا "، بالفتح، قال الفراء :" والعربُ تُثَقِّل ما كان ثانيه من حروفِ الحلق كالنَّعْل والنَّعَل والنَّهْر والنهَر والشَّأْم والشَّأَم " وأنشد :
قوله :﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ قد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ خبراً عن " الذين " إنْ قيل : إنه مبتدأٌ، وإنْ لم يكن مبتدأ فقد تقدَّم أيضاً أنه يكون بياناً للدأب وتفسيراً له كأنه قيل : ما فَعَلوا وما فُعِل بهم ؟ فقيل : كَذَّبوا بآياتنا، فهو جوابُ سؤالٍ مقدر، وأن يكونَ حالاً. وفي قوله " بآياتنا " التفاتٌ ؛ لأنَّ قبله " من الله " وهو اسمٌ ظاهر. والباءُ في " بذنوبهم " يجوز أن تكونَ للسببيةِ أي : أَخَذَهم بسبب ما اجترموا، وأن تكونَ للحال أي : أخذهم ملتبسين بالذنوبِ غيرَ تائبين منها.
[ والذَّنْبُ في الأصل : التِلْوُ والتابعُ، وسُمِّيَتِ الجريمة ذنباً ] لأنها يتلو أي يتبع عقابُها فاعلَها ؛ والذَّنُوب : الدَّلْو لأنها تتلو الحبلَ في الجَذْب، وأصلُ ذلك من ذَنَبِ الحيوان لأنه يَذْنُبُه أي يَتْلو يقال : ذَنَبه يَذْنُبُه ذَنْباً أي : تَبِعه.
قوله :﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ كقوله :﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] أي : شديدٌ عقابهُ، وقد تقدَّم تحقيقه. وقد اشتملت هذه الآيات من أولِ السورةِ إلى ههنا أنواعاً من علمِ المعاني والبيان والبديع لا تَخْفى على متأمِّلها.
والثاني : أنها في محلِّ نصبٍ وفي الناصب لها تسعةُ أقوال : أحدها : أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والعاملُ فيه " كفروا " تقديره :" إنَّ الذين كفروا كفراً كدأبِ آل فرعون "، أي : كعادَتِهم في الكفر، وهو رأيُ الفراء. وهذا القولُ مردودٌ بأنه قد أَخْبَرَ عن الموصول قبل تمام صلتِه، فَلَزِمَ الفصلَ بين أبعاضِ الصلةِ بالأجنبي، وهو لا يجوزُ. والثاني : أنه منصوبٌ بكفروا، لكنْ مقدَّراً لدلالةِ هذا الملفوظِ به عليه. الثالث : أن الناصبَ مقدرٌ مدلولٌ عليه بقوله :" لَنْ تُغني " أي بَطَلَ انتفاعُهم بالأموال والأولادِ كعادةِ آل فرعون، في ذلك. الرابع : أنه منصوبٌ بلفظ " وقود " أي : تُوقد النارُ بهم كما توقد بآل فرعون، كما تقول :" إنك لتظلم الناس كدأبِ أبيك " تريد : كظلمِ أبيك، قاله الزمخشري. وفيه نظرٌ لأن الوَقودَ على القراءةِ المشهورةِ الأظهرُ فيه أنه اسمٌ لما يُوْقَدُ به، وإذا كان اسماً فلا عملَ له. فإنْ قيل : إنه مصدرٌ أو على قراءةِ الحسن صَحَّ. الخامس : أنه منصوبٌ بنفس " لن تُغْني " أي : لن تُغْنِي عنهم مثلَ ما لم تَغْنِ عن أولئك، ذَكَره الزمخشري، وضَعَّفه الشيخ بلزوم الفصلِ بين العامل ومعمولِه بالجملةِ التي هي قوله :﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، قال :" على أيّ التقديرين اللذين قَدَّرْناهما فيها من أن تكونَ معطوفةً على خبر " إنَّ " أو على الجملةِ المؤكَّدةِ بإنَّ. قال :" فإنْ جَعَلْتهَا اعتراضيةً وهو بعيدٌ جاز ما قاله الزمخشري، السادس : أن يكونَ العاملُ فيها فعلاً مقدراً مدلولاً عليه بلفظِ الوقودِ تقديرُه : يُوقد بهم كعادةِ آل فِرعون، ويكون التشبيهُ في نفسِ الاحتراق، قاله ابن عطية. السابع : أَنَّ العاملَ " يُعَذَّبون " كعادة آل فرعون، يَدُلُّ عليه سياقُ اكلام. الثامن : أنه منصوبٌ ب :" كَذَّبوا بآياتنا "، والضميرُ في " كَذَّبوا " على هذا لكفار مكة وغيرِهم من معاصري رسول الله ﷺ أي : كَذَّبوا تكذيباً كعادةِ آل فِرعون في ذلك التكذيبِ. التاسع : أنَّ العاملَ فيه قوله ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي : فأخذهم الله أَخْذاً كأخذِه آلَ فرعون، وهذا مردودٌ، فإنَّ ما بعد الفاءِ العاطفةِ لا يَعْمل فيها قبلها، لا يجوزُ :" قُمْتُ زيداً فضربْتُ " وأما " زيداً فاضربْ " فقد تقدَّم الكلامُ عليه في البقرة. وقد حكى بعض النحويين عن الكوفيين أنهم يُجيزون تقديمَ المعمولِ على حرف العطف فعلى هذا يجوز هذا القول.
وفي كلام الزمخشري سهوٌ فإنه قال :" ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ مَحَلُّ الكاف ب " لن تُغْني " أو " بخالدون " أي : لن تُغْنيَ عنهم مثلَ ما لم تُغْنِ عن أولئك، أو هم فيها خالدون كما يَخْلُدون "، وليس في لفظ الآية الكريمة " خالدون " إنما نظْمُ القرآن :﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ ويَبْعُدُ أَنْ يُقال أراد " خالدون " مقدَّراً يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام.
قوله :﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يجوزُ أن يكونَ مجروراً نَسَقَاً على آل فرعون وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء، والخبرُ قولُه بعدَ ذلك :﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً. وخَصَّ أبو البقاء جوازَ الرفعِ بكونِ الكافِ في محلِّ الرفعِ فقال :" فعلى هذا أي على كونِها مرفوعةَ المحلِّ خبراً لمبتدأٍ مضمرٍ يجوزُ في ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وجهان أحدُهما : هو جرُّ بالعطفِ/ أيضاً، و " كَذَّبوا " في موضعِ الحالِ، و " قد " معه مضمرةٌ، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً لا موضعَ له، ذُكِر لشَرْحِ حالِهم، والوجهُ الآخرُ أن يكونَ الكلامُ تَمَّ على فرعون و " الذين مِنْ قبلِهم مبتدأُ، وكَذَبوا خبرُه ".
والدَّأْبُ : العادَةُ، يقال : دَأَبَ يَدْأَبُ أي : واظبَ ولازَم، ومنه :" دَأَبا " أي : مداومةً. وقال امرؤ القيس :
| كدَأْبِك من أمِّ الحُوَيْرث قبلها | وجارتِها أمِّ الرَّبابِ بمَأْسَلِ |
| لأرتَحِلَنْ بالفجر ثم لأدْأَبَنْ | إلى الليلِ إلاَّ أن يُعَرِّجَني طِفْلُ |
| قد سار شرقيُّهم حتى أَتوا سَبَأً | وانساح غربيُّهم حتى هوى الشَّأَما |
[ والذَّنْبُ في الأصل : التِلْوُ والتابعُ، وسُمِّيَتِ الجريمة ذنباً ] لأنها يتلو أي يتبع عقابُها فاعلَها ؛ والذَّنُوب : الدَّلْو لأنها تتلو الحبلَ في الجَذْب، وأصلُ ذلك من ذَنَبِ الحيوان لأنه يَذْنُبُه أي يَتْلو يقال : ذَنَبه يَذْنُبُه ذَنْباً أي : تَبِعه.
قوله :﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ كقوله :﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] أي : شديدٌ عقابهُ، وقد تقدَّم تحقيقه. وقد اشتملت هذه الآيات من أولِ السورةِ إلى ههنا أنواعاً من علمِ المعاني والبيان والبديع لا تَخْفى على متأمِّلها.