تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ولقد صدقكم الله وعده ) أي : وعده صدقكم بالظفر والنصرة ؛ وقد كانت النصرة في الابتداء للمسلمين يوم أحد ( إذ تحسونهم بإذنه ) أي : تقتلونهم بقضاء الله وقدره، والحَسّ : القتل، ومنه قول الشاعر :
تَحُسُّهُم السُّيوفُ كما تَسَامَىلهيبُ النارِ في أَجَمِ الحَصِيدِ
( حتى إذا فشلتم ) أي : جَبُنتم، ( وتنازعتم في الأمر ) تقديره : حتى إذا فشلتم، تنازعتم في الأمر، و " الواو " زائدة قاله الفراء، وقيل : فيه تقديم وتأخير وتقديره : حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم ( وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) يعني : من الظفر والغنيمة.
( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) ؛ لأنهم اختلفوا على ما سنذكر ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) أي :[ كف ] (١) أيديكم عنهم ؛ ليمتحنكم، وقيل : لينزل البلاء عليكم، ( ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين )، والقصة في ذلك :«أن رسول الله ﷺ رأى في منامه : أنه لبس درعا حصينة حين نزل المشركون بأحد ؛ فأولها على المدينة، وشاور أصحابه في الخروج إلى أحد، فقالوا : إن هذه بلدة ما دخل علينا فيها أحد، ولا تبع حتى قدم وحتى يخرج إليهم، فلبس رسول الله درعين، ووضع المغفر على رأسه، وخرج ؛ فندموا وعلموا أنه كان مراده أن يقيم، فقالوا : يا رسول الله، ( إنا ) (٢) تبع لرأيك، وطلبوا منه أن يرجع إن شاء، فقال : ما كان لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يقاتل، أو يحكم الله.
ومضى معه ألف نفر، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول [ وأصحابه ] (٣) بثلث الجيش ثلثمائة نفر، وبقي سبعمائة، فلما وصل إلى أحد بعث قوما من الرماة، وأجلسهم على موضع من جبل يخاف منه الكمين، وأمر عليهم عبد الله بن جبير الأنصاري. ثم ابتدأ القتال مع المشركين، فظفر عليهم، وقتل جماعة من رؤسائهم، وانهزموا، ولاح الظفر للمسلمين، وساروا في أثرهم للغنيمة، فلما رآه الرماة، فقالوا : إن المشركين قد انهزموا، ولاح الظفر حتى نسير على أثرهم ؛ ونغنم، فقال عبد الله بن جبير : لا تفارقوا هذا المكان ؛ فإن رسول الله ﷺ أمركم أن تلزموا هذا المكان، فالزموه، فاختلفوا عليه، وذهب أكثرهم، وبقي عبد الله بن جبير مع نفر قليل من أصحابه.
فلما عرى موضع الكمين عن الرماة، خرج عليهم خالد بن الوليد من الكمين، وحمل عليهم بالقتل، فاستشهد عبد الله بن جبير، ومن بقي معه، وعاد المشركون للقتال، ووقع القتل في المسلمين، وقتل منهم سبعون نفرا، وانهزم الباقون، وبقي مع رسول الله ﷺ نفر قليل، فذلك قوله ( ولقد صدقكم الله وعده ) أي : في الابتداء بالظفر والنصرة ( إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ) يعني : أولئك الرماة الذين اختلفوا، ( وعصيتم ) يعني : عصيتم الرسول، وخالفتم أمره ( من بعد ما أراكم ) يعني : من بعد أن أراكم الله تعالى ( ما تحبون ) من الظفر ( منكم من يريد الدنيا ) هم الذين ذهبوا للغنيمة، ( ومنكم من يريد الآخرة ) : الذين صبروا مع عبد الله بن جبير (٤).
قال ابن مسعود : ما علمنا أن أحدا منا يريد الدنيا حتى أنزل الله هذه الآية.
( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) يعني : في الوقعة الثانية حين عاد المشركون، وهذا دليل لأهل السنة على : أن أفعال العباد مخلوقة ؛ حيث نسب الله تعالى هزيمة المسلمين إلى نفسه مع وقوع الفعل منهم، فقال :( ثم صرفكم عنهم ).
١ - في "الأصل وك": كَيَّف..
٢ - ليست في "ك"..
٣ - من "ك"..
٤ - أورده السيوطي في الدر مطولا (٢/٧٥-٧٦) وعزاه لابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر عن جمع، كل قد حدث ببعض الحديث عن يوم أحد وانظر ابن جرير (٤/٨١-٨٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى