اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
يجوز أن يكون ''والذين'' معطوفاً على الموصول قبله، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة، وتكون الجملةُ من قوله :﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] جملة اعتراض بين المتعاطفين.
ويجوز أن يكون " والذين " مرفوعاً بالابتداء، و " أولَئِكَ " مبتدأ ثانٍ، و " جَزَاؤهُمْ " مبتدأ ثالث، و " مَغْفِرَةٌ " خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول.
وقوله :﴿إِذَا فَعَلُواْ﴾ شرط، وجوابه :﴿ذَكَرُواْ﴾.
قوله :﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾ عطف على الجواب، والجملة الشرطية وجوابها صلة الموصول، والمفعول الأول ل " اسْتَغْفَرُوا " محذوف، أي : استغفروا الله لذنوبهم، وقد تقدم الكلام على " استغفر "، وأنه تعدى لاثنين، ثانيهما بحرف الجر، وليس هو هذه اللام، بل " من " وقد يُحْذَف.
قال ابن مسعود : قال المؤمنون : يا رسولَ الله، كانت بو إسرائيل أكرمَ على الله مِنَّا ؛ كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارةُ ذَنْبِه مكتوبةً على عتبة بابه، اجدع أنفك، افعل كذا، فأنزل الله هذه الآية (١).
قال عطاء : نزلت في نبهان التمار - وكُنيته أبو مقبل - أتته امرأة حسناء، تبتاعُ منه تَمْراً، فقال لها : إن هذا التمر ليس بجيِّد، وإن في البيت أجودَ منه، فذهب بها إلى بيته، فضمها إلى نفسه، وقَبَّلها، فقالت له : أتَّقِ الله، فتركها، وندم على ذلك، وأتى النبي ﷺ وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية (٢).
وقال مُقَاتِلٌ والكَلْبِيُّ : آخى رسولُ الله بين رجلين، أحدهما من الأنصار، والآخر من ثقيفٍ، فخرج الثقفيُّ في غزاةٍ مع رسول الله ﷺ بالقُرْعة في السفر، وخلف الأنصاريّ على أهله، يَتَعَاهَدُهُم، واشترى لهم اللحمَ ذات يوم، فلما أرادت المرأةُ أن تأخذ منه، دخل على أثرها، وقَبَّل يَدَهَا، فوضعت كَفَّهَا على وَجْهها، ثم ندم الرجل وانصرف، ووضع الترابَ على رأسه، وهام على وجهه، ولما رجع الثقفيُّ لم يستقبله الأنصاريُّ، فسأل امرأته عن حاله، فقالت : لا أكثر اللهُ في الإخوان مثله، ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، فطلب الأنصاريَّ الثقفيُّ حتى وجده، فأتى به أبا بكر ؛ رجاء أن يجدَ عنده راحةً وفرجاً، وقال الأنصاريُّ : هلكت، وذكر القصة، فقال أبو بكر : ويحك ! أما علمت أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ؟ ثم لقيا عُمَرَ، فقال له مثل ذلك، فأتيا النبي ﷺ، فقال لهما مثل مقالتهما، فأنزل الله هذه الآية(٣).
الفاحشة - هنا - نعت محذوف، تقديره : فعلوا فِعْلَةً فاحشةً.
وأصل الفُحْش : القُبْح الخارج عن الحد، فقوله :﴿فَاحِشَةً﴾ يعني : قبيحة، خارجة عما أذن الله فيه.
قال جَابِر : الفاحشة : الزنا(٤) ؛ لقوله تعالى :﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقوله :﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢].
قوله :﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال الزمخشري :" الفاحشة : ما كان فعله كاملاً في القُبْح، وظُلْمُ النفس هو أي ذَنْب كان، مما يؤاخذُ الإنسانُ به } ".
وقيل : الفاحشة : هي الكبيرة، وظلم النفس هو الصغيرة.
وقيل : الفاحشة، هي الزنا، وظلم النفس : هو القُبْلة واللَّمْسَة والنظرة.
وقال مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ : الفاحشة ما دون الزنا من قُبْلَة أو لَمْسَةٍ، أو نظرة، فيما لا يحل(٥).
وقيل : فعلوا فاحشة فِعْلاً، أو ظلموا أنفسهم قولاً.
قوله :﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ أي : ذكروا وعيدَ الله وعقابه، فيكون من باب حذف المضاف.
قال الضحاك : ذكروا العرض الأكبر على الله(٦).
وقال مُقاتِلٌ والوَاقِدِيُّ : تفكروا أن الله سائلهم(٧).
وقيل : المراد بهذا الذكر : ذكر الله بالثناء والتعظيم والإجلال ؛ لأن من أراد أن يسأل الله تعالى مسالةً، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله تعالى، فهاهنا لما كان المراد منه : الاستغفار من الذنوب قدَّموا عليه الثناء، ثم اشتغلوا بالاستغفار، ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي : ندموا على فِعْل ما مضَى مع العزم على تَرْك مثله في المستقبل، وهذا حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان، فلا أثر له في إزالة الذنب، بل يجب إظهار هذا الاستغفار، لإزالة التهمة.
وقوله :﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي : لأجل ذنوبهم.
قوله :﴿وَمَنْ يَغْفِرُ﴾ استفهام بمعنى : النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء.
قوله :﴿إلاَّ اللَّهُ﴾ بدل من الضمير المستكن في " يَغْفِرُ "، والتقدير : لا يغفر أحد الذنوب إلا الله تعالى، والمختار - هنا - الرفع على البدل، لكَوْن الكلام غيرَ إيجاب. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى :﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
وقال أبو البقاء " مَنْ " مبتدأ، " يَغْفِرُ " خبره، و ﴿إلاَّ اللَّهُ﴾ فاعل " يَغْفِرُ "، أو بدل من المضمر فيه، وهو الوجه ؛ لأنك إذا جعلت " اللهُ " فاعلاً، احتجْتَ إلى تقدير ضمير، أي : ومَنْ يغفر الذنوب له غير الله.
قال شهَابُ الدين :" وهذا الذي قاله - أعني : جعله الجلالة فاعلاً - يقرب من الغلط ؛ فإن الاستفهام - هنا - لا يُراد به حقيقته، إنما يرادُ " النفي "، والوجه ما تقدم من كون الجلالة بدلاً من ذلك الضمير المستتر، والعائد على " من " الاستفهامية ".
ومعنى الكلام أن المغفرة لا تُطْلب إلا من الله ؛ لأنه القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة، فكان هو القادر على إزالة العقاب عنه.
قوله :﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾ يجوز أن تكون جملة حالية من فاعل ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾ أي : استغفروا غير مصرين، ويجوز أن تكون هذه الجملة منسوقة على ﴿فاستغفروا﴾ أي : رتب على فعلهم الفاحش ذكر الله تعالى، والاستغفار لذنوبهم، وعدم إصرارهم عليها، وتكون الجملة من قوله :﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ - على هذين الوجهين معترضة بين المتعاطفين على الوجه الثاني، وبين الحال وذي الحال على الوجه الأول.
وأصْل الإصرار : الثبات على الشيء.
قال الحسن : إتيان العبد ذَنْباً عَمْداً إصرار، حتى يتوب(٨).
وقال السُّدِّي : الإصرار : السكوت وتَرْك الاستغفار(٩).
وعن أبي نُصيرة قال : لقيت مولّى لأبي بكر، فقلتُ له : أسَمِعْتَ من أبي بكر شيئاً ؟
قال : نعم، سمعته يقول : قال رسول الله ﷺ :" مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبِعِين مَرَّةً(١٠) ".
وقيل : الإصرار : المداومة على الشيء، وتَرْك الإقلاع عنه، وتأكيد العزم على ألا يتركه، من قولهم : صر الدنانير، إذا ربط عليها، ومنه : صُرَّة الدراهم - لما يربط منها-.
قال الحُطََيْئة : يصف خيلاً :[ الطويل ]
أي : ثبتت، وأقامت، مداومة على ما حملت عليه.
وقال الشاعر :[ البسيط ]
و " ما " في قوله :﴿عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾ يجوز أن تكون اسمية بمعنى : الذي، ويجوز أن تكون مصدرية.
قوله :﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يجوز أن يكون حالاً ثانية من فاعل ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾، وأن يكون حالاً من فاعل ﴿يُصِرُّوا﴾، والتقدير : ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا من الذنوب بحال ما كانوا عالمين بكونها محرمة ؛ لأنه قد يُعْذَر مَنْ لا يعلم حرمة الفعل، أما العالم بالحرمة، فإنه لا يعذر.
ومفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ محذوف للعلم به.
فقيل : تقديره : يعلمون أن الله يتوب على مَنْ تاب، قاله مجاهد(١٣).
وقيل : يعلمون أن تَرْكه أوْلَى(١٤)، قاله ابنُ عباس والحسن.
وقيل : يعلمون المؤاخذة بها، أو عفو الله عنها.
وقال ابْنُ عَبَّاسِ، ومُقَاتِلٍ، والحَسَنُ، والكَلْبِيُّ : وهم يعلمون أنها معصية(١٥).
وقيل : وهم يعلمون أن الإصرارَ ضار(١٦).
وقال الضَّحَّاكُ : وهم يعلمون أن الله يملك مغفرةَ الذنوب، وقال الحسن بن الفضل : وهم يعلمون أن لهم رباً يغفر الذنوب(١٧).
وقيل : وهم يعلمون أن الله تعالى، لا يتعاظمه الْعَفْو عن الذنوب - وإن كثرت-.
وقيل : وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غُفِرَ لهم.
ويجوز أن يكون " والذين " مرفوعاً بالابتداء، و " أولَئِكَ " مبتدأ ثانٍ، و " جَزَاؤهُمْ " مبتدأ ثالث، و " مَغْفِرَةٌ " خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول.
وقوله :﴿إِذَا فَعَلُواْ﴾ شرط، وجوابه :﴿ذَكَرُواْ﴾.
قوله :﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾ عطف على الجواب، والجملة الشرطية وجوابها صلة الموصول، والمفعول الأول ل " اسْتَغْفَرُوا " محذوف، أي : استغفروا الله لذنوبهم، وقد تقدم الكلام على " استغفر "، وأنه تعدى لاثنين، ثانيهما بحرف الجر، وليس هو هذه اللام، بل " من " وقد يُحْذَف.
فصل في سبب النزول.
قال ابن مسعود : قال المؤمنون : يا رسولَ الله، كانت بو إسرائيل أكرمَ على الله مِنَّا ؛ كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارةُ ذَنْبِه مكتوبةً على عتبة بابه، اجدع أنفك، افعل كذا، فأنزل الله هذه الآية (١).
قال عطاء : نزلت في نبهان التمار - وكُنيته أبو مقبل - أتته امرأة حسناء، تبتاعُ منه تَمْراً، فقال لها : إن هذا التمر ليس بجيِّد، وإن في البيت أجودَ منه، فذهب بها إلى بيته، فضمها إلى نفسه، وقَبَّلها، فقالت له : أتَّقِ الله، فتركها، وندم على ذلك، وأتى النبي ﷺ وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية (٢).
وقال مُقَاتِلٌ والكَلْبِيُّ : آخى رسولُ الله بين رجلين، أحدهما من الأنصار، والآخر من ثقيفٍ، فخرج الثقفيُّ في غزاةٍ مع رسول الله ﷺ بالقُرْعة في السفر، وخلف الأنصاريّ على أهله، يَتَعَاهَدُهُم، واشترى لهم اللحمَ ذات يوم، فلما أرادت المرأةُ أن تأخذ منه، دخل على أثرها، وقَبَّل يَدَهَا، فوضعت كَفَّهَا على وَجْهها، ثم ندم الرجل وانصرف، ووضع الترابَ على رأسه، وهام على وجهه، ولما رجع الثقفيُّ لم يستقبله الأنصاريُّ، فسأل امرأته عن حاله، فقالت : لا أكثر اللهُ في الإخوان مثله، ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، فطلب الأنصاريَّ الثقفيُّ حتى وجده، فأتى به أبا بكر ؛ رجاء أن يجدَ عنده راحةً وفرجاً، وقال الأنصاريُّ : هلكت، وذكر القصة، فقال أبو بكر : ويحك ! أما علمت أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ؟ ثم لقيا عُمَرَ، فقال له مثل ذلك، فأتيا النبي ﷺ، فقال لهما مثل مقالتهما، فأنزل الله هذه الآية(٣).
الفاحشة - هنا - نعت محذوف، تقديره : فعلوا فِعْلَةً فاحشةً.
وأصل الفُحْش : القُبْح الخارج عن الحد، فقوله :﴿فَاحِشَةً﴾ يعني : قبيحة، خارجة عما أذن الله فيه.
قال جَابِر : الفاحشة : الزنا(٤) ؛ لقوله تعالى :﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقوله :﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢].
قوله :﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال الزمخشري :" الفاحشة : ما كان فعله كاملاً في القُبْح، وظُلْمُ النفس هو أي ذَنْب كان، مما يؤاخذُ الإنسانُ به } ".
وقيل : الفاحشة : هي الكبيرة، وظلم النفس هو الصغيرة.
وقيل : الفاحشة، هي الزنا، وظلم النفس : هو القُبْلة واللَّمْسَة والنظرة.
وقال مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ : الفاحشة ما دون الزنا من قُبْلَة أو لَمْسَةٍ، أو نظرة، فيما لا يحل(٥).
وقيل : فعلوا فاحشة فِعْلاً، أو ظلموا أنفسهم قولاً.
قوله :﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ أي : ذكروا وعيدَ الله وعقابه، فيكون من باب حذف المضاف.
قال الضحاك : ذكروا العرض الأكبر على الله(٦).
وقال مُقاتِلٌ والوَاقِدِيُّ : تفكروا أن الله سائلهم(٧).
وقيل : المراد بهذا الذكر : ذكر الله بالثناء والتعظيم والإجلال ؛ لأن من أراد أن يسأل الله تعالى مسالةً، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله تعالى، فهاهنا لما كان المراد منه : الاستغفار من الذنوب قدَّموا عليه الثناء، ثم اشتغلوا بالاستغفار، ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي : ندموا على فِعْل ما مضَى مع العزم على تَرْك مثله في المستقبل، وهذا حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان، فلا أثر له في إزالة الذنب، بل يجب إظهار هذا الاستغفار، لإزالة التهمة.
وقوله :﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي : لأجل ذنوبهم.
قوله :﴿وَمَنْ يَغْفِرُ﴾ استفهام بمعنى : النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء.
قوله :﴿إلاَّ اللَّهُ﴾ بدل من الضمير المستكن في " يَغْفِرُ "، والتقدير : لا يغفر أحد الذنوب إلا الله تعالى، والمختار - هنا - الرفع على البدل، لكَوْن الكلام غيرَ إيجاب. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى :﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
وقال أبو البقاء " مَنْ " مبتدأ، " يَغْفِرُ " خبره، و ﴿إلاَّ اللَّهُ﴾ فاعل " يَغْفِرُ "، أو بدل من المضمر فيه، وهو الوجه ؛ لأنك إذا جعلت " اللهُ " فاعلاً، احتجْتَ إلى تقدير ضمير، أي : ومَنْ يغفر الذنوب له غير الله.
قال شهَابُ الدين :" وهذا الذي قاله - أعني : جعله الجلالة فاعلاً - يقرب من الغلط ؛ فإن الاستفهام - هنا - لا يُراد به حقيقته، إنما يرادُ " النفي "، والوجه ما تقدم من كون الجلالة بدلاً من ذلك الضمير المستتر، والعائد على " من " الاستفهامية ".
ومعنى الكلام أن المغفرة لا تُطْلب إلا من الله ؛ لأنه القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة، فكان هو القادر على إزالة العقاب عنه.
قوله :﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾ يجوز أن تكون جملة حالية من فاعل ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾ أي : استغفروا غير مصرين، ويجوز أن تكون هذه الجملة منسوقة على ﴿فاستغفروا﴾ أي : رتب على فعلهم الفاحش ذكر الله تعالى، والاستغفار لذنوبهم، وعدم إصرارهم عليها، وتكون الجملة من قوله :﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ - على هذين الوجهين معترضة بين المتعاطفين على الوجه الثاني، وبين الحال وذي الحال على الوجه الأول.
فصل
وأصْل الإصرار : الثبات على الشيء.
قال الحسن : إتيان العبد ذَنْباً عَمْداً إصرار، حتى يتوب(٨).
وقال السُّدِّي : الإصرار : السكوت وتَرْك الاستغفار(٩).
وعن أبي نُصيرة قال : لقيت مولّى لأبي بكر، فقلتُ له : أسَمِعْتَ من أبي بكر شيئاً ؟
قال : نعم، سمعته يقول : قال رسول الله ﷺ :" مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبِعِين مَرَّةً(١٠) ".
وقيل : الإصرار : المداومة على الشيء، وتَرْك الإقلاع عنه، وتأكيد العزم على ألا يتركه، من قولهم : صر الدنانير، إذا ربط عليها، ومنه : صُرَّة الدراهم - لما يربط منها-.
قال الحُطََيْئة : يصف خيلاً :[ الطويل ]
| عَوَابِسُ بِالشُّعْثِ الْكُمَاةِ إذَا ابْتَغَوْا | عُلاَلَتَها بِالْمُحْصَدَاتِ أصَرَّتِ(١١) |
وقال الشاعر :[ البسيط ]
| يُصِرُّ بِاللَّيْلِ مَا تُخْفِي شَوِاكِلُهُ | يَا وَيْحَ كُلِّ مُصِرِّ القَلْبِ خَتَّارِ(١٢) |
قوله :﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يجوز أن يكون حالاً ثانية من فاعل ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾، وأن يكون حالاً من فاعل ﴿يُصِرُّوا﴾، والتقدير : ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا من الذنوب بحال ما كانوا عالمين بكونها محرمة ؛ لأنه قد يُعْذَر مَنْ لا يعلم حرمة الفعل، أما العالم بالحرمة، فإنه لا يعذر.
ومفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ محذوف للعلم به.
فقيل : تقديره : يعلمون أن الله يتوب على مَنْ تاب، قاله مجاهد(١٣).
وقيل : يعلمون أن تَرْكه أوْلَى(١٤)، قاله ابنُ عباس والحسن.
وقيل : يعلمون المؤاخذة بها، أو عفو الله عنها.
وقال ابْنُ عَبَّاسِ، ومُقَاتِلٍ، والحَسَنُ، والكَلْبِيُّ : وهم يعلمون أنها معصية(١٥).
وقيل : وهم يعلمون أن الإصرارَ ضار(١٦).
وقال الضَّحَّاكُ : وهم يعلمون أن الله يملك مغفرةَ الذنوب، وقال الحسن بن الفضل : وهم يعلمون أن لهم رباً يغفر الذنوب(١٧).
وقيل : وهم يعلمون أن الله تعالى، لا يتعاظمه الْعَفْو عن الذنوب - وإن كثرت-.
وقيل : وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غُفِرَ لهم.
١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٣٧) وعزاه لابن المنذر عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢١٩- ٢٢٠) عن ابن مسعود..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/١٣٥) من رواية عطاء عن ابن عباس..
٣ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٩/٩) عن ابن عباس..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢١٨) عن جابر وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٣٧) وزاد نسبته لابن المنذر.
وأخرجه الطبري أيضا (٧/٢١٨) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٥ ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٤) عن مقاتل والكلبي..
٦ انظر تفسير القرطبي (٤/١٣٥) و"تفسير الرازي" (٩/٩)..
٧ ينظر المصدر السابق..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٢٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٣٩) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن أبي حاتم عن الحسن..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٢٤) وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٢/١٣٩) مع السدي.
وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٥)..
١٠ أخرجه أبو داود كتاب الصلاة باب في الاستغفار رقم (١٥١٤) والترمذي كتاب الدعوات باب ما أصر من استغفر رقم (٣٥٥٤) والطبري في "تفسيره" (٧/٢٢٥) وأبو يعلى (١/١٢٤- ١٢٥) رقم (١٣٧- ١٣٨، ١٣٩) عن أبي بكر الصديق.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي.
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٣٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في "شعب الإيمان"..
١١ ينظر البيت في ديوانه (٣٤١) والبحر المحيط ٣/٦٠. والقرطبي ٤/٢١١ والدر المصون ٢/١٢..
١٢ ينظر البيت في القرطبي ٤/٢١١ والبحر المحيط ٣/٦٠ والدر المصون ٢/٢١٢..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٦٥..
١٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/١٣٦) وأبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٥)..
١٥ انظر المصدر السابق..
١٦ انظر المصدر السابق..
١٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/١٣٦) والزمخشري في "الكشاف" (١/٤١٧) وأبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٥)..
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢١٩- ٢٢٠) عن ابن مسعود..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/١٣٥) من رواية عطاء عن ابن عباس..
٣ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٩/٩) عن ابن عباس..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢١٨) عن جابر وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٣٧) وزاد نسبته لابن المنذر.
وأخرجه الطبري أيضا (٧/٢١٨) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٥ ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٤) عن مقاتل والكلبي..
٦ انظر تفسير القرطبي (٤/١٣٥) و"تفسير الرازي" (٩/٩)..
٧ ينظر المصدر السابق..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٢٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٣٩) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن أبي حاتم عن الحسن..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٢٤) وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٢/١٣٩) مع السدي.
وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٥)..
١٠ أخرجه أبو داود كتاب الصلاة باب في الاستغفار رقم (١٥١٤) والترمذي كتاب الدعوات باب ما أصر من استغفر رقم (٣٥٥٤) والطبري في "تفسيره" (٧/٢٢٥) وأبو يعلى (١/١٢٤- ١٢٥) رقم (١٣٧- ١٣٨، ١٣٩) عن أبي بكر الصديق.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي.
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٣٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في "شعب الإيمان"..
١١ ينظر البيت في ديوانه (٣٤١) والبحر المحيط ٣/٦٠. والقرطبي ٤/٢١١ والدر المصون ٢/١٢..
١٢ ينظر البيت في القرطبي ٤/٢١١ والبحر المحيط ٣/٦٠ والدر المصون ٢/٢١٢..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٦٥..
١٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/١٣٦) وأبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٥)..
١٥ انظر المصدر السابق..
١٦ انظر المصدر السابق..
١٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/١٣٦) والزمخشري في "الكشاف" (١/٤١٧) وأبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٥)..