فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ﴾ الدأب : الاجتهاد، يقال دأب الرجل في عمله يدأب دأباً ودءوباً : إذا جدّ، واجتهد، والدائبان الليل، والنهار، والدأب : العادة، والشأن، ومنه قول امرئ القيس :
كدأبك من أمِّ الحُوَيِرِثِ قَبْلَهاوَجَارَتها أمِّ الرَّبابِ بِمَأسَلِ
والمراد هنا : كعادة آل فرعون، وشأنهم، وحالهم، واختلفوا في الكاف، فقيل : هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون مع موسى. وقال الفراء : إن المعنى : كفرت العرب، ككفر آل فرعون. قال النحاس : لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصلة، وقيل : هي متعلقة بأخذهم الله، أي : أخذهم أخذه، كما أخذ آل فرعون، وقيل : هي متعلقة ب ﴿لن تغني﴾، أي : لم تغن عنهم غناء، كما لم تغن عن آل فرعون، وقيل : إن العامل فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الإحراق. قالوا : ويؤيده قوله تعالى :﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، والقول الأوّل هو الذي قاله جمهور المحققين، ومنهم الأزهري. قوله :﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي : من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة، أي : وكدأب الذين من قبلهم. قوله :﴿كَذَّبُوا بآياتنا فَأَخَذَهُمُ الله﴾ يحتمل أن يريد الآيات المتلوّة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية، ويصح إرادة الجميع. والجملة بيان، وتفسير لدأبهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من آل فرعون والذين من قبلهم على إضمار قد : أي دأب هؤلاء كدأب أولئك قد كذبوا الخ. وقوله ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي بسائر ذنوبهم التي من جملتها تكذيبهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال : كصنيع آل فرعون. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه قال : كفعل. وأخرج مثله أبو الشيخ، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال : كسنتهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس :«أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع قال :" يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً، " قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً كانوا غماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله :﴿قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله :﴿أُوْلِى الأبصار﴾». وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عاصم بن عمر بن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال : قال فنحاص اليهودي، وذكر نحوه.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ﴾ عبرة، وتفكر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله﴾ أصحاب رسول الله ﷺ ببدر ﴿وأخرى كَافِرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار. وأخرج عبد الرزاق أن هذه الآية نزلت في أهل بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ يقول : قد كان لكم في هؤلاء عبرة، ومتفكر أيدهم الله، ونصرهم على عدوهم يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان أصحاب محمد ﷺ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود في الآية قال : هذا يوم بدر نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال : أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم ستمائة وستة وعشرين، فأيد الله المؤمنين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى