اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
في كاف " كَدَأب " وجهانِ :
أحدهما : أنها في محل رَفْع ؛ خَبَراً لِمبتدأ مُضْمَر، تقديره : دأبهم - في ذلك " كَدَأبِ آلِ فِرعَوْن " وبه بدأ الزمخشريُّ، وابنُ عطية.
الثاني : أنها في محل نَصْب، وفي الناصب لها تسعةُ أقوالٍ :
أحدها : أنها نَعْتٌ لمصدر محذوف، والعامل فيه " كَفَرُوا "، تقديره : إنَّ الذين كفروا كُفْراً كدأب آل فرعون، أي : كعادتهم في الكفر، وهو رأي الفرَّاءِ (١).
وهذا القول مردود بأنه قد أخبر عن الموصول قبل تمام صلته، فلزم الفصلُ بينَ أبْعَاضِ العلةِ بالأجنبيِّ، وهو لا يجوز.
الثاني : أنه منصوب ب " كَفَرُوا " لكن مقدر ؛ لدلالة هذا الملفوظ به عليه.
الثالث : أن الناصبَ مقدَّر، مدلول عليه بقوله :" لَنْ تُغْنِيَ " أي : بطل انتفاعهم بالأموالِ والأولادِ كعادة آل فرعونَ في ذلك. والمعنى : إنكم قد عرفتم ما حلَّ بآل فرعون ومَنْ قبلَهم من المكذبين بالرسل - من العذاب المعجل الذي عنده - لم ينفعهم مال ولا ولد.
الرابع : أنه منصوب بلفظ " وَقُودُ "، أي : تُوقَد النارُ بهم كما توقد بآل فرعون، كما تقول : إنك لتظلم الناس كدأبِ أبيك، تريد : كظلم أبيك، قاله الزمخشريُّ، وفيه نظر ؛ لأن الوقود - على القراءة المشهورة - الأظهر فيه أنه اسم لِما يوقد به، وإذا كان اسماً فلا عَمَل له، فإن قيل : إنه مصدر على قراءة الحَسن صَحَّ، ويكون معنى الدأب : الدؤوب - وهو اللُّبْثُ والدوام، وطول البقاء في الشيء - وتقدير الآية :" وَأُولَئِكَ هُم وَقُودُ كَدَأْبِ آل فِرْعَونَ(٢) ".
[ أي : دؤوبهم في النار كدأب آل فرعون ].
الخامس : أنه منصوب بنفس " لَنْ تُغْنِي " أي : لن تغني عنهم مثل ما لم تُغنِ عن أولئك، ذكره الزمخشري، وضعَّفه أبو حيَّان(٣) بلزوم الفصل بين العامل ومعموله بالجملة - التي هي قوله :﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ قال :" على أي التقديرين اللَّذَيْنِ قدرناهما فيهما من أن تكون معطوفة على خبر " إنَّ " أو على الجملة المؤكَّدة ب " إنَّ " قال : فإن جعلتها اعتراضيةً - وهو بعيد - جازَ ما قال الزمخشريّ ".
السادس : أن يكون العامل فيها فعلاً مقدَّراً، مدلولاً عليه بلفظ " الوَقُود "، تقديره : توقَد بهم كعادة آل فرعون، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق، قاله ابنُ عطية.
السابع : أن العامل يُعَذَّبُونَ كعادةِ آل فرعونَ، يدل عليه سياق الكلام.
الثامن : أنه منصوب ب﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾، والضمير في " كَذَّبُوا " - على هذا - لكفار مكة وغيرهم من معاصِرِي رسولِ الله ﷺ - أي : كذبوا تكذيباً كعادة آل فرعونَ في ذلك التكذيب.
التاسع : أن العامل فيه قوله :﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾، أي : فأخذهم الله أخْذاً كأخذه آل فرعون، والمصدر تارةً يضاف إلى الفاعل، وتارةً إلى المفعول، والمعنى : كَدَأبِ الله في آل فرعون، ونظيره قوله تعالى :﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أي : كَحُبِّهم لله، وقال [ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ } [الإسراء: ٧٧] والمعنى : سنتي فيمن أرسلنا قبلك، وهذا مردود ؛ فإن ما بعد الفاء العاطفة لا يعمل فيما قبلها، لا يجوز قمت زيداً فضربت وأما زيداً فاضرب، فقد تقدم الكلام عليه في البقرة.
وقد حكى بعضُ النحاةِ - عن الكوفيين - أنهم يجيزون تقديم المعمول على حرف العطف، فعلى هذا يجوز هذا القول، وفي كلام الزمخشريِّ سهو ؛ فإنه قال(٤) : ويجوز أن ينتصب محلُّ الكاف ب " لَنْ تُغْنِيَ " أو ب " خَالِدُونَ "، [ أي : لم تُغنِ عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك، أو هم فيها خالدون كما يُخَلَّدُون ] (٥).
وليس في لفظ الآية الكريمة ﴿خَالِدُونَ﴾، إنما نظم الآية ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، ويبعد أن يقال : أراد " خَالِدُون " مُقَدَّراً، يدل عليه السياق، اللهم إلا إن فسرنا الدأبَ باللُّبْث والدوام وطول البقاء.
وقال القفَّالُ :" يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى، والعادة المضافة إلى الكفار، كأنه قيل : إن عادة هؤلاء الكفار في إيذاء محمد ﷺ كعادة من قبلهم في إيذاء رُسُلِهِم وعادتنا أيضاً في إهلاك الكفارِ، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين، والمقصود - على جميع التقديراتِ - نصر النبي ﷺ على إيذاء الكفار، وبشارته بأن الله سينتقم منهم ".
الدأب : العادة، يقال : دأب، يَدْأبُ، أي : واظب، ولازم، ومنه ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾ [يوسف: ٤٧]، أي : مداومة.
وقال امرؤ القيس :[ الطويل ]
كَدَأبكَ مِنْ أمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَاوَجَارَتِهَا أمِّ الرَّبَابِ بِمَأسَلِ(٦)
وقال زُهير :[ الطويل ]
لأرْتَحِلَنّ بِالْفَجْرِ ثُمَّ لأدْأبَنّْإلَى اللَّيْلِ إلاَّ أنْ يُعَرِّجَنِي طِفْلُ(٧)
وقال الواحديُّ :" الدأب : الاجتهاد والتعب، يقال : صار فلان يومه كله يَدْأب فيه، فهو دائب، أي : اجتهد في سَيْرِه، هذا أصله في اللغة، ثم [ يصير ] (٨) الدأب عبارة عن الحال والشأن والأمر والعادة ؛ لاشتمال العمل والجهد على هذا كله ".
وكذا قال الزمخشريُّ، قال :" مصدر دأب في العمل إذا كَدَح فيه، فوُضِع مَوْضِعَ ما عليه الإنسان من شأنه وحاله ".
ويقال : دأَب، ودأْب - بفتح الهمزة وسكونها - وهما لغتان في المصدر كالضأن والضأَن وكالمَعْز والمَعَز وقرأ حفص(٩) :﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً﴾ بالفتح.
قال الفرَّاء :" والعرب تثقل ما كان ثانيه من حروف الحلق كالنَّعْل والنَّعَل، والنَّهْر والنَّهَر، والشَّأْم والشَّأَم.
وأنشد :[ البسيط ]
قَدْ سَارَ شَرْقِيُّهُمْ حَتَّى أتَوْا سَبَأوَانْسَاحَ غَرْبِيُّهُمْ حَتَّى هَوى الشَّأَمَا(١٠)
﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يجوز أن يَكُونَ مجروراً نسقاً على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء، والخبر قوله - بعد ذلك - ﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً، وخص أبو البقاء جواز الرفع بكون الكافِ في محل رفع، فقال :" فعلى هذا - أي : على كونها مرفوعة المحل ؛ خبراً لمبتدأ مضمر - يجوز في ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾
وجهان :
أحدهما : الجر، بالعطف أيضا، و " كذبوا " في موضع الحال، و " قد " معه مضمرة، ويجوز أن يكون مستأنفا لا موضع له، ذكر لشرح حالهم.
الوجه الآخر : أن يكون الكلام تمّ على ﴿آل فرعون﴾ و﴿الذين من قبلهم﴾ مبتدأ، و " كذبوا " خبره.
قوله :﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ قد تقدم أنه يجوز أن يكون خَبراً عن " الَّذِينَ " إن قيل : إنه مبتدأ، فإن لم يكن مبتدأ فقد تقدم أيضاً أنه يكون تفسيراً للدأب، كأنه قيل : ما فعلوا، وما فعل بهم ؟ فقيل : كذبوا بآياتِنا، فهو جوابُ سؤال مقدر، وأن يكون حالاً، وفي قوله :﴿بِآيَاتِنَا﴾ التفات ؛ لأن قبله ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ وهو اسم ظاهر.
والمراد بالآيات : المعجزات، والباء في " بِذُنُوبِهِمْ " يَجوز أن تكون سببيةً، أي : أخذهم بسبب ما اجترحوا، وأن تكون للحالِ، أي أخذهم متلبسين بالذنوب، غير تائبين منها والذنب في الأصل - التِّلْو والتابع، وسُمِّيَت الجريمةُ ذَنْباً ؛ لأنها يتلو، أي : يتبع عقابُها فاعلمه والذَّنُوب : الدَّلْو ؛ لأنها تتلو الحبلَ في الجذبِ، وأصل ذلك من ذَنَب الحيوان ؛ لأن يذنبه أي : يتلوه، يقال : ذنبه يذنبه ذنباً، أي : تبعه، واستعمل في الأخذ ؛ لأن مَنْ بينَ يده العقاب كالمأخوذ المأسور الذي لا يَقْدر على التخلُّص. قوله ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ كقوله :﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، أي : شديدٌ عِقَابه وقد تقدم تحقيقه.
١ ينظر معاني القرآن ١/١٩١..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: البحر المحيط ٢/٤٠٦..
٤ وعبارة الزمخشري: ويجوز أن ينتصب محل الكاف بـ "لن تغني"، أو بـ "الوقود"؛ لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك، أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد: كظلم أبيك. ينظر الكشاف ١/٣٤٠..
٥ سقط في أ..
٦ تقدم برقم ٥٩..
٧ ينظر ديوانه ٨٤، واللسان (طفل)، وأساس البلاغة ص ٣٩٢، والتاج ٧/٤١٧، والدر المصون ٢/٢٢..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر السبعة ٣٤٩، وستأتي في يوسف آية ٤٧..
١٠ ينظر الدر المصون ٢/٢٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى