اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
والعامة على بناء " زُيِّنَ " للمفعول، والفاعل المحذوف هو الله تعالى ؛ لما ركب في طباع البشر من حب هذه الأشياء، وقيل : هو الشيطان، فالأوّل قول أهلِ السنة ؛ قالوا : لو كان المزين هو الشيطان فمن ذا الذي زَيَّن الكفرَ والبدعةَ للشيطان ؟ فإن كان ذلك شيطاناً آخرَ لزم التسلسل، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن في الإنسان كذلك، وإن كان من الله وهو الحق - فليكن في حَقِّ الإنسان أيضاً كذلك، ويؤيده قوله تعالى :
﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص: ٦٣] يعني إن اعتقد أحد أنَّا أغويناهم، فمَن الذي أغوانا ؟ وهذا ظاهر جداً، وقال تعالى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: ٧] ونُقِل عن المعتزلة ثلاثةُ أقوالٍ :
أحدها : أن الشيطان زَيَّن لهم، حكي عن الحسن أنه [ كان ] (١)- يحلف بالله على ذلك - ويقول : من زينها ؟ إنما زيَّنها الشيطانُ ؛ لأنه لا أحد أبغض لها من خالقها.
احتج لهم القاضي بوجوه :
الأول : أنه تعالى أطلق حبَّ الشهواتِ، فيدخل فيه حُبُّ الشهواتِ المحرمةِ، ومُزَينُ الشهواتِ المحرمة هو الشيطانُ.
الثاني : أنه - تعالى - ذكر القناطيرَ المقنطرةَ من الذهبِ والفضةِ، وحُبُّ هذا المالِ الكثيرِ لا يليق إلا بمَنْ جعل الدنيا قِبْلَةَ طلبه، ومُنتَهَى مقصودِه ؛ لأن أهْلَ الآخرةِ يكتفون بالبُلْغَةِ.
الثالث : قوله تعالى :﴿ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فذكره في مَعْرض ذَمِّ الدنيا، والذامُّ للشيء لا يزينُهُ.
الرابع : قوله :﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] والمقصود من هذا الكلامِ صرفُ العبدِ عن الدنيا وتقبيحُها له، وذلك لا يليق بمن يزيِّنُ الدنيا في عينه.
القول الثاني : أن المزين هو الله تعالى، واحتجوا عليه بوجوه :
أحدها : أنه تعالى كما رغَّب في منافِع الآخرةِ فقد خلق مَلاَذَّ الدنيا، وأباحها لعبيده ؛ فإنه إذا خلق الشهوةَ والمُشْتَهَى، وخلق للمشتهى عِلْماً بما في تناوُل المشتَهَى من اللذةِ، ثم أباح له ذلك التناولَ ؛ يقال : إنه زيَّنَها له.
وثانيها : أن الانتفاع بهذه الشهواتِ وسائلُ إلى منافع الآخرةِ، والله تعالى نَدَب إليها، فكان تزييناً لها، أمَّا كونها وسائلَ إلى ثوابِ الآخرةِ أنه يتصدق بها، ويتقوَّى بها على الطاعة وأيضاً إذا علم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله حمله ذلك على الاتشغال بالشكر.
قال صاحب بن عبَّادٍ :" شُرْبُ الْماءِ الْبَارِدِ في الصَّيْفِ يَسْتَخْرِجُ الْحَمْدَ مِنْ أقْصَى الْقَلْبِ " وأيضاً فإن القادرَ على التمتُّع باللذات إذا تركها واشتغل بالعبادة، وتحمل ما في ذلك من المشقة كان أكثرَ ثواباً.
وثالثها : قوله تعالى :﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله :﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
[الأعراف: ٣٢]، وقوله :﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: ٧] وقال :﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقال :﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال :﴿كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ [البقرة: ١٦٨]، وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى.
القول الثالث - وهو اختيار الجبائي والقاضي - : وهو التفصيل، فإن كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان، وإن كان واجباً، أو مندوباً، فالتزيين فيه من الله تعالى ذكره القاضي في تفسيره وبقي قسمٌ ثالث، وهو المباح الذي ليس في فعله ثواب، ولا في تركه عقابٌ، وكان من حق القاضي أن يذكره فلم يذكره. ويُبَيِّنَ التزيين فيه، هل هو من الله تعالى أو من الشيطان ؟
وقرأ مجاهد(٢) :" زَيَّنَ " مبنيًّا للفاعل، و " حُبَّ " مفعول به نصاً، والفاعل إما ضمير الله تعالى ؛ المتقدم ذكره في قوله :﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ١٣]، وإما ضمير الشيطان، أضمر - وإنْ لم يجر له ذكر - لأنه أصل ذلك، فذكرُ هذه الأشياءِ مُؤذِنٌ بذِكْرِه، وأضافَ المصدر لمفعوله في ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾.
والشهوات جمع شَهْوَة - بسكون العين - فحُرِّكت في الجمع، ولا يجوز التسكين إلا في ضرورة، كقوله :[ الطويل ]
بتسكين الفاء. والشهوةُ مصدر يُراد به اسم المفعول، أي : المشتهيات، فهو من باب : رَجُل عَدل حيث جعلت نفس المصدر مبالغةً. والشهوة : مَيْل النفس، وتُجْمَع على شهوات - كالآية الكريمة - وعلى شُهًى - كغُرَفٍ -.
قالت امرأة من بني نصر بن معاوية :[ الطويل ]
قال النحويون : لا تُجْمَع فَعْلَة - المعتلة اللام يعنون بفتح الفاء وسكون العين على فُعَل إلا ثلاثة ألفاظٍ : قرية وقُرًى، ونَزْوَة ونُزًى، وكَوَّة - عند من فتح الكاف - وكُوًى.
واستدرك أبو حيّان :" واستدركت - أنا - شُهًى، وأنشد البيت.
وقال الراغب(٥) :". . . . وقد يُسَمَّى المشتهى، شهوةً، وقد يقال للقوَّة التي بها يُشْتَهَى الشيء : شهوة، وقوله تعالى :﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ يحتمل الشهوتين.
قال الزمخشريُّ : وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان :
إحداهما : أنه جعل الأعيانَ التي ذكرها شهواتٍ ؛ مبالغةً في كونها مشتهاةٌ، محروصاً على الاستمتاع بها.
الثانية : أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية، فكأن المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير منها.
وَجهُ النظم : أنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني قال لأخيه : إنه يعرف صدق محمد فيما جاء به، إلا أنه لا يُقرُّ بذلك ؛ خوفاً من أن يأخذ ملكُ الروم منه المالَ والجاهَ، وأيضاً روينا أن النبي - عليه السلام - لما دعا اليهود إلى الإسلام - بعد غزوة بدر - أظهروا من أنفسهم القوةَ والشدةَ، والاستظهارَ والسلاحَ، فبين - تعالى - في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها - من متاع الدنيا - زائلة، باطلة، وأن الآخرة خير وأبقى.
قال المتكلمون : دلت هذه الآية على أن الحبَّ غيرُ الشهوةِ ؛ لأنه أضافهُ إليها، والمضاف غيرُ المضافِ إليه، والشهوة فعل الله تعالى، والمحبة فعل العبد.
قالت الحكماءُ : الإنسان قد يحب شيئاً، ولكنه يحب ألا يحبه، كالمسلم قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات، لكنه يحب ألا يحبه، وأما من أحب شيئاً، وأحب أن يحبه، فذلك هو كمال المحبة، فإن كان ذلك في جانب الخير، فهو كمال السعادة، كقول سليمان :﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]، ومعناه : أحب الخير، وأحب أن أكون محباً للخير، وإن كان ذلك في جانب الشرِّ فهو كما قال في هذه الآية ؛ فإن قوله :﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَات﴾ يدل على ثلاثةِ أمور مترتبة :
أولها : أنه يشتهي أنواع المشتهيات.
ثانيها : أنه يحب شهوته لها.
ثالثها : أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة.
ولما اجتمعت هذه الدرجاتُ الثلاثُ في هذه القضية بلغت الغايةَ القصوى في الشدة، فلا تنحلّ إلا بتوفيق عظيمٍ من الله تعالى، ثم إنه أضاف ذلك إلى الناس، ولفظ " النَّاس " عام، دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل - أيضاً - يدل عليه ؛ لأن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب، ومطلوب لذاته، والمنافع قسمان : جسماني، وروحاني، فالجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر، والروحاني لا يحصل إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة، ثم إن انجذاب نفسه إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب، فلا جرم كان الغالب على الخلق هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية، فلهذا السبب عم الله هذا الحكمَ في الكل.
قوله تعالى :﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ في محل نَصْب على الحال من الشهوات، والتقدير : حال كون الشهوات من كذا وكذا، فهي مفسرة لها في المعنى.
ويجوز أن تكون " مِنْ " لبيان الجنس، لقول الزمخشريِّ :" ثم يفسره بهذه الأجناس ".
كقوله :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والمعنى : فاجتنبوا الأوثان التي هي رِجْسٌ.
وقدم النساءَ على الكل، قال القرطبيُّ : لكثرة تشوُّق النفوس إليهن ؛ لأنهن حبائلُ الشيطان، وفتنة الرجالِ، قال ﷺ :" مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ النِّسَاءِ " أخرجه البخاري ومسلم لأن الالتذاذ(٦) منهن أكثرُ، والاستئناسَ بهن أتَمُّ، ولذلك قال تعالى :
﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، [الروم: ٢١]، ثم ثَنَّى بالولد الذَّكَر ؛ لأن حُبَّ الولد الذكر أكثر من حب الولد الأنثى، واعلم أن الله تعالى - في إيجاد حُبِّ الزوجة والولد في قلب الإنسان - حكمةً بالغةً ؛ إذْ لولا هذا الحُبُّ لَمَا حصل التوالُدُ والتناسُل، وهذه المحبة غريزة في جميع الحيوان، والبنين : جمع ابن، قال نوح :﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ويُصَغَّر " ابن " على بُنَيّ، قال لقمان :﴿يبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣]، وقال نوح :﴿يبُنَيَّ ارْكَبَ مَّعَنَا﴾ [هود: ٤٢].
قوله تعالى :﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ هي جمع قِنْطار، وفي نونه قولان :
أحدهما : أنها أصلية، وأن وَزْنَه فِعْلاَل، كحِمْلاق، وقِرْطاس.
والثاني : أنها زائدة، وأن وزنه فِنْعال كفِنْعاس، وهو الجمل الشديد، واشتقاقه من قطر يقطر - إذا سال ؛ لأن الذهب والفضة يُشَبَّهَان بالماء في سرعة الانقلابِ، وكثرة التقلُّب.
وقال الزَّجَّاج : هو مأخوذ من قَنْطَرتُ الشيء - إذا عقدته وأحكمته - ومنه القنطرة ؛ لإحْكام عقدها.
حكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون : القنطار وزن لا يُحَدُّ.
قال ابن الخطيب :" وهذا هو الصحيح ".
وقال الربيع بن أنس : القنطار : المال الكثير بعضه على بعض(٧).
وقال القرطبي :" والعرب تقول قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار ".
وقال معاذ بن جبل - ورواه أبَيّ بنُ كعب عن النبي ﷺ - قال :" القنطارُ ألفٌ ومئتا أوقية " (٨).
وقال ابن عباس والضحاك : ألف ومائتا مثقالٍ(٩)، وعنهما - في رواية أخرى - اثنا عشر ألفَ درْهمٍ أو ألف دينار دية أحدكم، وبه قال الحسن(١٠).
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال :" القِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ ألْفَ أوْقيةٍ " (١١).
وروى أنس - أيضاً - عنه أن القنطار ألف دينار (١٢).
وروى سعيد بن المسيب وقتادة : ثمانون ألفاً. (١٣)
وقال مجاهدٌ : سبعون ألفاً. (١٤)
وقا
﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص: ٦٣] يعني إن اعتقد أحد أنَّا أغويناهم، فمَن الذي أغوانا ؟ وهذا ظاهر جداً، وقال تعالى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: ٧] ونُقِل عن المعتزلة ثلاثةُ أقوالٍ :
أحدها : أن الشيطان زَيَّن لهم، حكي عن الحسن أنه [ كان ] (١)- يحلف بالله على ذلك - ويقول : من زينها ؟ إنما زيَّنها الشيطانُ ؛ لأنه لا أحد أبغض لها من خالقها.
احتج لهم القاضي بوجوه :
الأول : أنه تعالى أطلق حبَّ الشهواتِ، فيدخل فيه حُبُّ الشهواتِ المحرمةِ، ومُزَينُ الشهواتِ المحرمة هو الشيطانُ.
الثاني : أنه - تعالى - ذكر القناطيرَ المقنطرةَ من الذهبِ والفضةِ، وحُبُّ هذا المالِ الكثيرِ لا يليق إلا بمَنْ جعل الدنيا قِبْلَةَ طلبه، ومُنتَهَى مقصودِه ؛ لأن أهْلَ الآخرةِ يكتفون بالبُلْغَةِ.
الثالث : قوله تعالى :﴿ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فذكره في مَعْرض ذَمِّ الدنيا، والذامُّ للشيء لا يزينُهُ.
الرابع : قوله :﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] والمقصود من هذا الكلامِ صرفُ العبدِ عن الدنيا وتقبيحُها له، وذلك لا يليق بمن يزيِّنُ الدنيا في عينه.
القول الثاني : أن المزين هو الله تعالى، واحتجوا عليه بوجوه :
أحدها : أنه تعالى كما رغَّب في منافِع الآخرةِ فقد خلق مَلاَذَّ الدنيا، وأباحها لعبيده ؛ فإنه إذا خلق الشهوةَ والمُشْتَهَى، وخلق للمشتهى عِلْماً بما في تناوُل المشتَهَى من اللذةِ، ثم أباح له ذلك التناولَ ؛ يقال : إنه زيَّنَها له.
وثانيها : أن الانتفاع بهذه الشهواتِ وسائلُ إلى منافع الآخرةِ، والله تعالى نَدَب إليها، فكان تزييناً لها، أمَّا كونها وسائلَ إلى ثوابِ الآخرةِ أنه يتصدق بها، ويتقوَّى بها على الطاعة وأيضاً إذا علم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله حمله ذلك على الاتشغال بالشكر.
قال صاحب بن عبَّادٍ :" شُرْبُ الْماءِ الْبَارِدِ في الصَّيْفِ يَسْتَخْرِجُ الْحَمْدَ مِنْ أقْصَى الْقَلْبِ " وأيضاً فإن القادرَ على التمتُّع باللذات إذا تركها واشتغل بالعبادة، وتحمل ما في ذلك من المشقة كان أكثرَ ثواباً.
وثالثها : قوله تعالى :﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله :﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
[الأعراف: ٣٢]، وقوله :﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: ٧] وقال :﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقال :﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال :﴿كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ [البقرة: ١٦٨]، وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى.
القول الثالث - وهو اختيار الجبائي والقاضي - : وهو التفصيل، فإن كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان، وإن كان واجباً، أو مندوباً، فالتزيين فيه من الله تعالى ذكره القاضي في تفسيره وبقي قسمٌ ثالث، وهو المباح الذي ليس في فعله ثواب، ولا في تركه عقابٌ، وكان من حق القاضي أن يذكره فلم يذكره. ويُبَيِّنَ التزيين فيه، هل هو من الله تعالى أو من الشيطان ؟
وقرأ مجاهد(٢) :" زَيَّنَ " مبنيًّا للفاعل، و " حُبَّ " مفعول به نصاً، والفاعل إما ضمير الله تعالى ؛ المتقدم ذكره في قوله :﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ١٣]، وإما ضمير الشيطان، أضمر - وإنْ لم يجر له ذكر - لأنه أصل ذلك، فذكرُ هذه الأشياءِ مُؤذِنٌ بذِكْرِه، وأضافَ المصدر لمفعوله في ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾.
والشهوات جمع شَهْوَة - بسكون العين - فحُرِّكت في الجمع، ولا يجوز التسكين إلا في ضرورة، كقوله :[ الطويل ]
| وَحُمِّلتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأطَقْتُهَا | وَمَا لِي بِوَفْرَاتِ العَشِيِّ يَدَانِ(٣) |
قالت امرأة من بني نصر بن معاوية :[ الطويل ]
| فَلَوْلاَ الشُّهَى - وَاللهِ - كُنْتُ جَدِيرَةٌ | بِأنْ أتركَ اللَّذَاتِ في كُلِّ مشْهَدِ(٤) |
واستدرك أبو حيّان :" واستدركت - أنا - شُهًى، وأنشد البيت.
وقال الراغب(٥) :". . . . وقد يُسَمَّى المشتهى، شهوةً، وقد يقال للقوَّة التي بها يُشْتَهَى الشيء : شهوة، وقوله تعالى :﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ يحتمل الشهوتين.
قال الزمخشريُّ : وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان :
إحداهما : أنه جعل الأعيانَ التي ذكرها شهواتٍ ؛ مبالغةً في كونها مشتهاةٌ، محروصاً على الاستمتاع بها.
الثانية : أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية، فكأن المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير منها.
فصل
وَجهُ النظم : أنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني قال لأخيه : إنه يعرف صدق محمد فيما جاء به، إلا أنه لا يُقرُّ بذلك ؛ خوفاً من أن يأخذ ملكُ الروم منه المالَ والجاهَ، وأيضاً روينا أن النبي - عليه السلام - لما دعا اليهود إلى الإسلام - بعد غزوة بدر - أظهروا من أنفسهم القوةَ والشدةَ، والاستظهارَ والسلاحَ، فبين - تعالى - في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها - من متاع الدنيا - زائلة، باطلة، وأن الآخرة خير وأبقى.
فصل
قال المتكلمون : دلت هذه الآية على أن الحبَّ غيرُ الشهوةِ ؛ لأنه أضافهُ إليها، والمضاف غيرُ المضافِ إليه، والشهوة فعل الله تعالى، والمحبة فعل العبد.
قالت الحكماءُ : الإنسان قد يحب شيئاً، ولكنه يحب ألا يحبه، كالمسلم قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات، لكنه يحب ألا يحبه، وأما من أحب شيئاً، وأحب أن يحبه، فذلك هو كمال المحبة، فإن كان ذلك في جانب الخير، فهو كمال السعادة، كقول سليمان :﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]، ومعناه : أحب الخير، وأحب أن أكون محباً للخير، وإن كان ذلك في جانب الشرِّ فهو كما قال في هذه الآية ؛ فإن قوله :﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَات﴾ يدل على ثلاثةِ أمور مترتبة :
أولها : أنه يشتهي أنواع المشتهيات.
ثانيها : أنه يحب شهوته لها.
ثالثها : أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة.
ولما اجتمعت هذه الدرجاتُ الثلاثُ في هذه القضية بلغت الغايةَ القصوى في الشدة، فلا تنحلّ إلا بتوفيق عظيمٍ من الله تعالى، ثم إنه أضاف ذلك إلى الناس، ولفظ " النَّاس " عام، دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل - أيضاً - يدل عليه ؛ لأن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب، ومطلوب لذاته، والمنافع قسمان : جسماني، وروحاني، فالجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر، والروحاني لا يحصل إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة، ثم إن انجذاب نفسه إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب، فلا جرم كان الغالب على الخلق هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية، فلهذا السبب عم الله هذا الحكمَ في الكل.
قوله تعالى :﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ في محل نَصْب على الحال من الشهوات، والتقدير : حال كون الشهوات من كذا وكذا، فهي مفسرة لها في المعنى.
ويجوز أن تكون " مِنْ " لبيان الجنس، لقول الزمخشريِّ :" ثم يفسره بهذه الأجناس ".
كقوله :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والمعنى : فاجتنبوا الأوثان التي هي رِجْسٌ.
وقدم النساءَ على الكل، قال القرطبيُّ : لكثرة تشوُّق النفوس إليهن ؛ لأنهن حبائلُ الشيطان، وفتنة الرجالِ، قال ﷺ :" مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ النِّسَاءِ " أخرجه البخاري ومسلم لأن الالتذاذ(٦) منهن أكثرُ، والاستئناسَ بهن أتَمُّ، ولذلك قال تعالى :
﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، [الروم: ٢١]، ثم ثَنَّى بالولد الذَّكَر ؛ لأن حُبَّ الولد الذكر أكثر من حب الولد الأنثى، واعلم أن الله تعالى - في إيجاد حُبِّ الزوجة والولد في قلب الإنسان - حكمةً بالغةً ؛ إذْ لولا هذا الحُبُّ لَمَا حصل التوالُدُ والتناسُل، وهذه المحبة غريزة في جميع الحيوان، والبنين : جمع ابن، قال نوح :﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ويُصَغَّر " ابن " على بُنَيّ، قال لقمان :﴿يبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣]، وقال نوح :﴿يبُنَيَّ ارْكَبَ مَّعَنَا﴾ [هود: ٤٢].
قوله تعالى :﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ هي جمع قِنْطار، وفي نونه قولان :
أحدهما : أنها أصلية، وأن وَزْنَه فِعْلاَل، كحِمْلاق، وقِرْطاس.
والثاني : أنها زائدة، وأن وزنه فِنْعال كفِنْعاس، وهو الجمل الشديد، واشتقاقه من قطر يقطر - إذا سال ؛ لأن الذهب والفضة يُشَبَّهَان بالماء في سرعة الانقلابِ، وكثرة التقلُّب.
وقال الزَّجَّاج : هو مأخوذ من قَنْطَرتُ الشيء - إذا عقدته وأحكمته - ومنه القنطرة ؛ لإحْكام عقدها.
حكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون : القنطار وزن لا يُحَدُّ.
قال ابن الخطيب :" وهذا هو الصحيح ".
وقال الربيع بن أنس : القنطار : المال الكثير بعضه على بعض(٧).
وقال القرطبي :" والعرب تقول قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار ".
وقال معاذ بن جبل - ورواه أبَيّ بنُ كعب عن النبي ﷺ - قال :" القنطارُ ألفٌ ومئتا أوقية " (٨).
وقال ابن عباس والضحاك : ألف ومائتا مثقالٍ(٩)، وعنهما - في رواية أخرى - اثنا عشر ألفَ درْهمٍ أو ألف دينار دية أحدكم، وبه قال الحسن(١٠).
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال :" القِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ ألْفَ أوْقيةٍ " (١١).
وروى أنس - أيضاً - عنه أن القنطار ألف دينار (١٢).
وروى سعيد بن المسيب وقتادة : ثمانون ألفاً. (١٣)
وقال مجاهدٌ : سبعون ألفاً. (١٤)
وقا
١ في ب: قال..
٢ وبها قرأ الضحاك ينظر الوجيز ١/٤٠٨، والبحر المحيط ٢/٤١٣، والدر المصون ٢/٣١، والقرطبي ٤/٢٠..
٣ البيت لعروة بن حزام ينظر خزانة الأدب ٣/٣٨٠، والدرر ١/٨٦، ولأعرابي من بني عذرة في شرح التصريح ٢/٢٩٨، والمقاصد النحوية ٤/٥١٩، وأوضح المسالك ٤/٣٠٤، وشرح الأشموني ٣/٦٦٨، وشرح ابن عقيل ص ٦٣٤، وهمع الهوامع ١/٢٤، والدر المصون ٢/٣١..
٤ ينظر الأشباه والنظائر٥/٢٨ وتذكرة النحاة ص ٦٢ وتاج العروس (شهى) والبحر المحيط ٢/٤٠٩ والدر المصون ٢/٣٢..
٥ ينظر: المفردات ٢٧٧..
٦ أخرجه البخاري (٧/١٤) كتاب النكاح باب ما يتقى من شؤم.. الخ (٥٠٩٦) ومسلم (٤/٢٠٩٧) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء (٩٧- ٢٧٤٠) والترمذي (٢٧٨٠) وأحمد (٥/٢٠٠) والبيهقي (٧/٩١) والطبراني (١/١٣٣) وعبد الرزاق (٢٠٦٠٨) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٣٥) وابن عساكر (٢/٣٩٥- تهذيب) والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٣٢٩)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٩) عن الربيع وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٩)..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٥) عن أبي بن كعب مرفوعا وأورده ابن كثير في "تفسيره" (٢/١١٠) وقال: وهذا حديث منكر والأقرب أن يكون موقوفا على أبي بن كعب كغيره من الصحابة..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٦) عن الضحاك وابن عباس.
وأخرجه البيهقي (٧/٢٣٣) عن ابن عباس أيضا..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٧) عن ابن عباس والضحاك والحسن..
١١ أخرجه أحمد (٢/٣٦٣) وابن ماجه (٣٦٦٠) كتاب الأدب باب: بر الوالدين والدارمي (٢/٤٧٦) والبيهقي (٧/٢٣٣) وابن حبان (٦٦٣- موارد) عن أبي هريرة مرفوعا.
وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات..
١٢ أخرجه الحاكم (٢/٣٧٨) كتاب النكاح وصححه عن أنس بن مالك..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٤٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٨) وعزاه لعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٨) عن مجاهد وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٨) لعبد بن حميد..
٢ وبها قرأ الضحاك ينظر الوجيز ١/٤٠٨، والبحر المحيط ٢/٤١٣، والدر المصون ٢/٣١، والقرطبي ٤/٢٠..
٣ البيت لعروة بن حزام ينظر خزانة الأدب ٣/٣٨٠، والدرر ١/٨٦، ولأعرابي من بني عذرة في شرح التصريح ٢/٢٩٨، والمقاصد النحوية ٤/٥١٩، وأوضح المسالك ٤/٣٠٤، وشرح الأشموني ٣/٦٦٨، وشرح ابن عقيل ص ٦٣٤، وهمع الهوامع ١/٢٤، والدر المصون ٢/٣١..
٤ ينظر الأشباه والنظائر٥/٢٨ وتذكرة النحاة ص ٦٢ وتاج العروس (شهى) والبحر المحيط ٢/٤٠٩ والدر المصون ٢/٣٢..
٥ ينظر: المفردات ٢٧٧..
٦ أخرجه البخاري (٧/١٤) كتاب النكاح باب ما يتقى من شؤم.. الخ (٥٠٩٦) ومسلم (٤/٢٠٩٧) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء (٩٧- ٢٧٤٠) والترمذي (٢٧٨٠) وأحمد (٥/٢٠٠) والبيهقي (٧/٩١) والطبراني (١/١٣٣) وعبد الرزاق (٢٠٦٠٨) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٣٥) وابن عساكر (٢/٣٩٥- تهذيب) والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٣٢٩)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٩) عن الربيع وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٩)..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٥) عن أبي بن كعب مرفوعا وأورده ابن كثير في "تفسيره" (٢/١١٠) وقال: وهذا حديث منكر والأقرب أن يكون موقوفا على أبي بن كعب كغيره من الصحابة..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٦) عن الضحاك وابن عباس.
وأخرجه البيهقي (٧/٢٣٣) عن ابن عباس أيضا..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٧) عن ابن عباس والضحاك والحسن..
١١ أخرجه أحمد (٢/٣٦٣) وابن ماجه (٣٦٦٠) كتاب الأدب باب: بر الوالدين والدارمي (٢/٤٧٦) والبيهقي (٧/٢٣٣) وابن حبان (٦٦٣- موارد) عن أبي هريرة مرفوعا.
وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات..
١٢ أخرجه الحاكم (٢/٣٧٨) كتاب النكاح وصححه عن أنس بن مالك..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٤٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٨) وعزاه لعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٤٨) عن مجاهد وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٨) لعبد بن حميد..